مؤتمر الهوية الوطنية ينطلق من مكتبة الإسكندرية برعاية رئاسية
انطلاق مؤتمر الهوية الوطنية من الإسكندرية في توقيت إقليمي حساس
بدأت اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 في مكتبة الإسكندرية فعاليات المؤتمر الوطني «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، على أن تستمر أعماله حتى الأربعاء 23 سبتمبر. ويأتي انعقاد المؤتمر في لحظة تشهد فيها المنطقة الأفريقية والعربية نقاشات متزايدة حول قضايا الوعي والانتماء والذاكرة الوطنية، في ظل تسارع التأثيرات الرقمية وتنامي تحديات الخطاب المتطرف والمعلومات المضللة.
وبحسب ما أعلنته مكتبة الإسكندرية، فإن المؤتمر يُعقد بتنظيم مشترك بين المكتبة وعدد من مؤسسات الدولة، بينها وزارات التعليم العالي والبحث العلمي والشباب والرياضة والثقافة، إلى جانب محافظة الإسكندرية. هذا التنسيق المؤسسي يعكس رغبة واضحة في تحويل النقاش حول الهوية من مجرد عنوان فكري إلى مسار عملي يربط بين التعليم والثقافة والشباب والسياسات العامة.
مشاركة واسعة للشباب من مختلف المحافظات
من أبرز ملامح المؤتمر مشاركة نحو 450 شابًا يمثلون 27 محافظة، وهو ما يمنح الحدث بعدًا وطنيًا جامعًا يتجاوز النخبة الأكاديمية إلى الفئات الشابة التي تُعد الأكثر احتكاكًا بالتحولات الاجتماعية والرقمية. كما يشارك في الجلسات وزراء ومسؤولون وخبراء وكتاب وباحثون وفنانون، في تركيبة تسعى إلى جمع الرؤية الفكرية مع الخبرة التنفيذية والمشاركة المجتمعية.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي سبق الافتتاح، قال الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية إن المؤتمر يأتي في إطار جهود الدولة لبناء الإنسان وترسيخ هوية وطنية متماسكة، مشيرًا إلى أن قضية الهوية لم تعد شأناً ثقافياً محدوداً، بل باتت مرتبطة بقدرة المجتمعات على الحفاظ على تماسكها في مواجهة الضغوط المتغيرة. وتحدث أيضًا عن الإعداد لما يعرف بـ«وثيقة الإسكندرية» التي يُنتظر أن تتبلور من خلال توصيات المؤتمر وتُطرح في الجلسة الختامية كمرجعية فكرية ووطنية.
لماذا يهم هذا الملف القارة الأفريقية؟
ورغم أن المؤتمر يركز على الهوية الوطنية المصرية، فإن زاويته تتجاوز الداخل المصري إلى نطاق أفريقي أوسع. فدول عديدة في القارة تواجه أسئلة مشابهة تتعلق بكيفية صون الشخصية الوطنية في ظل العولمة الرقمية، والهجرة، والنزاعات، وتراجع الثقة في المؤسسات، وانتشار السرديات العابرة للحدود عبر المنصات الاجتماعية. ومن هذه الزاوية، تبدو الإسكندرية بما تحمله من تاريخ متوسطي وأفريقي وعربي موقعًا مناسبًا لاحتضان نقاش من هذا النوع. وهذا استنتاج تحليلي يستند إلى طبيعة محاور المؤتمر والسياق الإقليمي المحيط به.
محافظ الإسكندرية أيمن عطية شدد بدوره على أن المدينة تمثل نموذجًا حيًا للهوية المصرية الممتدة، بما تحمله من تنوع تاريخي وثقافي، معتبرًا أن استضافة المؤتمر داخل مكتبة الإسكندرية تمنحه دلالة حضارية خاصة، لأن المكتبة نفسها تعد رمزًا للمعرفة والحوار والتراكم الثقافي عبر قرون.
