Akhbar Cairo

موسكو بين الرياض والحوثيين: رفضٌ للاستهداف وحدود الوساطة

ماذا يعني أن ترفض موسكو استهداف المنشآت المدنية السعودية؟

في لحظة إقليمية تتسم بتشابك ساحات الصراع من البحر الأحمر إلى اليمن، جاء الموقف الروسي ليؤكد نقطة شديدة الحساسية: رفض استهداف الأعيان والمنشآت المدنية داخل السعودية، مع نفي تلقي موسكو أي طلب رسمي للقيام بدور وساطة مباشرة بين الرياض وجماعة الحوثي. هذه الصياغة تبدو، في ظاهرها، دبلوماسية تقليدية؛ لكنها في العمق تكشف طبيعة الحسابات الروسية في الخليج والبحر الأحمر، وتوضح كيف تحاول موسكو الحفاظ على مساحة حركة بين جميع الأطراف دون أن تدفع كلفة الانحياز الكامل لأي طرف.

القراءة الأهم هنا ليست في المبدأ نفسه، إذ إن استهداف البنية المدنية يتعارض مع القانون الدولي الإنساني، بل في توقيت التشديد عليه. فحين تصدر موسكو هذا النوع من الرسائل وسط تصاعد التوترات، فإنها لا تخاطب الحوثيين فقط، بل ترسل إشارات موازية إلى السعودية والولايات المتحدة وإلى الأطراف المعنية بأمن الملاحة والطاقة في المنطقة.

الرسالة الروسية: لا تفويض بالوساطة، لكن لا غياب عن المشهد

المتاح من المواقف الرسمية والموثقة يشير إلى أن روسيا دافعت خلال السنوات الأخيرة عن أولوية التسوية السياسية في اليمن، ورحبت سابقا بدور السعودية وسلطنة عُمان في تهيئة الاتصالات بين الأطراف اليمنية، كما دعمت المسار الأممي باعتباره الإطار الأوسع لأي حل مستدام. وفي هذا السياق، لا يبدو نفي موسكو تلقي طلبات وساطة تناقضا مع رغبتها في البقاء حاضرة سياسيا؛ بل يعكس حرصها على عدم تحمل عبء دور لم يُكلَّف لها رسميا، مع الإبقاء على أبواب التواصل مفتوحة.

هذا التوازن الروسي مفهوم إذا نظرنا إلى شبكة مصالح موسكو في المنطقة. فروسيا ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية مع السعودية، وفي الوقت نفسه تتبنى خطابا ناقدا للضربات الغربية على اليمن، وتفضل مقاربة تقوم على خفض التصعيد والعودة إلى المسار التفاوضي. كما أن اليمن، بالنسبة لموسكو، ليس ملفا معزولا عن أمن البحر الأحمر ولا عن إعادة تشكيل النفوذ الدولي في الشرق الأوسط بعد 2022.

التصعيد الأميركي غيّر السياق

أهمية الموقف الروسي تتزايد إذا وضعناه داخل سياق الضربات الأميركية على مواقع للحوثيين في اليمن. ففي 15 مارس 2025 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه أمر بسلسلة من الضربات الجوية على مناطق يسيطر عليها الحوثيون، متعهدا باستخدام قوة كبيرة إلى أن تتوقف الهجمات على الشحن البحري في الممرات الحيوية. وكان ذلك أول تحرك عسكري من هذا النوع ضد الحوثيين في ولايته الثانية.

الأمم المتحدة عبّرت في 17 مارس 2025 عن قلقها من الضربات المتعددة على مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين، كما أبدت قلقا موازيا من تهديدات الحوثيين باستئناف الهجمات على السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر، وشددت على ضرورة احترام القرار 2768 الصادر عن مجلس الأمن بشأن الهجمات على السفن التجارية. كما أكد مكتب الأمين العام أن المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ كان على تواصل وثيق مع الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية للدفع باتجاه ضبط النفس والعودة إلى الدبلوماسية.

من زاوية مصرية، هذا التطور ليس بعيدا. فأي اضطراب جديد في البحر الأحمر وباب المندب ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية وكلفة التأمين والشحن، وبالتالي على قناة السويس والاقتصاد الإقليمي ككل. لذلك فإن أي موقف يصدر من قوة دولية مثل روسيا بشأن استهداف السعودية أو أمن الملاحة لا ينبغي قراءته باعتباره شأنا خليجيا صرفا، بل باعتباره جزءا من معادلة أوسع تمس الأمن الاقتصادي العربي.

