مهلة 3 أشهر لحسم تصنيف أراضي جهاز مستقبل مصر
تعديل برلماني جديد ينظم وضع أراضي جهاز مستقبل مصر
شهدت الجلسة العامة لمجلس النواب، اليوم الاثنين 13 يوليو 2026، موافقة على تعديل لافت في مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وهو تعديل يستهدف ضبط آلية تصنيف الأراضي التي آلت إلى الجهاز قبل سريان القانون الجديد، بحيث لا تُعتبر كلها تلقائيًا ضمن مناطق التنمية المستدامة إلا وفق ضوابط محددة.
أهمية التعديل لا تتوقف عند الصياغة القانونية وحدها، بل تمتد إلى ملف شديد الحساسية يتعلق بإدارة أراضي الدولة، وحدود اختصاص الجهاز، وطبيعة المشروعات التي ستخضع لأحكام القانون. ولهذا جاء النقاش داخل البرلمان محمّلًا باعتبارات الحوكمة والرقابة وحماية المال العام، مع الحرص على منح الجهاز المرونة المطلوبة لتنفيذ مشروعاته التنموية.
ما الذي تغير في النص؟
وفق ما جرى إقراره في الجلسة العامة برئاسة المستشار هشام بدوي، تم تعديل المادة الثانية من مواد الإصدار في مشروع القانون بعد مناقشات شهدت ملاحظات من النائب ضياء داود، ولاقت قبولًا من المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر الدكتور بهاء الغنام.
جوهر التعديل أن الأراضي التي انتقلت ملكيتها إلى الجهاز قبل العمل بالقانون لن تُعامل جميعها، وبصورة آلية، باعتبارها مناطق تنمية مستدامة. وبدلًا من ذلك، استقر النص على أن هذه الأراضي تُعد كذلك فقط إذا صدر قرار من رئيس الجمهورية خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل بالقانون بتحديدها. وبهذا انتقل النص من فكرة الإلحاق التلقائي إلى فكرة التحديد الرسمي خلال مدة زمنية واضحة.
هذا التوجه يعكس حرصًا تشريعيًا على ربط الصفة القانونية للأرض بالشروط الموضوعية التي يضعها القانون نفسه، خصوصًا أن تعريف منطقة التنمية المستدامة يتطلب أن تكون منطقة جغرافية معلومة الحدود، ذات أهمية استراتيجية، ومدعومة ببنية أساسية مناسبة، ومخصصة لمشروعات قومية أو اقتصادية أو لأنشطة مرتبطة بها.
لماذا كانت المهلة البالغة 3 أشهر مهمة؟
المهلة التي أقرها مجلس النواب تبدو في ظاهرها إجراءً فنيًا، لكنها عمليًا تمثل أداة حاسمة لمنع التوسع غير المنضبط في تصنيف الأراضي. فوجود أراضٍ مملوكة للجهاز لا يعني بالضرورة أن جميعها تستوفي، من الناحية القانونية والعملية، شروط التحول إلى مناطق تنمية مستدامة.
ومن هنا جاء التعديل ليضع إطارًا أكثر دقة: الملكية وحدها لا تكفي، بل لا بد من تحديد رسمي للأراضي التي تنطبق عليها الشروط. هذه النقطة كانت محور الملاحظة التي طُرحت تحت القبة، وانتهت إلى الصياغة التي تمنح فترة ثلاثة أشهر للحسم، بما يحقق قدرًا أعلى من الانضباط التشريعي ويقلل فرص اللبس أو التوسع في التفسير.
حزمة أوسع من التعديلات لتعزيز الحوكمة
التعديل الخاص بالأراضي لم يأتِ منفصلًا عن مسار أوسع من المراجعات التي أدخلتها اللجنة المشتركة بمجلس النواب على مشروع القانون. فقد نُشرت مؤخرًا أبرز التعديلات التي طالت مشروع إعادة تنظيم الجهاز، وجاءت كلها تقريبًا في اتجاه تعزيز الشفافية والرقابة المؤسسية.
ومن بين أبرز ما تم تعديله:
- إعادة الرقابة الكاملة للجهاز المركزي للمحاسبات على أعمال جهاز مستقبل مصر، بعد حذف نص كان يقصر دوره على تقارير سنوية تخص مؤشرات الأداء فقط.
- إلزام الجهاز بسداد حصته في اشتراكات التأمين الاجتماعي بدلًا من تحميلها على الخزانة العامة، بما يساوي بينه وبين باقي جهات الدولة.
- إلغاء الإعفاء المطلق من الضرائب، في خطوة ترتبط بمبدأ المساواة ودعم موارد الدولة.
- تعزيز الرقابة البرلمانية عبر النص على عرض قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة على مجلس النواب في جلسة عامة.
