موسكو: كييف أضرت بفرص التفاوض بعد استهداف المدنيين
موسكو تربط تراجع فرص التفاوض بتصاعد الهجمات على المدنيين
قالت وزارة الخارجية الروسية إن أوكرانيا أضعفت موقعها التفاوضي بعد ما وصفته موسكو باللجوء إلى أساليب تخريبية وهجمات تستهدف المدنيين، مشيرة إلى أن بعض المقترحات التي كانت روسيا مستعدة لبحثها بجدية من الناحيتين القانونية والعملية فقدت قيمتها، ولم تعد مطروحة على طاولة النقاش. التصريح صدر على لسان نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل غالوزين، في أحدث إشارة إلى اتساع الفجوة بين الطرفين بشأن أي تسوية سياسية للحرب المستمرة منذ فبراير 2022.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام روسية رسمية في 27 أغسطس 2026، قال غالوزين إن أفكارا سبق أن وافقت موسكو على دراستها لم تعد ذات جدوى بعد اتهام كييف باستخدام وسائل “إرهابية” ضد المدنيين. كما ذكرت وكالة تاس أن الدبلوماسية الروسية عادت في أكثر من مناسبة خلال الأسابيع الماضية للتشديد على أن الهجمات المنسوبة إلى أوكرانيا داخل الأراضي الروسية تجعل استئناف التفاوض أكثر صعوبة.
من هو ميخائيل غالوزين؟
يعد ميخائيل غالوزين أحد الوجوه الأساسية في الملف الأوكراني داخل الخارجية الروسية. ووفقا للهيكل التنظيمي المنشور على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الروسية في أبريل 2026، يشغل غالوزين منصب نائب وزير الخارجية، وهو من المسؤولين المنخرطين في متابعة ملفات الجوار والاتصالات السياسية ذات الصلة بالأزمة الأوكرانية. كما تؤكد تقارير روسية رسمية أنه تولى هذا المنصب منذ أواخر عام 2022.
في الأسابيع الأخيرة، كرر غالوزين ومسؤولون روس آخرون موقفا متقاربا مفاده أن موسكو لا ترفض من حيث المبدأ دراسة مقترحات جديدة، لكنها تشترط أن تراعي ما تصفه بـ“الحقائق على الأرض” والمصالح الروسية. وفي المقابل، تقول كييف إنها ما زالت ترى إمكانية لتحريك وساطات دولية، بما في ذلك عبر الولايات المتحدة وشركاء أوروبيين، سعيا إلى صياغة أفكار يمكن عرضها على موسكو.
كيف تنظر موسكو إلى مسار المفاوضات الآن؟
الموقف الروسي المعلن حاليا يقوم على معادلة مزدوجة: الاستعداد النظري للاستماع إلى أفكار جديدة، مع التشدد العملي حيال أي حديث عن وقف مؤقت للعمليات أو تفاهمات جزئية لا تعكس الشروط الروسية. هذا الاتجاه ظهر في تصريحات متعددة صادرة في أغسطس 2026، حين تحدث مسؤولون روس عن الانفتاح على “مقترحات بناءة”، لكنهم ربطوا ذلك بضرورة أخذ السيطرة الميدانية والتوازنات العسكرية في الاعتبار.
وفي المقابل، برزت خلال الشهر نفسه تقارير عن أفكار أوكرانية تتعلق بخفض الهجمات على أهداف مدنية في البحر الأسود، في ظل مخاوف على الملاحة وإمدادات الحبوب. إلا أن موسكو قالت إنها لم تتلق مقترحات رسمية كافية للبناء عليها، وهو ما يعكس استمرار الهوة السياسية بين الطرفين حتى عندما تظهر مبادرات جزئية أو غير مباشرة.
التصريحات تأتي وسط مناخ عسكري وسياسي أكثر تعقيدا
اللغة الروسية المتشددة ليست جديدة، لكنها اكتسبت زخما إضافيا مع تصاعد الهجمات العابرة للحدود والضربات التي تقول موسكو إنها طالت بنى تحتية مدنية أو مناطق سكنية. وخلال فترات سابقة، استخدمت الخارجية الروسية توصيفا مشابها للهجمات الأوكرانية، معتبرة أنها تعكس غياب الإرادة السياسية للتسوية. كما ربطت موسكو بين هذه الهجمات وبين تراجع احتمالات العودة إلى مفاوضات مباشرة.
ومن جهة أخرى، لا توجد مؤشرات قوية حتى الآن على اختراق وشيك في المسار السياسي. فحتى التقارير التي تتحدث عن قنوات اتصال أو وساطات لا تعني بالضرورة قرب اتفاق، بل تعكس، في أفضل الأحوال، استمرار اختبار المواقف ومحاولة كل طرف تحسين شروطه قبل أي تفاوض جدي. وهذا استنتاج تدعمه مواقف الطرفين المعلنة خلال أغسطس 2026: موسكو تطالب بأرضية تفاوضية جديدة، وكييف تتحرك مع حلفائها لبلورة أفكار توقف التدهور العسكري والإنساني.
ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟
بالنسبة لمتابعي الشأن الدولي في مصر، فإن أهمية هذا التطور لا تتوقف عند حدود السجال السياسي بين موسكو وكييف. أي تعثر إضافي في مفاوضات الحرب الأوكرانية يبقي حالة عدم اليقين قائمة في ملفات تمس المنطقة مباشرة، من بينها أسواق الطاقة، كلفة الشحن، وحركة الحبوب عبر البحر الأسود. ومصر، بوصفها من أكبر مستوردي القمح عالميا، تتابع هذه التطورات بدقة لأن أي اضطراب في الإمدادات أو التأمين البحري قد ينعكس على الأسعار العالمية وتكاليف الاستيراد.
ورغم أن التصريح الروسي الأخير لا يقدم خريطة طريق جديدة، فإنه يكشف بوضوح أن موسكو تريد إرسال رسالة سياسية مفادها أن الهجمات على المدنيين أو البنية غير العسكرية، بحسب روايتها، لن تضغط عليها لتقديم تنازلات، بل ستدفعها إلى تقليص هامش المرونة التفاوضية. وفي المقابل، تظل أوكرانيا متمسكة بالحصول على دعم غربي ومسارات وساطة تتيح إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا، ولو نظريا.
خلاصة المشهد
- التصريح الروسي: موسكو تقول إن بعض المقترحات التفاوضية فقدت قيمتها بعد هجمات ضد مدنيين نسبتْها إلى كييف.
- صاحب التصريح: نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل غالوزين، أحد المسؤولين البارزين في متابعة الملف الأوكراني.
- المشهد الأوسع: روسيا تعلن انفتاحا مشروطا على أفكار جديدة، بينما تعمل أوكرانيا مع شركائها على بلورة مقترحات لوقف التصعيد.
- النتيجة الحالية: فرص التفاوض لا تبدو قريبة، والخطاب المتبادل يشير إلى مرحلة أشد تعقيدا لا إلى انفراجة وشيكة.
في المحصلة، يعكس الموقف الروسي الأخير مزيدا من التشدد السياسي حيال أي مسار تفاوضي مع أوكرانيا، ويؤكد أن ملف التسوية ما زال رهينة التطورات الميدانية وتوازنات القوى، لا مجرد التصريحات الدبلوماسية. وبالنسبة للمنطقة، ومن بينها مصر، فإن استمرار هذا الانسداد يعني بقاء تداعيات الحرب مفتوحة على الاقتصاد والأمن الغذائي وحركة التجارة الدولية.