Akhbar Cairo

نبيل فهمي يدعو من القاهرة إلى مشروع عربي شامل

دعوة مصرية من مقر الجامعة العربية إلى مقاربة جماعية

من القاهرة، وفي أول اجتماع وزاري دوري يعقد تحت قيادته منذ توليه منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، دعا نبيل فهمي إلى تبني مشروع عربي شامل قادر على التعامل مع الضغوط المتزايدة التي تشهدها المنطقة، في وقت تتصدر فيه الحروب والنزاعات والانتهاكات المتكررة للقانون الدولي جدول الأعمال العربي.

وجاءت كلمة فهمي خلال انطلاق أعمال الدورة العادية الـ166 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، التي بدأت يوم الاثنين 7 سبتمبر 2026 بمقر الأمانة العامة للجامعة في القاهرة، بمشاركة وزراء الخارجية ورؤساء الوفود العربية، فيما انتقلت رئاسة الدورة إلى تونس ممثلة في وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي. ويعد هذا الاجتماع أول دورة وزارية دورية يشارك فيها فهمي بصفته أمينًا عامًا منذ بدء ولايته في 1 يوليو 2026 بعد اعتماد تعيينه بالإجماع في 22 يونيو 2026 لمدة خمس سنوات.

ما الذي طرحه نبيل فهمي؟

الرسالة الأساسية التي قدمها الأمين العام تمحورت حول أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، تتسم بتوسع الصراعات، وتصاعد استهداف المدنيين، وتنامي سباقات التسلح، بما يفرض على الدول العربية الانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى رؤية عربية منظمة تتعامل مع الأزمات بصورة جماعية وأكثر فاعلية.

وبالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة أمام الوزراء، فإن الدعوة إلى مشروع عربي شامل لا تنفصل عن الحاجة إلى تطوير آليات التنسيق السياسي، وتعزيز القدرة على التحرك الدبلوماسي المشترك، والدفاع عن المصالح العربية في المحافل الدولية، خاصة في ظل التحديات المتزامنة التي تضغط على أكثر من جبهة في وقت واحد.

القضية الفلسطينية تتصدر المشهد

تؤكد أجندة الدورة الحالية أن القضية الفلسطينية لا تزال في مقدمة أولويات العمل العربي، مع حضور تطورات غزة والقدس على رأس النقاشات الوزارية. وسبق انطلاق الجلسة الوزارية اجتماع اللجنة الوزارية العربية المكلفة بالتحرك الدولي لمواجهة السياسات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في مدينة القدس المحتلة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام العربي بالتحرك السياسي والقانوني في هذا الملف.

كما شهدت الاجتماعات مشاركة كريستيان سوندرز، المفوض العام بالإنابة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، في ظل الأزمة المالية والسياسية التي تواجه الوكالة. وقبيل الاجتماع الوزاري، شدد نبيل فهمي على أن الوكالة لا بديل عنها في تقديم خدمات التعليم والصحة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، ودعا الدول المانحة إلى سد فجوة التمويل والحفاظ على التفويض الأممي للوكالة.

ليبيا ولبنان ضمن الملفات العاجلة

إلى جانب فلسطين، تبحث الدورة الوزارية تطورات الأوضاع في ليبيا ولبنان، فضلاً عن قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي. وكان فهمي قد استقبل في القاهرة الطاهر الباعور، المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية والتعاون الدولي في ليبيا، حيث تناول اللقاء تطورات الوضع الليبي والجهود المبذولة لدفع المسار السياسي.

وبحسب ما أُعلن عن هذا اللقاء، أكد الأمين العام ثوابت موقف الجامعة العربية من الأزمة الليبية، وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية، ودعم عملية سياسية بملكية وقيادة ليبية تنتهي إلى توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية شاملة. بالنسبة للقارئ المصري، يظل هذا الملف ذا أهمية مباشرة بسبب الارتباط الوثيق بين استقرار ليبيا وأمن الحدود الغربية لمصر، فضلاً عن التأثيرات الاقتصادية والإنسانية المستمرة للأزمة.

