Akhbar Cairo

من يقود الأمم المتحدة بعد غوتيريش؟ خريطة سباق 2027

سباق مبكر على المنصب الدولي الأرفع

بدأت ملامح المنافسة على منصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة تتضح قبل أشهر من انتهاء ولاية البرتغالي أنطونيو غوتيريش. فبحسب وثائق الأمم المتحدة، تنتهي ولايته الثانية رسميًا في 31 ديسمبر 2026، على أن يتولى الأمين العام الجديد مهامه اعتبارًا من 1 يناير 2027. ومع اتساع دائرة الترشيحات خلال 2026، لم يعد الحديث عن “اسم واحد توافقي” كافيًا، بل عن سباق دبلوماسي متعدد القارات والحسابات السياسية، تراقبه عواصم العالم، بما فيها العواصم العربية، عن قرب.

وبالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة العربية، لا تبدو هذه المعركة بروتوكولية فقط؛ فالأمين العام المقبل سيصل إلى المنصب في لحظة شديدة الحساسية، تتداخل فيها أزمات غزة والسودان وليبيا واليمن، مع ضغوط إصلاح النظام الدولي وتمويل عمليات الإغاثة والتنمية. ولهذا، فإن هوية من سيقود المنظمة بعد غوتيريش ستنعكس على أولويات الأمم المتحدة في الإقليم خلال السنوات الخمس التالية.

كيف يُختار الأمين العام للأمم المتحدة؟

تنص المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة على أن الأمين العام يُعيَّن من الجمعية العامة بناءً على توصية من مجلس الأمن. عمليًا، تبدأ العملية بفتح باب الترشيحات من الدول الأعضاء، ثم تُنظم حوارات تفاعلية علنية مع المرشحين، قبل أن يدخل الملف إلى المرحلة الأكثر حساسية داخل مجلس الأمن، حيث يمكن لأي من الأعضاء الدائمين الخمسة عرقلة أي اسم عبر حق النقض.

الأمم المتحدة أوضحت أيضًا أن دورة 2025-2026 تسير وفق قرار الجمعية العامة 79/327، مع التشديد على مبادئ الشفافية والشمول. وقد انطلقت العملية رسميًا برسالة مشتركة من رئيس الجمعية العامة ورئيس مجلس الأمن في 25 نوفمبر 2025 تدعو الدول الأعضاء إلى تقديم الترشيحات.

لماذا تبدو دورة 2027 مختلفة؟

الاختلاف الأبرز هذه المرة هو اتساع قائمة الأسماء المعلنة مبكرًا، وظهور مرشحين من خلفيات متنوعة: رؤساء سابقون، دبلوماسيون مخضرمون، ومسؤولون أمميون سابقون وحاليون. كما أن النقاش عاد بقوة حول ما إذا كان الوقت قد حان لاختيار امرأة لأول مرة لقيادة الأمم المتحدة، وهو مطلب يتكرر منذ سنوات داخل المنظمة وخارجها.

وتزداد أهمية هذا البعد مع دعوات صدرت خلال 2026 من مسؤولي الجمعية العامة لتشجيع الدول على تقديم مرشحات مؤهلات، في ظل قناعة متنامية بأن إصلاح المؤسسة لا ينفصل عن طبيعة القيادة التي ستصل إلى الطابق 38 في مقر المنظمة بنيويورك.

من هم أبرز المرشحين المعلنين حتى الآن؟

1) ريبيكا غرينسبان

من بين الأسماء البارزة ريبيكا غرينسبان، التي رشحتها كوستاريكا في 3 مارس 2026. وتشغل غرينسبان حاليًا منصب الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أونكتاد، كما سبق أن شغلت مواقع أممية وتنموية بارزة، ما يمنحها رصيدًا مهمًا في ملفات الاقتصاد العالمي والتنمية والديون، وهي قضايا تهم بلدان الجنوب، ومنها دول عربية وإفريقية عديدة.

2) ماكي سال

المرشح الإفريقي الأبرز في القائمة المبكرة كان الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، الذي قُدمت ترشيحه بوروندي في 2 مارس 2026، وأُبلغت به الدول الأعضاء في 3 مارس 2026. ويحمل سال ثقلًا سياسيًا إفريقيًا واضحًا، خاصة أنه قاد السنغال لسنوات وترأس أيضًا الاتحاد الإفريقي سابقًا، ما يجعله حاضرًا في أي نقاش حول أحقية إفريقيا في شغل المنصب هذه الدورة.

3) رافاييل ماريانو غروسي

ومن الأسماء التي طُرحت مبكرًا كذلك رافاييل ماريانو غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي قدمت الأرجنتين ترشيحه في نوفمبر 2025. ويُنظر إلى غروسي باعتباره صاحب خبرة كبيرة في الدبلوماسية متعددة الأطراف والملفات النووية الحساسة، وهي خبرة قد تمنحه أفضلية لدى بعض القوى الكبرى الباحثة عن شخصية تنفيذية ذات صلة مباشرة بالأمن الدولي.

