Akhbar Cairo

نبيل فهمي يتسلم رسميًا الأمانة العامة لجامعة الدول العربية

نبيل فهمي يبدأ مهامه من القاهرة في لحظة عربية وإفريقية معقدة

تسلّم السفير نبيل فهمي، اليوم الأربعاء 1 يوليو 2026، مهامه رسميًا أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية خلال مراسم أُقيمت في مقر الأمانة العامة بالقاهرة، ليتولى المنصب خلفًا لأحمد أبو الغيط الذي انتهت ولايته بعد سنوات قاد خلالها المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد. ويكتسب الانتقال الرسمي للمنصب أهمية خاصة بالنسبة لمصر بحكم استضافة القاهرة لمقر الجامعة، وبالنسبة للقارة الإفريقية أيضًا في ظل تشابك عدد من الأزمات العربية مع عمقها الإفريقي، من السودان إلى ليبيا والقرن الإفريقي.

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام مصرية، جرت مراسم التسليم بحضور الأمناء العامين المساعدين وعدد من مسؤولي الأمانة العامة والعاملين بها، في خطوة دشّنت بداية ولاية جديدة تستمر خمس سنوات اعتبارًا من 1 يوليو 2026. كما أفادت تغطيات صحفية بأن فهمي وقّع أولى مخاطباته الرسمية الموجهة إلى القادة العرب بعد توليه المنصب.

كيف وصل نبيل فهمي إلى المنصب؟

اعتمد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري تعيين نبيل فهمي أمينًا عامًا جديدًا للجامعة خلال اجتماعه في العاصمة الأردنية عمّان يوم 22 يونيو 2026، مع توجيه الشكر لأحمد أبو الغيط بمناسبة انتهاء فترة عمله. وجاء القرار بعد دعم عربي لترشيح مصر، في إطار التقليد المستقر منذ تأسيس الجامعة عام 1945، حيث تتولى الدولة المضيفة للمقر ترشيح الأمين العام في أغلب الدورات.

ويعد فهمي من أبرز الوجوه الدبلوماسية المصرية المعروفة عربيًا ودوليًا. فقد شغل منصب وزير الخارجية المصري بين يوليو 2013 ويونيو 2014، كما عمل سفيرًا لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، وسبق له أيضًا تولي منصب سفير مصر في اليابان. وبعد مسيرته الحكومية، ارتبط اسمه بالعمل الأكاديمي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث تولى تأسيس وقيادة مدرسة الشؤون العالمية والسياسة العامة، ويحمل صفة العميد الفخري.

دلالة مصرية وإفريقية لتولي الأمانة العامة

بالنسبة للقارئ المصري، لا يُنظر إلى هذا التطور باعتباره مجرد تغيير إداري في مؤسسة إقليمية، بل باعتباره إعادة تموضع في لحظة تتقاطع فيها المصالح العربية مع المجال الإفريقي بشكل مباشر. فالقاهرة تستضيف مقر الجامعة العربية، وتحتفظ في الوقت نفسه بثقل سياسي وتاريخي في ملفات القارة، ما يجعل أداء الأمين العام الجديد محل متابعة دقيقة، خاصة في القضايا المتصلة بأمن دول الجوار الإفريقي للعالم العربي.

وتبرز هنا ثلاثة ملفات أساسية يتوقع أن تحضر مبكرًا على أجندة الأمانة العامة:

  • السودان: استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والأمنية على الإقليم، مع انعكاسات مباشرة على مصر والبحر الأحمر ودول الجوار الإفريقي.
  • ليبيا: تعثر مسار التسوية السياسية، وتأثير ذلك على شمال إفريقيا والأمن الحدودي والهجرة غير النظامية.
  • القرن الإفريقي والبحر الأحمر: تصاعد التنافس الجيوسياسي وتزايد أهمية الممرات البحرية والأمن الإقليمي.

السودان في صدارة الاهتمام

من الصعب فصل بداية ولاية نبيل فهمي عن المشهد السوداني، وهو الملف الأكثر إلحاحًا في الدائرة العربية-الإفريقية. فالسودان ليس فقط دولة عربية وإفريقية في آن واحد، بل يمثل اختبارًا لقدرة النظام الإقليمي العربي على التعامل مع نزاع ممتد يخلّف موجات نزوح وضغطًا اقتصاديًا وإنسانيًا وأمنيًا على المنطقة بأكملها. ومن هذا المنطلق، فإن أي تحرك للجامعة العربية خلال الفترة المقبلة سيُقاس بمدى فاعليته في دعم مسار وقف إطلاق النار، وتسهيل الإغاثة، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية.

