ميركل تدعو الأحزاب الألمانية لوقف الدوران حول البديل
ميركل: مواجهة اليمين لا تكون بتضخيمه بل ببدائل سياسية مقنعة
أعادت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل طرح سؤال شديد الحساسية في السياسة الأوروبية: كيف تتعامل الأحزاب الديمقراطية مع صعود اليمين الشعبوي من دون أن تمنحه مساحة أكبر؟ وفي أحدث مواقفها، دعت ميركل الأحزاب التقليدية في ألمانيا إلى تقليل الانشغال الخطابي بحزب البديل من أجل ألمانيا، والتركيز بدلاً من ذلك على تقديم رؤى وبرامج واضحة للناخبين، مع التشديد على أن حماية الديمقراطية تحتاج إلى جهد يومي، لا إلى ردود فعل إعلامية فقط.
هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في لحظة تشهد فيها ألمانيا وأوروبا نقاشاً متصاعداً بشأن مستقبل الوسط السياسي، وصعود الأحزاب المناهضة للمؤسسة، وهي قضية تهم المتابع المصري أيضاً بالنظر إلى تأثير ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي، وانعكاس التحولات السياسية هناك على ملفات الهجرة والطاقة والاقتصاد والعلاقات مع الجوار المتوسطي والأفريقي.
ماذا قالت ميركل؟
بحسب ما أوردته وسائل إعلام ألمانية، شددت ميركل على أن الأحزاب الديمقراطية ينبغي ألا تجعل نفسها معرّفة فقط من خلال مهاجمة حزب البديل من أجل ألمانيا، بل من خلال الإجابة عن سؤال أبسط وأهم: ما الخطة لهذا البلد؟ وفي مداخلات أخرى حديثة، كانت ميركل قد وصفت الحزب بأنه يتبنى خطاباً يقسم المجتمع بين “نخب” و“شعب”، معتبرة أن هذا التصور يتعارض مع فهم الدولة الدستورية التي ترى الشعب باعتباره مجموع المواطنين جميعاً، لا فئة تختارها جماعة سياسية بعينها.
وفي جوهر رسالتها، لا تدعو ميركل إلى تجاهل الحزب، بل إلى عدم منحه مركز الثقل في الخطاب العام. الفكرة هنا أن الإفراط في الحديث عن اليمين المتطرف قد يجعله محور السياسة، بينما المطلوب من الأحزاب الكبرى أن تستعيد المبادرة عبر حلول عملية في الاقتصاد والهجرة والخدمات والأمن الاجتماعي.
لماذا يأتي هذا الكلام الآن؟
توقيت تصريحات ميركل ليس عابراً. فحزب البديل من أجل ألمانيا عزز وزنه السياسي خلال السنوات الأخيرة، ووصل بعد الانتخابات البرلمانية الألمانية التي جرت في 23 فبراير 2025 إلى 20.8% من الأصوات، ليصبح ثاني أكبر كتلة في البوندستاغ للمرة الأولى، مع 152 نائباً. في المقابل، حصل تحالف الاتحاد المسيحي CDU/CSU على 28.6% و208 مقاعد، بينما تراجع الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى 16.4%.
هذه الأرقام تفسر لماذا تحولت مسألة التعامل مع البديل إلى نقاش مركزي داخل ألمانيا. فالحزب لم يعد مجرد ظاهرة احتجاجية هامشية، بل صار لاعباً برلمانياً رئيسياً، خصوصاً في بعض مناطق شرق البلاد، ما يدفع الأحزاب الأخرى إلى مراجعة أدواتها في الخطاب والتنظيم والحملات الانتخابية.
بين التحذير من الحزب وانتقاد طريقة مواجهته
ميركل نفسها من أبرز السياسيين الألمان الذين وجّهوا انتقادات مباشرة للحزب. ففي تصريحات منشورة في 2 أكتوبر 2025، اعتبرت أن البديل يغذي مشاعر الكراهية والعنصرية، وقالت إن منطقه يقوم على فرز الناس بين من يُعدّ “من الشعب” ومن يُستبعَد منه. هذا الموقف يوضح أن دعوتها الحالية إلى تقليل الحديث عن الحزب لا تعني أي تهاون معه، بل تعني أن الرد السياسي الأنجع هو تقديم بديل ديمقراطي أكثر إقناعاً.