11 محورًا للنقاش من التعليم إلى الذكاء الاصطناعي
المؤتمر لا يكتفي بالشعارات العامة، بل يناقش الملف عبر 11 محورًا رئيسيًا تتصل مباشرة بالتحولات التي تمس وعي الأجيال الجديدة. وتشمل هذه المحاور، وفق المعلومات المعلنة، الخطاب الثقافي، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، وأطروحات تيارات الإسلام السياسي، فضلًا عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ودور التعليم والأسرة في تشكيل الانتماء والذاكرة الجمعية.
كما يتضمن البرنامج مائدة مستديرة بعنوان «الهوية وبناء التشاركية الاجتماعية: العقل الجمعي والذاكرة الجمعية والثقة العمومية»، وهي صياغة تكشف أن النقاش لا يقتصر على الرموز التاريخية أو الموروث الثقافي، بل يمتد إلى فكرة الثقة العامة وعلاقتها بتماسك المجتمع. وفي السياق الأفريقي، تبدو هذه القضية شديدة الأهمية، لأن قوة الدول لا تُقاس فقط بمؤسساتها، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على سردية وطنية مشتركة تستوعب التنوع من دون تفكك.
وثيقة الإسكندرية.. ماذا تعني؟
من المنتظر أن يشهد اليوم الأخير إعلان وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية، وهي وثيقة وصفتها الجهات المنظمة بأنها مرجع وطني وإعلان فكري يُفترض أن يخرج من خلاصة الجلسات والنقاشات. ووفق ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات، فإن إطلاق الوثيقة مقرر خلال الجلسة الختامية، بما يمنح المؤتمر مخرجًا عمليًا يتجاوز الطابع الاحتفالي أو الخطابي.
ومن واقع التفاصيل المعلنة، يمكن القول إن الوثيقة تستهدف تثبيت عدد من الثوابت المرتبطة بالهوية المصرية، مع محاولة الإجابة عن سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن مواكبة التغيير السريع في المجتمع والإعلام والتكنولوجيا من دون خسارة الجذور؟ هذا السؤال نفسه حاضر بقوة في عدد من المجتمعات الأفريقية التي تبحث عن توازن بين التحديث والحفاظ على الخصوصية الثقافية واللغوية والتاريخية. وهذا أيضًا استنتاج تحليلي مبني على مضمون المحاور المعلنة، لا على نص منشور كامل للوثيقة قبل صدورها.
معارض وأنشطة موازية ورسالة تتجاوز القاعات
البرنامج لا يقتصر على الجلسات العلمية والنقاشية، إذ أعلنت الجهات المنظمة عن عروض ثقافية ومعرض للحرف اليدوية ومعرض فني تشرف عليه وزارة الثقافة، إلى جانب جلسة ختامية يعقبها حفل موسيقي تقدمه أوركسترا مكتبة الإسكندرية. كما أشارت المعلومات الرسمية إلى إقامة معرض في قاعة المعارض الغربية بمركز المؤتمرات خلال الفترة من 21 إلى 27 سبتمبر 2026 بمشاركة فنانين تشكيليين، بما يعكس حضور البعد البصري والفني في مناقشة الهوية.
- موعد المؤتمر: من 21 إلى 23 سبتمبر 2026.
- المكان: مكتبة الإسكندرية في محافظة الإسكندرية.
- الرعاية: برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي.
- المشاركون: نحو 450 شابًا من 27 محافظة، إلى جانب وزراء وخبراء ومثقفين.
- المخرج المنتظر: إعلان وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية في الجلسة الختامية.
الإسكندرية تطرح سؤال الهوية من مصر إلى أفريقيا
في النهاية، يكتسب مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة» أهميته من كونه يضع قضية الهوية في صميم النقاش العام، لا باعتبارها شعارًا ثقافيًا فحسب، بل بوصفها ملفًا يرتبط بالأمن الفكري والتماسك الاجتماعي وصناعة المستقبل. ومن الإسكندرية، المدينة التي جمعت عبر تاريخها طبقات متعددة من الذاكرة والانفتاح، تنطلق رسالة مصرية يمكن أن تجد صدى واسعًا في القارة الأفريقية: أن حماية الهوية لا تعني الانغلاق، بل تعني امتلاك رؤية حديثة تنطلق من الجذور وتفهم العالم الجديد من دون أن تذوب فيه.