مهاب مجاهد: الانتماء يُبنى بالهوية لا بالشعارات
الهوية أولًا.. لماذا تعود قضية الانتماء إلى الواجهة؟
أعاد الدكتور مهاب مجاهد، عضو مجلس الشيوخ واستشاري الطب النفسي، فتح نقاش قديم ومتجدد في الوقت نفسه حول العلاقة بين الهوية الوطنية والانتماء، حين شدد على أن الانتماء الحقيقي لا يُصنع بالخطب ولا بالشعارات، بل يبدأ من هوية متماسكة وشخصية يجري بناؤها بصورة واعية منذ الطفولة. وفي جوهر هذا الطرح، تبدو الرسالة أبعد من مجرد تعليق إعلامي؛ فهي تتصل مباشرة بسؤال الدولة والمجتمع في مصر: كيف يمكن تكوين أجيال واثقة من نفسها، مرتبطة بوطنها، وقادرة على التمييز بين الضجيج الرقمي والوعي الحقيقي؟
أهمية هذا الطرح أنه يأتي من شخصية تجمع بين العمل العام والخبرة النفسية. فمجاهد يُعرَّف في أكثر من مصدر صحفي ورسمي بصفته عضوًا في مجلس الشيوخ واستشاريًا في الطب النفسي، وهو ما يجعل حديثه عن بناء الشخصية والانتماء متصلًا بخبرته المهنية وبالملفات المجتمعية التي ناقشها داخل المجال العام، خاصة ما يتعلق بحماية الأطفال وتأثير التكنولوجيا والبيئة التربوية على تكوينهم.
هل يعاني الجيل الجديد فعلًا من أزمة انتماء؟
الفكرة الأكثر إثارة في تصريحات مهاب مجاهد هي رفضه التعميم السهل الذي يتهم الشباب باللامبالاة أو ضعف الانتماء. هذا الحكم، بحسب المنظور الذي يقدمه، لا يصمد كثيرًا أمام الوقائع؛ لأن الأجيال الجديدة تُظهر قدرًا واضحًا من التفاعل في اللحظات الوطنية الكبرى، سواء في أوقات الشدة أو عند تحقق الإنجازات. وهنا لا يصبح السؤال: هل الشباب منتمون أم لا؟ بل: كيف نقرأ أشكال الانتماء الجديدة؟
في مصر، تغيّرت أدوات التعبير لدى الأجيال الأصغر سنًا. لم يعد الانتماء مرتبطًا فقط باللغة التقليدية أو الصيغ الخطابية الموروثة، بل بات يظهر في صور أخرى: الدفاع عن صورة البلد في الفضاء الرقمي، التفاعل مع القضايا العامة، الاهتمام بفرص التعليم والعمل، والمشاركة في المبادرات المجتمعية. لذلك فإن اتهام الجيل الجديد بأنه فاقد للانتماء قد يكون أقرب إلى سوء فهم لطبيعة التحول الاجتماعي والثقافي منه إلى توصيف دقيق للواقع.
هذا المعنى يكتسب وزنًا إضافيًا إذا وضعناه في سياق أوسع داخل الدولة المصرية، التي تتبنى رسميًا منذ 17 سبتمبر 2024 المبادرة الرئاسية للتنمية البشرية "بداية جديدة لبناء الإنسان"، وهي مبادرة تستهدف الاستثمار في رأس المال البشري، وترسيخ الهوية المصرية، والتنسيق بين مؤسسات الدولة في مجالات التعليم والصحة والثقافة والشباب. أي أن قضية بناء الإنسان والانتماء لم تعد مجرد موضوع ثقافي عام، بل أصبحت جزءًا من خطاب وسياسات عامة معلنة.
من الأسرة إلى الدولة.. من يصنع الشخصية؟
حين يتحدث مجاهد عن ضرورة وجود استراتيجية وطنية لبناء الشخصية، فهو يلفت النظر إلى نقطة بالغة الأهمية: لا يمكن تحميل الأسرة وحدها المسؤولية، كما لا يكفي أن تتحرك المدرسة أو الإعلام بشكل منفصل. بناء الشخصية عملية مركبة، تبدأ من البيت، لكنها لا تكتمل إلا عبر المدرسة، ومؤسسات الثقافة، والمسجد والكنيسة، والإعلام، ومراكز الشباب، والمنصات الرقمية أيضًا.
هذا الطرح يتسق مع ما تشدد عليه مبادرة "بداية جديدة" من تنسيق بين الوزارات والجهات المختلفة. ووفق بيانات رسمية منشورة عن المبادرة، فإن الدولة تعتبر بناء الإنسان المصري أولوية تتصل بالصحة والتعليم والثقافة والوعي، لا باعتبارها ملفات منفصلة، بل مسارات متداخلة تؤثر جميعها في الهوية والانتماء.
ومن زاوية نفسية، تبدو الفكرة منطقية للغاية. فالطفل لا يتلقى قيمه من مصدر واحد. إذا تعلم داخل الأسرة معنى المسؤولية، ثم وجد في المدرسة بيئة تربوية مختلفة، أو تلقى عبر الهاتف المحمول رسائل تنسف ما يسمعه في البيت، ستنشأ داخله حالة من التشتت. لذلك فإن الحديث عن الانتماء لا ينفصل عن الاتساق التربوي بين مؤسسات التنشئة المختلفة.
