Akhbar Cairo

ميرال الهريدي: تفكيك خطاب التطرف ضرورة تتجاوز إسقاط التنظيمات

تصريحات جديدة حول معركة الوعي ومواجهة التطرف

قالت النائبة ميرال جلال الهريدي، عضو مجلس الشيوخ عن حزب حماة الوطن، إن تعامل الدولة المصرية مع جماعة الإخوان لم يقتصر على تفكيك قدرتها التنظيمية داخل المجتمع، بل شمل أيضًا مواجهة الأسس الفكرية والإعلامية التي تستند إليها الجماعة في إعادة تقديم نفسها أمام الرأي العام. وجاءت تصريحاتها في بيان نُشر اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026، مؤكدة أن التجربة المصرية خلال السنوات الماضية أظهرت أن التنظيمات المتطرفة لا تختفي تلقائيًا بسقوط هياكلها، وإنما تبحث عن مسارات جديدة للتأثير، خصوصًا عبر الفضاء الرقمي وخطابات التشكيك والإحباط.

الهريدي أشارت إلى أن المواجهة باتت أوسع من الإطار الأمني التقليدي، لتشمل رصد المنصات الإلكترونية، ومصادر التمويل، وشبكات الدعاية، ومحاولات استغلال الأزمات الاجتماعية والاقتصادية لنشر روايات هدامة. وهذه المقاربة تعكس، بحسب مضمون البيان، انتقال الدولة من رد الفعل إلى بناء منظومة متكاملة تستهدف حماية الوعي العام، وهو اتجاه يتقاطع مع ما تعلنه مؤسسات مصرية رسمية ودينية عن أولوية مكافحة التطرف الفكري وليس فقط ملاحقة البنى التنظيمية.

من المقاربة الأمنية إلى المنظومة الشاملة

الرسالة الأبرز في تصريحات عضو مجلس الشيوخ هي أن المواجهة الحديثة مع التنظيمات المتشددة أصبحت متعددة المستويات: أمنية، فكرية، إعلامية، ورقمية. وهذا الطرح ينسجم مع خطاب مصري متكرر يعتبر أن التنظيمات العنيفة تستفيد من البيئات الرقمية المفتوحة، ومن إعادة تدوير الرسائل الدعائية بطرق تبدو أقل صدامًا وأكثر قدرة على التسلل إلى فئات جديدة، خصوصًا الشباب.

وفي هذا السياق، يبرز دور المؤسسات التي تعمل على إنتاج خطاب مضاد للتطرف. فمرصد الأزهر لمكافحة التطرف يعرّف نفسه بوصفه منصة تهدف إلى ترسيخ قيم الوسطية والتسامح، وتقديم محتوى بلغات متعددة لمجابهة السرديات المتشددة وتعزيز مكانة مصر في هذا الملف على المستوى الدولي. كما استقبل المرصد في يناير 2026 وفدًا من الاتحاد الأوروبي في زيارة دراسية خُصصت للاطلاع على آليات رصد الخطابات المتطرفة وتفنيدها، بما يعكس اهتمامًا خارجيًا بالتجربة المصرية في هذا المجال.

أدوات المواجهة لم تعد تقليدية

تتزايد أهمية هذا النوع من التصريحات في لحظة دولية تشهد تحولات في طرق التجنيد ونشر الرسائل المتشددة. ووفق ما أعلنته مديرة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف الدكتورة رهام سلامة، فإن خريطة الإرهاب شهدت تغيرات لافتة، بينها اتساع دوائر الاستقطاب الرقمي ومحاولات استهداف الشباب عبر المحتوى الإلكتروني. وأوضحت أن المرصد طور أدواته الإعلامية وحضوره على المنصات الاجتماعية، مع توسيع المحتوى العربي والأجنبي وإطلاق مبادرات ميدانية وتوعوية بالتعاون مع مؤسسات رسمية مختلفة.

بحسب البيانات المنشورة عن أنشطة المرصد، بلغت مخرجاته خلال عام 2025 نحو 1475 منشورًا باللغة العربية و5612 منشورًا باللغات الأجنبية، إلى جانب مئات الفيديوهات والمواد البصرية والبرامج التدريبية. وتكشف هذه الأرقام أن مواجهة الفكر المتطرف لم تعد محصورة في المنابر التقليدية، بل صارت معركة محتوى وتأثير ورواية عامة، وهو ما يفسر تركيز الهريدي على تفكيك الخطاب نفسه وكشف أدواته.