4) ماريا فرناندا إسبينوزا

كما دخلت السباق ماريا فرناندا إسبينوزا غارسيس بترشيح من أنتيغوا وبربودا أُعلن في 12 مايو 2026. وإسبينوزا دبلوماسية إكوادورية معروفة، وسبق أن تولت رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يمنحها معرفة مباشرة بتوازنات المنظمة وآليات التفاوض بين كتلها المختلفة.

5) كارولين رودريغز بيركيت

وفي 15 يونيو 2026 أعلنت الأمم المتحدة ترشيح كارولين رودريغز بيركيت من غيانا. وهي سياسية ودبلوماسية شغلت مناصب وزارية وديبلوماسية، وشاركت لاحقًا في الحوار التفاعلي المفتوح مع الدول الأعضاء والمجتمع المدني في 18 يونيو 2026.

6) أولارا أوتونو

ثم اتسعت القائمة مجددًا مع ترشيح أولارا أوتونّو من أوغندا في 24 يوليو 2026. أوتونّو معروف بخبرته الطويلة في الأمم المتحدة وفي قضايا الأطفال والنزاعات المسلحة، ما يضيف إلى السباق اسمًا إفريقيًا آخر يمتلك خلفية أممية مباشرة.

7) إيفون آ-باكي

أحدث الأسماء المعلنة حتى الآن هي إيفون آ-باكي، بعد إبلاغ الدول الأعضاء بترشيحها من تونغا في 18 أغسطس 2026. انضمامها المتأخر نسبيًا يعكس أن باب المناورات الدبلوماسية لم يُغلق بعد، وأن احتمالات إضافة أسماء جديدة أو إعادة ترتيب التحالفات لا تزال قائمة.

اسم انسحب من السباق

شهدت العملية أيضًا حالة لافتة تتعلق بالرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليه، التي رُشحت في البداية بدعم من تشيلي والبرازيل والمكسيك في 2 فبراير 2026، قبل أن تُبلغ الأمم المتحدة لاحقًا في 25 مارس 2026 بسحب الترشيح. وتُظهر هذه الواقعة أن ما يبدو حسمًا مبكرًا قد يتغير سريعًا تحت ضغط الحسابات الإقليمية والدولية.

ما الذي يحسم النتيجة فعليًا؟

رغم أهمية الحوارات العلنية والبرامج المعلنة للمرشحين، فإن كلمة السر تبقى في مجلس الأمن. فالتوازن بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا سيحدد أي الأسماء يمكن أن تعبر إلى الجمعية العامة. ومن هنا، لا يكفي أن يحظى المرشح بتأييد إقليمي أو بسيرة مهنية قوية؛ بل يجب أن يكون أيضًا مقبولًا لدى القوى الكبرى، أو على الأقل غير مرفوض من أي منها.

وفي الخلفية، يدور نقاش موازٍ حول التمثيل الجغرافي. إفريقيا وأمريكا اللاتينية تملكان هذا العام حضورًا لافتًا في قائمة المرشحين، بينما يرى كثيرون أن المنصب لم يذهب بعد إلى امرأة منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، وهو ما قد يعزز فرص بعض المرشحات إذا توافرت لهن شبكة دعم كافية داخل المجلس وخارجه.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

بالنسبة للمنطقة العربية، فإن هوية الأمين العام المقبل ليست مسألة رمزية. فالأمين العام القادم سيجد على طاولته منذ اليوم الأول ملفات الحرب في غزة، وإعادة الإعمار، ومستقبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إضافة إلى النزاعات في السودان وليبيا واليمن، ومسارات الأمن المائي والمناخ والهجرة والتنمية. لذلك، يهم القاهرة والعواصم العربية أن يصل إلى المنصب شخص قادر على الموازنة بين الإصلاح المؤسسي والفاعلية السياسية، لا مجرد إدارة الأزمات يومًا بيوم.

كما أن الدول العربية، بحكم ثقلها داخل الجمعية العامة ومجموعات الجنوب، يمكن أن تلعب دورًا في ترجيح كفة مرشح بعينه، خصوصًا إذا تبلور توافق أوسع مع المواقف الإفريقية أو اللاتينية. وحتى الآن، لا يبدو أن السباق حُسم، بل إن الأشهر المتبقية من 2026 قد تحمل تفاهمات جديدة أو انسحابات أو صفقات دبلوماسية تغير الصورة مرة أخرى.

الخلاصة

المؤكد حتى الآن أن الأمم المتحدة تتجه إلى واحدة من أكثر عمليات اختيار الأمناء العامين انفتاحًا وتعددًا في السنوات الأخيرة. نهاية ولاية أنطونيو غوتيريش تقترب في 31 ديسمبر 2026، والقائمة المعلنة تضم مزيجًا من الثقل السياسي والخبرة الأممية: ريبيكا غرينسبان، ماكي سال، رافاييل غروسي، ماريا فرناندا إسبينوزا، كارولين رودريغز بيركيت، أولارا أوتونّو، وإيفون آ-باكي. وبين الحسابات الكبرى ومطالب التمثيل والشفافية، سيظل سؤال 2027 مفتوحًا: هل تذهب القيادة المقبلة إلى إفريقيا، أم إلى أمريكا اللاتينية، أم تشهد المنظمة أخيرًا أول أمينة عامة في تاريخها؟