- تنظيم الجزاءات المالية والإدارية داخل القانون نفسه، مع توجيه حصيلتها إلى الخزانة العامة ثم تخصيص ما يعادلها للجهاز، بما يفصل بين سلطة التوقيع والاستفادة من الحصيلة.
هذه التعديلات مجتمعة توضح أن البرلمان لا يناقش فقط إنشاء إطار قانوني منظم لعمل الجهاز، بل يحاول أيضًا بناء توازن بين السرعة التنفيذية المطلوبة في المشروعات القومية وبين أدوات المساءلة العامة.
خلفية عن جهاز مستقبل مصر ودوره
أصبح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة خلال السنوات الأخيرة أحد الكيانات الحاضرة بقوة في ملفات الأمن الغذائي، واستصلاح الأراضي، والتصنيع الزراعي، وإدارة عدد من المشروعات التنموية الكبرى. كما أن الجهاز تلقى خلال عام 2024 عددًا من قرارات تخصيص الأراضي الصادرة في الجريدة الرسمية، بينها قرار جمهوري رقم 285 لسنة 2024 بشأن تخصيص قطعتي أرض لصالح الجهاز لاستخدامهما في بعض المشروعات التنموية.
ويُظهر هذا المسار أن ملف الأراضي ظل في صلب عمل الجهاز منذ فترة، وهو ما يفسر الحساسية العالية للصياغات القانونية المرتبطة بكيفية تصنيف هذه الأراضي وحدود إدراجها تحت وصف مناطق التنمية المستدامة.
وفي موازاة ذلك، برز اسم الدكتور بهاء الغنام بصفته المدير التنفيذي للجهاز في عدد من اللقاءات الرسمية خلال 2026، من بينها اجتماعات مع وزارات وهيئات حكومية لبحث دعم المشروعات الوطنية، وتعظيم مشاركة القطاع الخاص، وتسريع وتيرة التنمية الشاملة. وهذا يوضح أن مشروع القانون الحالي لا ينظم كيانًا هامشيًا، بل مؤسسة توسع نشاطها الفعلي على الأرض وباتت بحاجة إلى إطار تشريعي أكثر تفصيلًا.
ماذا يعني ذلك للمشهد التشريعي والاقتصادي؟
سياسيًا وتشريعيًا، يعكس ما جرى داخل مجلس النواب اتجاهًا متصاعدًا نحو صياغة قوانين أكثر تفصيلًا في إدارة الأصول العامة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجهات تتعامل مع الأراضي والمشروعات القومية والموارد الاقتصادية.
أما اقتصاديًا، فإن وضوح القواعد المنظمة لتصنيف الأراضي واختصاصات الجهاز يمكن أن ينعكس على بيئة الاستثمار نفسها. فكلما كانت الحدود القانونية أكثر تحديدًا، أصبح اتخاذ القرار التنفيذي أقل عرضة للنزاع أو التأويل، وهو ما تحتاجه المشروعات الكبرى التي ترتبط بالتنمية الزراعية والصناعية واللوجستية.
كذلك، فإن اشتراط صدور قرار جمهوري خلال مدة محددة يمنح الملف درجة أعلى من اليقين القانوني. فبدلًا من بقاء أوضاع بعض الأراضي معلقة، سيكون هناك أجل واضح لحسم أي الأراضي تدخل ضمن مناطق التنمية المستدامة وأيها يبقى خارج هذا التصنيف.
الخطوة التالية بعد موافقة النواب
المؤشر الأبرز الآن هو ما ستنتهي إليه المناقشات النهائية حول مشروع القانون بصيغته الكاملة، خاصة أن التعديلات التي أُدخلت خلال الأيام الماضية توحي بأن البرلمان يتعامل مع النص بوصفه قانونًا مؤثرًا في إدارة جانب مهم من أصول الدولة ومشروعاتها المستقبلية.
وفي حال دخول القانون حيز التنفيذ، ستكون الأشهر الثلاثة التالية حاسمة في ملف الأراضي التي آلت إلى الجهاز قبل سريانه، إذ يفترض خلالها صدور القرار المحدد للأراضي التي تُعد رسميًا مناطق تنمية مستدامة وفق التعريف القانوني الجديد.
وبذلك، يكون مجلس النواب قد وضع قاعدة فاصلة: ليس كل ما يملكه الجهاز يُصنف تلقائيًا ضمن مناطق التنمية المستدامة، وإنما فقط ما يستوفي الشروط ويصدر بشأنه التحديد الرسمي في الإطار الزمني الذي أقره القانون. وهي صياغة تبدو أقرب إلى منطق الدولة المؤسسية التي توسع أدوات التنمية، لكن تحت عين الرقابة والضبط التشريعي.