ولأن مصر تُعد من أكثر الدول تأثرًا بتطورات الأزمة السودانية بحكم الجوار والروابط التاريخية، فإن المتابعين يتوقعون أن يحظى هذا الملف باهتمام خاص من الأمين العام الجديد، سواء عبر التنسيق مع العواصم العربية أو عبر الانفتاح على الأطر الإفريقية المعنية بالأزمة.

ليبيا والربط بين شمال إفريقيا والعمل العربي

الملف الليبي بدوره يظل اختبارًا مهمًا لفعالية الجامعة العربية في محيطها الإفريقي المباشر. فليبيا تقع في قلب التماس بين المشرق والمغرب العربيين، وتمثل جزءًا لا يتجزأ من أمن شمال إفريقيا. ومن المرجح أن يكون مطلوبًا من الأمانة العامة في المرحلة المقبلة دفع مسارات التوافق السياسي الليبي، مع الحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية، ورفض أي ترتيبات تكرّس الانقسام طويل الأمد.

ويهم هذا الملف القارئ في مصر بصفة خاصة، لأن استقرار ليبيا يرتبط مباشرة بأمن الحدود الغربية، ويؤثر على حركة التجارة والطاقة والتوازنات الإقليمية في الفضاء المتوسطي والإفريقي.

من هو نبيل فهمي؟

ينتمي نبيل فهمي إلى جيل من الدبلوماسيين المصريين الذين جمعوا بين الخبرة التفاوضية والعمل المؤسسي والاشتباك الأكاديمي مع قضايا الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية. وتوضح سيرته المنشورة عبر الجامعة الأمريكية بالقاهرة أنه عمل دبلوماسيًا مهنيًا من 1976 إلى 2011، وتركزت خبراته على الأمن الدولي ونزع السلاح وحل النزاعات والدبلوماسية العربية-الإسرائيلية. كما شغل مواقع أممية واستشارية في ملفات نزع السلاح والأمن الدولي.

هذا المسار يمنحه، نظريًا، أدوات للتعامل مع المرحلة الحالية التي تتطلب إدارة سياسية هادئة، وقدرة على بناء التوافقات، وخطابًا عربيًا أكثر اتصالًا بالتحولات الواقعة في إفريقيا المجاورة. ومع ذلك، تبقى فعالية المنصب مرتبطة في النهاية بإرادة الدول الأعضاء، لأن الأمانة العامة تنسق وتدفع وتتابع، لكنها لا تستبدل القرار السياسي للدول.

ماذا ينتظر الجامعة العربية في المرحلة المقبلة؟

بداية ولاية فهمي تأتي بينما تواجه المنطقة العربية والإفريقية المحيطة بها سلسلة من الاختبارات المتزامنة: نزاعات مسلحة، أزمات غذاء ومياه، ضغوط ديون وتنمية، واشتداد التنافس الدولي على الموانئ والممرات الحيوية. لذلك، فإن التحدي أمام الأمين العام الجديد لن يقتصر على إدارة الملفات التقليدية، بل سيمتد إلى تحديث أولويات الجامعة لتكون أكثر التصاقًا بالوقائع الميدانية في القارة.

ومن بين المسارات التي تبدو مطروحة أمامه:

  • تعزيز التنسيق العربي مع الاتحاد الإفريقي في بؤر التداخل مثل السودان والقرن الإفريقي.
  • تقوية مقاربات الأمن البحري في البحر الأحمر ومحيطه.
  • ربط العمل السياسي بالتنموي خصوصًا في قضايا الغذاء والطاقة والبنية التحتية العابرة للحدود.
  • إحياء أدوات الوساطة العربية في النزاعات التي تمس المجال الإفريقي العربي.

خلفًا لأحمد أبو الغيط

يخلف نبيل فهمي الدبلوماسي المصري أحمد أبو الغيط الذي تولى الأمانة العامة منذ عام 2016. وخلال تلك السنوات، تعاملت الجامعة مع تحولات كبرى شملت أزمات ليبيا والسودان واليمن، إلى جانب تغيرات متسارعة في البيئة الدولية. لذا، فإن انتقال المنصب لا يمثل فقط نهاية ولاية وبداية أخرى، بل يعكس أيضًا محاولة للحفاظ على استمرارية المؤسسة مع إدخال مقاربة جديدة يقودها وجه دبلوماسي مصري مخضرم.

في المحصلة، يبدأ نبيل فهمي مهمته من القاهرة محاطًا بتوقعات كبيرة، لكن أيضًا بقيود معروفة تفرضها طبيعة العمل العربي المشترك. وبين الرهان على خبرته الواسعة، والواقع المعقد للأزمات العربية ذات الامتداد الإفريقي، ستكون الأسابيع الأولى من ولايته مؤشرًا مهمًا على شكل الدور الذي يمكن أن تلعبه الجامعة العربية في محيطها القاري الأوسع.