السعودية في قلب معادلة الردع وحماية البنية المدنية

السعودية دأبت في بياناتها الرسمية على إدانة ما تصفه باعتداءات الحوثيين على أراضيها ومنشآتها المدنية، وكررت في أكثر من مناسبة أن حماية البنية التحتية والمرافق الحيوية تمثل أولوية أمنية وسيادية. كما أعلنت وكالة الأنباء السعودية في مناسبات حديثة عن إحباط أو إدانة محاولات استهداف مرتبطة بالجماعة، في خطاب يربط بين الهجمات الحوثية وأمن المملكة وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

بالنسبة لموسكو، فإن الإقرار بخطورة استهداف المنشآت المدنية السعودية لا يعني بالضرورة الاصطفاف الكامل مع أي رد عسكري واسع. هنا يظهر الفارق بين الموقفين الروسي والأميركي: واشنطن تنظر إلى المسألة أكثر من منظور الردع العسكري الفوري وحماية الممرات البحرية، بينما تميل موسكو إلى توظيف لغة القانون الدولي والتوازنات الإقليمية للحفاظ على حضورها السياسي دون التورط ميدانيا.

لماذا تفضّل روسيا هذا التموضع؟

  • أولا: لأنها تريد الحفاظ على علاقتها مع الرياض، وهي علاقة تشمل ملفات الطاقة والاستثمار والتنسيق السياسي في قضايا إقليمية ودولية.
  • ثانيا: لأنها لا ترغب في منح واشنطن فرصة احتكار إدارة التصعيد في البحر الأحمر واليمن.
  • ثالثا: لأنها تدرك أن أي تسوية حقيقية في اليمن ستظل بحاجة إلى مظلة أممية وإقليمية، وليس إلى وساطة منفردة من دولة كبرى فقط.
  • رابعا: لأن الكرملين يعرف أن كلفة الفشل في أي وساطة معلنة قد تكون أعلى من مكاسبها الرمزية.

هل تملك موسكو فعلا أوراق تأثير على الحوثيين؟

السؤال الأهم ليس ما إذا كانت روسيا تلقت طلب وساطة، بل ما إذا كانت تملك في الأصل أدوات ضغط كافية تسمح لها بلعب دور حاسم. في الواقع، النفوذ الروسي في الملف اليمني سياسي أكثر منه ميداني. موسكو عضو دائم في مجلس الأمن، ولها اتصالات مع أطراف متعددة، لكنها ليست الطرف الإقليمي الأكثر التصاقا بالتفاصيل اليومية للأزمة كما هو حال السعودية وسلطنة عُمان، ولا هي المبعوث الدولي المكلف رسميا كالأمم المتحدة.

لهذا تبدو الصيغة الروسية الحالية منطقية: إدانة استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، دعم المفاوضات، وتجنب إعلان دور وساطة غير مضمون النتائج. وحتى في الإحاطات الأممية خلال 2025، ظل اسم هانس غروندبرغ في صدارة الجهد المنظم لإحياء العملية السياسية، مع تأكيد متكرر على دور السعودية وعُمان في تسهيل البيئة التفاوضية.

أين يقف ترامب في هذه المعادلة؟

الضربات الأميركية في مارس 2025 أعادت إدخال واشنطن بقوة إلى مشهد الردع في اليمن. وفي الوقت نفسه، أشارت تغطيات لاحقة لوكالة أسوشيتد برس إلى أن ترامب كان يقيّم احتمال الانضمام إلى ضربات سعودية ضد الحوثيين في ظل تجدد الهجمات، وهو ما يعكس أن الموقف الأميركي قابل للتصعيد وفقا لحجم التهديدات على السعودية والملاحة.

هنا تتجلى المفارقة: كلما ارتفع منسوب التهديد العسكري، زادت حاجة الأطراف إلى قنوات دبلوماسية تمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع. لكن في المقابل، كلما تصاعدت العمليات والهجمات المتبادلة، تراجعت فرص الوساطات الهادئة. وهذا بالضبط هو المجال الذي تحاول موسكو التحرك داخله: خطاب يرفض ضرب المنشآت المدنية، دون أن يتحول إلى التزام سياسي أو أمني مباشر.

الخلاصة: موقف مبدئي أم تموضع براغماتي؟

الراجح أن الموقف الروسي يجمع بين الأمرين. فمن جهة، هناك قاعدة معلنة تتعلق برفض استهداف المدنيين والمنشآت المدنية السعودية، وهي رسالة ضرورية في ظل هشاشة أمن الطاقة والممرات البحرية. ومن جهة أخرى، هناك براغماتية واضحة في نفي تلقي طلبات وساطة، بما يسمح لروسيا بالاحتفاظ بهامش مناورة واسع في ملف شديد التعقيد.

بالنسبة للقارئ المصري، فإن مغزى هذا التطور يتجاوز الشأن اليمني المباشر. فاستقرار السعودية، وأمن البحر الأحمر، وسلامة الملاحة، ونجاح أي مسار لخفض التصعيد، كلها عناصر ترتبط عضويا بمصالح مصر الاستراتيجية. ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو عبارة مثل “رفض استهداف الأعيان المدنية السعودية” أكبر من مجرد موقف بروتوكولي: إنها عنوان لمعركة أوسع على قواعد الاشتباك، وعلى من يملك حق إدارة الأزمة، وعلى ما إذا كانت المنطقة ستتجه إلى تسوية بطيئة أم إلى دورة جديدة من التصعيد المفتوح.