Akhbar Cairo

موسكو تلوّح بالرد بعد اتهام لندن بدعم ضربات داخل روسيا

تصعيد روسي جديد تجاه بريطانيا بعد الجدل حول الضربات داخل الأراضي الروسية

عادت المواجهة السياسية بين موسكو ولندن إلى واجهة المشهد الدولي، بعدما لوّحت روسيا بعواقب مباشرة إذا جرى استخدام أسلحة أو قدرات بريطانية في استهداف مواقع داخل أراضيها. هذا التطور يأتي في سياق حرب أوكرانيا المستمرة، لكنه يعكس أيضاً انتقال الخلاف من نطاق الدعم العسكري التقليدي إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بحدود استخدام السلاح الغربي ضد العمق الروسي.

التحذير الروسي برز بوضوح على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، التي قالت إن موسكو تحتفظ بحق الرد على ما وصفته باستخدام أسلحة بريطانية في ضربات تستهدف الأراضي الروسية. ووفق الموقف الروسي، فإن أي هجمات من هذا النوع قد تجعل منشآت أو معدات عسكرية بريطانية، سواء داخل أوكرانيا أو خارجها، ضمن دائرة الاستهداف المحتمل من جانب روسيا.

ما الذي أشعل الأزمة بين موسكو ولندن؟

خلفية الأزمة تعود إلى تصريحات أدلى بها وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون، خلال زيارته إلى كييف في 2 مايو 2024، حيث أكد استمرار دعم بلاده لأوكرانيا عسكرياً وسياسياً. وبعد هذه التصريحات، قالت موسكو إن لندن منحت عملياً كييف غطاءً سياسياً لاستخدام أسلحة بريطانية ضد أهداف داخل روسيا، وهو ما دفع الخارجية الروسية إلى استدعاء السفير البريطاني في موسكو نايجل كيسي للاحتجاج الرسمي.

وبحسب ما نشرته الحكومة البريطانية في ذلك الوقت، شدد كاميرون خلال زيارته إلى العاصمة الأوكرانية على التزام لندن بتقديم ما لا يقل عن 3 مليارات جنيه إسترليني سنوياً من الدعم العسكري لأوكرانيا، إلى جانب حزمة دعم للطاقة بقيمة 36 مليون جنيه إسترليني. كما أوضحت لندن أن مساعداتها العسكرية شملت ذخائر ومعدات دفاع جوي وقنابل موجهة بدقة، ضمن سياسة أوسع لدعم كييف على المدى الطويل.

الأسلحة البريطانية والدعم العسكري لأوكرانيا

الجانب البريطاني أعلن في ربيع 2024 رفع مستوى دعمه العسكري لأوكرانيا بشكل ملحوظ. ففي 23 و24 أبريل 2024، أكدت لندن تخصيص 500 مليون جنيه إسترليني إضافية، ما رفع قيمة الدعم العسكري البريطاني لذلك العام إلى 3 مليارات جنيه إسترليني. كما تضمنت الحزمة أكثر من 1600 صاروخ، وأكثر من 400 مركبة، و60 زورقاً، إضافة إلى ذخائر دفاع جوي ومساعدات مرتبطة بالطائرات المسيّرة.

ومن بين أكثر الأسلحة البريطانية ارتباطاً بالنقاش الدائر الصواريخ بعيدة المدى من طراز Storm Shadow، وهي ذخائر سبق أن أكدت الحكومة البريطانية تزويد أوكرانيا بها. كما أشارت بيانات رسمية بريطانية إلى استمرار تسليم معدات هجومية ودفاعية أخرى، بينها صواريخ Brimstone ومعدات لدعم الدفاع الجوي والعمليات البرية. هذا النوع من التسليح هو ما يثير حساسية موسكو، خصوصاً عندما يترافق مع حديث غربي عن حق أوكرانيا في ضرب أهداف عسكرية داخل روسيا.

الرد الروسي: من الاحتجاج الدبلوماسي إلى التهديد العسكري

الرد الروسي لم يتوقف عند بيانات الإدانة. فبحسب التصريحات الرسمية الصادرة في موسكو في 7 مايو 2024، أبلغت الخارجية الروسية السفير البريطاني احتجاجاً شديد اللهجة، محذرة من أن الرد الروسي قد يطال منشآت ومعدات بريطانية إذا استُخدمت أسلحة بريطانية في ضرب الأراضي الروسية. لاحقاً، كررت زاخاروفا هذا المنطق في تصريحات أخرى، مؤكدة أن موسكو تعتبر الدول الغربية شريكة في المسؤولية إذا ساهمت في هجمات على الداخل الروسي.

