Akhbar Cairo

ميكيلي في قلب التحول: كيف مهّد انسحاب تيجراي لاتفاق السلام؟

ميكيلي.. محطة فاصلة في حرب شمال إثيوبيا

شكّل بدء انسحاب قوات تيجراي من مدينة ميكيلي، عاصمة الإقليم الواقع في شمال إثيوبيا، لحظة حاسمة في مسار الحرب التي استمرت لعامين تقريبًا وأعادت تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية في القرن الأفريقي. فقد تزامن هذا التحرك مع تقدم القوات الموالية للحكومة الفيدرالية الإثيوبية نحو المدينة، في تطور عكس حجم الضغط العسكري الذي كانت تواجهه جبهة تحرير شعب تيجراي آنذاك، ومهّد لاحقًا لانتقال الصراع من ذروة المواجهة المسلحة إلى مسار تفاوضي قاده الاتحاد الأفريقي.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن ما جرى في تيجراي لم يكن مجرد حدث داخلي إثيوبي، بل تطور إقليمي واسع التأثير في دولة محورية من دول حوض النيل والقرن الأفريقي، وهي منطقة ترتبط بمصالح أمنية وسياسية مباشرة لمصر وللقارة بأكملها.

ماذا حدث في عاصمة الإقليم؟

بحسب ما تداولته وكالات أنباء دولية في ذلك التوقيت، بدأت قوات تيجراي الانسحاب من ميكيلي مع اقتراب قوات موالية للحكومة الإثيوبية من المدينة. وكانت ميكيلي تمثل المركز السياسي والإداري الأهم للإقليم، ما جعل أي تغير في السيطرة عليها يحمل دلالة تتجاوز البعد العسكري إلى الرمزية السياسية أيضًا.

المدينة نفسها تعد من أكبر المراكز الحضرية في إثيوبيا بعد أديس أبابا، وتقع على مرتفعات شمال البلاد، ما يمنحها أهمية لوجستية واستراتيجية في الربط بين مدن تيجراي الرئيسية ومناطق التماس مع الجوار الداخلي والخارجي. وقد أظهرت صور أقمار صناعية منشورة على ويكيميديا كومنز مشهدًا واسعًا للمدينة وتضاريسها الجبلية المحيطة، بما يوضح طبيعة الميدان الذي جرت فيه التحركات العسكرية.

خلفية الصراع بين أديس أبابا وتيجراي

اندلعت الحرب في شمال إثيوبيا في نوفمبر 2020 بين الحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد وبين جبهة تحرير شعب تيجراي، بعد تصاعد خلافات سياسية ودستورية وأمنية بين الطرفين. وخلال الحرب، شهد الإقليم معارك واسعة النطاق، وتبدلت السيطرة على عدد من المدن والمناطق أكثر من مرة، كما تدخلت أطراف محلية وإقليمية في القتال، ما جعل الأزمة واحدة من أعقد النزاعات في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

وفي إحدى مراحل الحرب المبكرة، أعلنت الحكومة الإثيوبية في 28 نوفمبر 2020 سيطرتها على ميكيلي، قبل أن تعود قوات تيجراي إلى المدينة في 28 يونيو 2021 بعد انسحاب القوات الحكومية منها. هذا التبادل في السيطرة يفسر لماذا كان أي تحرك عسكري جديد باتجاه العاصمة الإقليمية يحظى بمتابعة إقليمية ودولية كثيفة.

التحول من الميدان إلى التفاوض

أهمية واقعة الانسحاب لا تقف عند حدودها العسكرية، بل في كونها جاءت ضمن مرحلة ضغط انتهت بعد أيام بتوقيع اتفاق بريتوريا للوقف الدائم للأعمال العدائية في 2 نوفمبر 2022. الاتفاق وُقّع في جنوب أفريقيا برعاية الاتحاد الأفريقي، ونص على وقف القتال وتهيئة الأرضية لاستعادة الاستقرار والأمن في إقليم تيجراي.

ووفق النص الرسمي المنشور من الاتحاد الأفريقي، فإن المحادثات انطلقت في 25 أكتوبر 2022 وانتهت بالتوصل إلى اتفاق يهدف إلى الوقف الدائم للأعمال العدائية بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي. وبعد ذلك، أقر مجلس السلم والأمن الأفريقي الاتفاق في 9 نوفمبر 2022، ثم أُنشئت آلية للمتابعة والتحقق والامتثال في 29 ديسمبر 2022 لمراقبة التنفيذ على الأرض.