لماذا تكتسب هذه الدورة أهمية خاصة؟

تكمن أهمية الدورة الحالية في أنها تأتي في مرحلة انتقالية داخل الجامعة العربية نفسها، بعد تولي نبيل فهمي مسؤولية الأمانة العامة رسميًا مطلع يوليو الماضي. ومن ثم، فإن كلمته الأولى أمام المجلس الوزاري تُقرأ بوصفها مؤشرًا على أولويات المرحلة المقبلة، سواء من حيث أسلوب إدارة الملفات أو من حيث الدفع نحو تطوير أدوات العمل العربي المشترك.

كما أن انتقال رئاسة الدورة إلى تونس يضيف بعدًا تنسيقيًا مهمًا، خاصة مع تأكيد الجانبين على أهمية التشاور وتقريب وجهات النظر بين الدول الأعضاء. وفي السياق ذاته، تبدو القاهرة مرة أخرى مركزًا للحراك العربي الرسمي، بحكم استضافتها مقر الجامعة العربية واستقبالها سلسلة الاجتماعات التمهيدية والوزارية المرتبطة بالدورة.

بين الخطاب السياسي ومتطلبات التنفيذ

الدعوة إلى مشروع عربي شامل تطرح سؤالًا عمليًا مهمًا: كيف يمكن ترجمة هذا الطرح إلى خطوات تنفيذية؟ الخبرة العربية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الاتفاق على التشخيص لا يكفي وحده، بينما يتطلب التحرك الفعال وجود أولويات واضحة، وآليات متابعة، وقدرة على حشد المواقف داخل المؤسسات الدولية.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة كلمة فهمي باعتبارها محاولة لوضع إطار سياسي أوسع يتجاوز التعامل المنفصل مع كل أزمة على حدة. فالتحديات التي أشار إليها، من انتهاكات القانون الدولي إلى استهداف المدنيين وتوسع النزاعات، تتقاطع جميعها مع الحاجة إلى خطاب عربي أكثر تماسكًا، ومواقف أكثر تنسيقًا، وأدوات أكثر قدرة على التأثير.

  • أولًا: تعزيز التشاور السياسي بين العواصم العربية في القضايا الإقليمية الملحة.
  • ثانيًا: دعم التحرك الجماعي في الملفات المرتبطة بالقانون الدولي وحماية المدنيين.
  • ثالثًا: إعطاء أولوية للملفات ذات التأثير المباشر على الأمن العربي، وفي مقدمتها فلسطين وليبيا.
  • رابعًا: الحفاظ على المؤسسات العربية المشتركة وتفعيل أدوارها بصورة عملية.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

المتابع المصري ينظر إلى هذه التحركات من زاويتين: الأولى أن مصر طرف محوري في دعم العمل العربي المشترك تاريخيًا ومؤسسيًا، والثانية أن عدداً من الملفات المطروحة على المجلس ينعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري، خصوصًا ما يتصل بفلسطين وليبيا والاستقرار الإقليمي عمومًا.

كما أن وجود مقر الجامعة العربية في القاهرة يمنح التحركات الجارية بعدًا محليًا واضحًا، ويجعل من العاصمة المصرية منصة أساسية لصياغة الرسائل السياسية العربية في هذه اللحظة المضطربة. وفي هذا الإطار، تأتي كلمة نبيل فهمي لتؤكد أن الرهان في المرحلة المقبلة لن يكون فقط على توصيف الأزمات، بل على بناء مسار عربي قادر على الفعل والتأثير.

خلاصة المشهد

افتتاح الدورة الـ166 لمجلس جامعة الدول العربية في القاهرة حمل أكثر من دلالة سياسية، لكن أبرزها كان تأكيد نبيل فهمي على ضرورة تبني مشروع عربي شامل لمواجهة التحديات المركبة التي تضغط على المنطقة. وبينما تتصدر فلسطين، وغزة، والقدس، وليبيا، ولبنان جدول الأعمال، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الرؤية إلى تحرك عربي منظم يوازن بين ضرورات الموقف السياسي واحتياجات التنفيذ العملي على الأرض.