لماذا تحظى معركة الوعي بهذه الأولوية؟

في الحالة المصرية، اكتسب ملف الوعي العام وزنًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، سواء في البيانات البرلمانية أو في الخطاب السياسي والإعلامي. ومن هذا المنطلق، تنظر شخصيات عامة وبرلمانية إلى الشائعات، وإعادة تدوير الرسائل المؤدلجة، باعتبارها جزءًا من ساحة الصراع الأوسع على الاستقرار الاجتماعي وثقة المواطنين في مؤسساتهم. وقد سبق للهريدي نفسها أن تحدثت في مناسبات أخرى عن مخاطر الشائعات، وعن الحاجة إلى تنظيم الفضاء الإلكتروني لحماية المجتمع من الأخبار المضللة والمحتوى الذي يهدد التماسك الداخلي.

هذا الربط بين التطرف والشائعة والدعاية الرقمية ليس مصريًا فقط، بل يندرج ضمن نقاش عالمي أوسع حول كيفية تحول المنصات المفتوحة إلى مساحات لإعادة تدوير الأفكار الراديكالية في صور جديدة. ومن هنا تأتي أهمية الإشارة إلى أن تطوير الخطاب التوعوي لا يُفهم فقط بوصفه نشاطًا داخليًا، بل كجزء من مقاربة تتصل أيضًا بالنقاش الدولي حول الأمن الفكري، والوقاية من التطرف، وتحسين قدرة المجتمعات على التمييز بين المعلومة والدعاية.

مؤسسات متعددة في مشهد واحد

اللافت في المشهد المصري أن الجهود المعلنة لا تصدر عن جهة واحدة. فإلى جانب البرلمان والأحزاب، تلعب مؤسسات دينية مثل الأزهر ومرصده المتخصص دورًا واضحًا في بناء رواية مضادة تقوم على الوسطية، بينما تتحرك أجهزة ومؤسسات أخرى في مجالات التوعية والإعلام والتنسيق المجتمعي. هذا التداخل المؤسسي يعزز فكرة “المنظومة المتكاملة” التي تحدثت عنها الهريدي، أي أن المواجهة ليست عملية جزئية، بل مسار طويل يجمع بين المتابعة والرصد والتثقيف والرد السريع.

  • أمنيًا: تقويض البنى القادرة على الحركة والتنظيم.
  • فكريًا: تفكيك السرديات التي تمنح التطرف غطاءً تبريريًا.
  • رقميًا: متابعة المنصات وشبكات الدعاية والرسائل المعاد تدويرها.
  • مجتمعيًا: رفع الوعي العام، خاصة بين الشباب والطلاب.
  • دوليًا: تقديم التجربة المصرية كشريك في نقاشات مكافحة التطرف وبناء السلام.

دلالة التصريحات في التوقيت الحالي

تصريحات ميرال الهريدي تأتي في توقيت لا تزال فيه قضايا التطرف وخطاب الكراهية حاضرة بقوة على الأجندة الدولية، خصوصًا مع تنامي المخاوف من انتقال الجماعات المتشددة إلى مساحات أقل كلفة وأكثر انتشارًا على الإنترنت. وفي هذا الإطار، يبدو أن الرسالة الأساسية هي أن النجاح في إضعاف التنظيمات لا يكفي وحده، ما لم يصاحبه تفكيك مستمر للأفكار والوسائل التي تسمح بإعادة إنتاجها.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة لأنه يربط بين الاستقرار الداخلي والنقاش العالمي حول التطرف العابر للحدود. فحين تتحدث نائبة في مجلس الشيوخ عن ضرورة توسيع المواجهة لتشمل الإعلام والمنصات الإلكترونية ومصادر التمويل، فهي تشير ضمنًا إلى أن التهديد لم يعد محليًا خالصًا، بل يرتبط بشبكات سردية واتصالية تتجاوز الجغرافيا. ومن هنا يمكن فهم المقالة السياسية الراهنة في مصر بوصفها جزءًا من نقاش عالمي أوسع حول كيف تحمي الدول مجتمعاتها من عودة التطرف بأشكال جديدة.

وفي المحصلة، تعكس تصريحات الهريدي رؤية مفادها أن المعركة ضد التنظيمات المتشددة لم تعد تُقاس فقط بحجم الضربات التي تتعرض لها هذه الكيانات، بل بمدى نجاح الدولة والمجتمع في سد الفراغ الذي تحاول تلك التنظيمات النفاذ منه: فراغ المعرفة، وفراغ الثقة، وفراغ الخطاب الرشيد. وهي معركة طويلة، لكن ملامحها في الحالة المصرية تبدو، وفق المعطيات الرسمية والمؤسسية المتاحة، قائمة على الدمج بين الأمن والوعي والعمل الفكري المنظم.