ما الذي تغيّر بعد اتفاق بريتوريا؟

منذ توقيع الاتفاق، بدأت خطوات عملية لتثبيت التهدئة، شملت استعادة جزئية للخدمات والمؤسسات، وبدء ترتيبات نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين، إلى جانب إنشاء إدارة انتقالية في الإقليم. وفي 23 مارس 2023، أعلنت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية تعيين جيتاتشو رضا رئيسًا للإدارة المؤقتة في تيجراي، في خطوة عُدّت جزءًا من تنفيذ التفاهمات السياسية التي أعقبت الحرب.

لكن مسار ما بعد الحرب لم يكن خاليًا من التوتر. فالبيانات الأحدث الصادرة عن الاتحاد الأفريقي خلال 2025 و2026 أظهرت أن السلام ما زال هشًا، مع دعوات متكررة إلى ضبط النفس ومنع أي تراجع عن الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق بريتوريا. كما شدد الاتحاد الأفريقي مؤخرًا على أن الاتفاق يظل المرجعية الأساسية لتحقيق سلام دائم في شمال إثيوبيا.

لماذا تهم ميكيلي والقضية المصرية؟

من منظور مصري، فإن استقرار إثيوبيا لا ينعكس فقط على الداخل الإثيوبي، بل يمتد أثره إلى مجمل شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، بما في ذلك مسارات التجارة، وأمن البحر الأحمر، والتفاعلات السياسية بين دول حوض النيل. وتطورات تيجراي خلال سنوات الحرب أظهرت كيف يمكن لأزمة داخلية في دولة كبرى أفريقية أن تتحول سريعًا إلى ملف إقليمي متشابك.

كما أن متابعة ما يجري في ميكيلي وتيجراي تساعد القارئ العربي في مصر على فهم أعمق لطبيعة التحولات داخل إثيوبيا: من الصراع بين المركز والأقاليم، إلى محاولات إعادة بناء المؤسسات المحلية، وصولًا إلى دور الاتحاد الأفريقي في إدارة النزاعات داخل القارة.

قراءة في دلالة الانسحاب

الانسحاب من عاصمة الإقليم لم يكن مجرد تحرك تكتيكي عابر، بل يمكن قراءته باعتباره إشارة إلى تغير موازين القوى على الأرض وإلى إدراك متزايد لدى الأطراف بأن الحسم العسكري الكامل سيكون بالغ الكلفة. وفي مثل هذه النزاعات الممتدة، كثيرًا ما تفتح التحركات العسكرية الحاسمة الباب أمام تسويات سياسية، وهو ما حدث بالفعل عندما انتقل الطرفان بعد ذلك إلى طاولة المفاوضات.

وبينما بقيت ملفات معقدة مطروحة بعد الاتفاق، مثل عودة النازحين، وترتيبات الإدارة المحلية، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، فإن لحظة الانسحاب من ميكيلي ستظل واحدة من أكثر اللحظات تعبيرًا عن نهاية مرحلة وبداية أخرى في نزاع تيجراي.

خلاصة المشهد

تاريخ الحرب في تيجراي يوضح أن السيطرة على المدن لا تعني وحدها نهاية النزاعات، لكن مدينة بحجم ميكيلي كانت دومًا مؤشرًا حساسًا على اتجاه الصراع. ومع بدء انسحاب قوات تيجراي منها بالتزامن مع تقدم القوات الحكومية، بدا أن الميدان يفرض منطقًا جديدًا انتهى، بعد فترة قصيرة، إلى اتفاق سلام صاغه الاتحاد الأفريقي في بريتوريا.

ورغم مرور سنوات على تلك اللحظة، فإن آثارها لا تزال حاضرة في السياسة الإثيوبية وفي حسابات الأمن الإقليمي الأفريقي. لذلك، يبقى فهم ما جرى في ميكيلي جزءًا أساسيًا من متابعة ملف القرن الأفريقي، وهو ملف يهم القارئ المصري ليس فقط من باب الأخبار، بل من زاوية إدراك التحولات الكبرى في محيط مصر الأفريقي.

أبرز الحقائق

  • اندلاع الحرب: نوفمبر 2020 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي.
  • أهمية ميكيلي: العاصمة الإدارية والسياسية لإقليم تيجراي في شمال إثيوبيا.
  • محطة مفصلية: انسحاب قوات تيجراي من المدينة تزامن مع تقدم قوات موالية للحكومة.
  • اتفاق السلام: توقيع اتفاق بريتوريا في 2 نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الأفريقي.
  • تنفيذ الاتفاق: إنشاء آلية أفريقية للمراقبة والتحقق في 29 ديسمبر 2022.
  • الإدارة الانتقالية: تعيين جيتاتشو رضا رئيسًا للإدارة المؤقتة في تيجراي في 23 مارس 2023.