وبالمعنى السياسي، تبدو ميركل وكأنها تحذر من خطأين في آن واحد: الأول هو الاستهانة بالقلق الحقيقي لدى بعض الناخبين، والثاني هو تحويل الحزب الشعبوي إلى محور دائم للجدل، بما يسمح له باحتكار الاهتمام الإعلامي وتغذية صورته كخصم رئيسي للمؤسسة.
خلفية أمنية وسياسية تزيد الجدل
الجدل حول الحزب لا يرتبط فقط بنتائجه الانتخابية، بل أيضاً بالتقييمات الأمنية والسياسية المحيطة به. فالمكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور صنّف الحزب في مايو 2025 باعتباره تياراً يمينياً متطرفاً مؤكداً، قبل أن تستمر المعركة القضائية والسياسية حول هذا التصنيف وتبعاته في المجال العام الألماني، وهو ما جعل النقاش حول حدود الديمقراطية الدفاعية أكثر حدة. كما يوضح تقرير حماية الدستور لعام 2025 أن الجرائم ذات الخلفية المتطرفة في ألمانيا بقيت عند مستويات مرتفعة، مع تسجيل 58,851 جريمة في عام 2025 مقابل 57,701 في 2024.
ومن هنا، فإن دعوة ميركل تبدو موجهة إلى الأحزاب والمؤسسات معاً: لا يكفي رفع السقف التحذيري، بل يجب أيضاً بناء ثقة سياسية واجتماعية تمنع انتقال مزيد من الناخبين إلى خطاب الاحتجاج الراديكالي.
ما الذي يعنيه ذلك خارج ألمانيا؟
بالنسبة للقارئ في مصر، قد يبدو الخبر أوروبياً محضاً، لكنه في الواقع يتجاوز الساحة الألمانية. فبرلين لاعب أساسي في سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه الهجرة، والطاقة، والحرب في أوكرانيا، والعلاقات مع المتوسط وأفريقيا. وأي تغير في توازنات القوة داخل ألمانيا ينعكس على أجندة أوروبية أوسع، بما في ذلك شكل النقاش حول الحدود، واللجوء، والتعاون مع دول الجنوب.
كما أن صعود الأحزاب اليمينية في أوروبا ليس حالة ألمانية منفصلة، بل جزء من موجة أوسع تتغذى على الضغوط الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، والقلق من الهجرة، وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية. في هذا السياق، تبدو نصيحة ميركل أقرب إلى وصفة سياسية عامة: استعادة الناخب لا تتم فقط بإدانة الخصم، بل بإقناع المواطن بأن هناك مشروعاً قابلاً للتنفيذ.
هل تغير ميركل قواعد النقاش؟
عملياً، من الصعب القول إن تصريحاً واحداً سيبدل مسار السياسة الألمانية. لكن كلام ميركل يبقى مؤثراً لأنها ما زالت تمثل مرجعية معتبرة داخل التيار المحافظ وفي النقاش الأوروبي الأوسع. وهي التي قادت ألمانيا بين 2005 و2021، وتبقى تجربتها حاضرة في كل جدل يخص الهجرة والديمقراطية والوسط السياسي.
ما تقوله المستشارة السابقة الآن يمكن قراءته باعتباره دعوة إلى مراجعة أسلوب المواجهة: بدلاً من الاكتفاء بالتنديد المتكرر بحزب البديل، على الأحزاب التقليدية أن تملأ الفراغ السياسي بخطط مفهومة وقابلة للقياس، وأن تخاطب القلق الشعبي من دون أن تتبنى لغة الشعبوية نفسها.
خلاصة المشهد
رسالة ميركل مختصرة لكن ثقيلة سياسياً: الديمقراطية لا تُحمى بالضجيج وحده. وإذا كانت الأحزاب الألمانية تريد الحد من نفوذ اليمين المتطرف، فعليها أن تقدم للناخبين سبباً عملياً للتصويت لها، لا مجرد سبب أخلاقي لرفض خصومها. وفي لحظة أوروبية مضطربة، يبدو هذا الدرس أبعد من ألمانيا وحدها.