ملامح الاستراتيجية المطلوبة
- تعليم يربط المعرفة بالهوية، لا يكتفي بالمعلومة المجردة.
- إعلام يشرح ولا يلقن، ويخاطب الشباب بلغتهم دون استعلاء.
- مساحات مشاركة حقيقية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب.
- حماية الأطفال رقميًا من المحتوى الضار وغير المنضبط.
- ربط الإنجاز اليومي بالانتماء، بحيث يشعر المواطن أن الوطن حاضر في تفاصيل حياته.
الهوية ليست حنينًا للماضي فقط
من الأخطاء الشائعة في النقاش المصري حول الهوية أنها تُختزل أحيانًا في استدعاء التاريخ وحده. صحيح أن التاريخ عنصر أساسي في الوعي الوطني، لكن الهوية الحية لا تقوم على الماضي فقط، بل على علاقة الناس الحاضرة بدولتهم ومجتمعهم. الشاب الذي يرى فرصة تعليم أو تدريب أو عمل، ويشعر بالعدل النسبي، ويمارس حقه في التعبير والمشاركة، يكون أقرب إلى الانتماء من شاب يسمع خطابات عن العظمة بينما يفتقد الصلة اليومية بثمارها.
من هنا تبدو عبارة "الهوية المتينة أساس الانتماء" أكثر عمقًا مما تبدو عليه لأول وهلة. فالمقصود ليس هوية منغلقة أو دفاعية، بل هوية قادرة على التفاعل مع العصر من دون ذوبان. مصر تحديدًا تحتاج هذا النوع من الهوية المركبة: واثقة من جذورها الحضارية، ومفتوحة على العالم، ومدركة أن المنافسة اليوم تدور حول التعليم والمهارة والابتكار بقدر ما تدور حول الذاكرة الوطنية.
الشباب يثبتون وعيهم في الأزمات والإنجازات
الشق الثاني في حديث مجاهد، والمتعلق بأن الشباب والأطفال يثبتون وعيهم في الأزمات والإنجازات، يستحق التوقف. ففي لحظات الضغط الكبرى، غالبًا ما تظهر البنية العميقة للمجتمع أكثر مما تظهر في الأيام العادية. وإذا كان الجيل الجديد يتفاعل بقوة مع الأحداث الوطنية، ويعيد إنتاج معنى التضامن بطريقته الخاصة، فذلك يعني أن الانتماء موجود، لكنه يحتاج إلى من يلتقطه وينمّيه بدلًا من الاكتفاء بالتشكيك فيه.
وفي المقابل، فإن هذا الوعي لا ينبغي اعتباره أمرًا مضمونًا إلى الأبد. الانتماء، مثل أي قيمة اجتماعية، يحتاج إلى صيانة مستمرة. وهنا يعود دور السياسة العامة: كلما توسعت الدولة في الاستثمار في التعليم والثقافة والطفولة المبكرة، ازدادت فرص تكوين مواطن متوازن نفسيًا ووطنيًا. وفي هذا السياق، أطلقت الدولة أيضًا ضمن مسار التنمية البشرية برنامج "البداية الذهبية" للأسرة والطفل في 31 أغسطس 2024، بما يعكس إدراكًا رسميًا لأهمية السنوات الأولى في تشكيل الإنسان.
بين التحليل والواقع.. ما الذي تحتاجه مصر الآن؟
الرسالة الأهم في كلام مهاب مجاهد ليست الدفاع عن الجيل الجديد بقدر ما هي الدعوة إلى تغيير طريقة التفكير فيه. فبدلًا من التعامل مع الشباب بوصفهم مشكلة، يمكن النظر إليهم باعتبارهم موردًا وطنيًا يحتاج إلى رعاية وإطار واضح. وبدلًا من سؤال: لماذا لا ينتمي الشباب؟ ربما يكون السؤال الأدق: ماذا قدمت المؤسسات لصناعة هذا الانتماء؟
مصر لا تعاني نقصًا في الرموز أو التاريخ أو القدرة على الإلهام، لكنها تحتاج باستمرار إلى تحويل هذه العناصر إلى خبرة معيشة يلمسها المواطن في المدرسة والشارع والمنصة الرقمية وسوق العمل. وعندما تتماسك هذه الحلقات، يصبح الانتماء نتيجة طبيعية، لا عبئًا أخلاقيًا يُطلب من الأجيال الجديدة حمله وحدها.
في النهاية، يضع حديث مهاب مجاهد اليد على جوهر المسألة: الانتماء لا يُفرض، بل يُبنى. وإذا كانت الهوية المتينة هي الأساس، فإن البناء الحقيقي يبدأ من الطفل، ويمر بالأسرة والمدرسة والإعلام، وينتهي عند دولة تعرف أن الاستثمار في الإنسان هو السياسة الأكثر بقاءً وأثرًا.