من زاوية أوسع، تعكس هذه الرسائل الروسية محاولة ردع الدول الغربية عن توسيع هامش تحرك كييف. فموسكو ترى أن الانتقال من دعم الدفاع الأوكراني إلى إتاحة ضرب العمق الروسي يفتح باباً أكثر خطورة للتصعيد، وقد يبدل قواعد الاشتباك التي سادت خلال مراحل سابقة من الحرب.

لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر والمنطقة؟

بالنسبة للمتابع في مصر، فإن هذا الملف لا يتعلق فقط بأوروبا الشرقية، بل يمتد أثره إلى قضايا أوسع تمس الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. أي تصعيد مباشر بين روسيا وإحدى القوى الغربية الكبرى ينعكس عادة على أسواق الطاقة، وأسعار الحبوب، وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تهم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل مباشر، خصوصاً المستوردة للقمح والطاقة أو المتأثرة بتكاليف الشحن والتأمين.

كما أن اتساع المواجهة بين موسكو ولندن يضيف طبقة جديدة من الضغوط على العلاقات بين روسيا والغرب، في وقت ما تزال فيه الحرب الأوكرانية تستنزف الأطراف كافة. وإذا تحولت التهديدات المتبادلة إلى خطوات عملية، فقد تجد المنطقة نفسها أمام موجة جديدة من التقلبات الاقتصادية والدبلوماسية.

هل تغيّرت قواعد الدعم الغربي لأوكرانيا؟

خلال الشهور الماضية، بدا واضحاً أن العواصم الغربية تتجه تدريجياً إلى توسيع نطاق ما تقدمه لكييف، ليس فقط من حيث قيمة المساعدات، بل أيضاً من حيث نوعية السلاح ومداه. بريطانيا كانت من أوائل الدول الأوروبية التي أعلنت تزويد أوكرانيا بأسلحة بعيدة المدى، وتؤكد بياناتها الرسمية أنها ستواصل هذا النهج لسنوات مقبلة. وفي المقابل، تتعامل روسيا مع هذه الخطوات باعتبارها مؤشراً على تورط غربي أعمق في الحرب.

لكن حتى الآن، يبقى الفارق مهماً بين المواقف السياسية المعلنة وبين الوقائع العسكرية التي يمكن التحقق منها بشكل مستقل. فموسكو تتحدث عن استخدام أسلحة أو تجهيزات بريطانية في هجمات داخل أراضيها، بينما تركز لندن على حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها ومواجهة الهجمات الروسية، من دون الدخول دائماً في تفاصيل تشغيل كل منظومة وسقف استخدامها الميداني.

ماذا بعد؟

المرجح أن يستمر هذا السجال في المدى القريب، خاصة مع تمسك بريطانيا بخط دعم أوكرانيا عسكرياً، وتمسك روسيا بخطاب الردع والتهديد بالرد. وفي ظل غياب مؤشرات إلى تسوية قريبة للحرب، فإن ملف الأسلحة الغربية المستخدمة ضد أهداف داخل روسيا سيظل من أكثر الملفات قابلية لإشعال الأزمات بين موسكو والعواصم الأوروبية.

النتيجة الأهم هنا أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين روسيا وأوكرانيا داخل حدود جغرافية واضحة، بل تحولت إلى ساحة اختبار لإرادة القوى الكبرى وحدود المخاطرة التي يمكن أن تقبل بها. وبينما تتصاعد الرسائل الروسية ضد لندن، يبقى السؤال المفتوح: إلى أي مدى يمكن أن يذهب هذا التصعيد قبل أن يفرض على الجميع إعادة حساباتهم؟

  • أبرز الأطراف في الأزمة: روسيا، المملكة المتحدة، أوكرانيا.
  • الشخصيات الرئيسية: ماريا زاخاروفا، ديفيد كاميرون، نايجل كيسي.
  • نقطة الخلاف الأساسية: استخدام أسلحة أو قدرات بريطانية في ضرب أهداف داخل روسيا.
  • أبرز الأرقام: 3 مليارات جنيه إسترليني دعماً عسكرياً بريطانياً سنوياً لأوكرانيا في 2024، و500 مليون جنيه إضافية أُعلنت في أبريل 2024، وأكثر من 1600 صاروخ ضمن إحدى الحزم المعلنة.