Akhbar Cairo

نتنياهو في واشنطن: إيران والضفة والجنائية في صدارة الحسابات

زيارة تتجاوز البروتوكول

عندما يتجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن جدول الأعمال لا يُقرأ باعتباره قائمة ملفات منفصلة، بل باعتباره محاولة لإعادة ترتيب أولويات التحالف الأمريكي الإسرائيلي في لحظة إقليمية شديدة السيولة. البيانات الصادرة عن مكتب نتنياهو في 23 يوليو 2026 قدمت الزيارة بوصفها فرصة لاستثمار ما تعتبره تل أبيب وواشنطن تحولا استراتيجيا بعد الضربات المشتركة ضد إيران، مع حديث إسرائيلي متكرر عن توسيع دائرة التطبيع الإقليمي ودفع دول عربية إضافية نحو «اتفاقات أبراهام».

لكن خلف هذا العنوان العريض، تبدو ثلاثة ملفات أكثر سخونة على الطاولة: إيران، والضفة الغربية، والمحكمة الجنائية الدولية. وهذه ليست مجرد قضايا تفاوضية، بل مفاتيح لفهم شكل العلاقة بين نتنياهو وترامب، وحدود التفاهم بينهما، وتأثير ذلك على الإقليم كله، بما في ذلك الأمن القومي العربي والمصالح المصرية في ملفي غزة والاستقرار الإقليمي.

إيران: التفاهم قائم لكن الحسابات ليست متطابقة

الملف الإيراني يظل العنوان الأثقل في أي لقاء بين الجانبين. نتنياهو كرر خلال جلسات بالكنيست في 2026 موقفا متشددا يقوم على منع إيران من استعادة قدراتها في التخصيب أو إعادة بناء برنامجها الصاروخي، مع الإصرار على ألا يكون أي اتفاق دولي ملزما لإسرائيل إذا رأت أنه يهدد أمنها. هذا الخطاب ينسجم مع بيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي تحدث عن «العمل العسكري الأمريكي الإسرائيلي المشترك» ضد طهران وعن فرصة سياسية جديدة في الشرق الأوسط.

غير أن التوافق في العنوان لا يعني تطابقا كاملا في الوسائل. تقارير أمريكية حديثة أشارت إلى أن زيارة نتنياهو المقبلة تأتي بينما تحاول إدارة ترامب موازنة الضغط على إيران مع الحفاظ على هامش دبلوماسي يجنّب المنطقة انفجارا أوسع. وهنا تكمن إحدى العقد الأساسية: نتنياهو يريد ترجمة الزخم العسكري إلى قيود دائمة على البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، بينما قد يفضّل ترامب استخدام هذا الزخم كورقة تفاوضية أوسع، تجمع بين الردع والصفقة.

بالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا تنحصر في صراع مباشر بين إسرائيل وإيران، بل في آثاره المتشعبة على الملاحة والطاقة وأسعار الشحن والتأمين وحركة التجارة في المنطقة. أي تصعيد جديد، سواء في الخليج أو عبر الوكلاء الإقليميين، ستكون له كلفة اقتصادية وسياسية تتجاوز أطراف المواجهة المباشرة.

الضفة الغربية: ملف مؤجل ظاهريا وحاضر فعليا

رغم أن إيران تتقدم المشهد، فإن الضفة الغربية تبقى ملفا لا يمكن إبعاده عن أي نقاش أمريكي إسرائيلي جاد. السبب بسيط: ما يجري هناك يرتبط مباشرة بصورة إسرائيل في الغرب، وبقدرة واشنطن على إدارة تحالفها مع حكومة يمينية تواجه انتقادات متزايدة بسبب الاستيطان والتصعيد الميداني وغياب أي أفق سياسي للقضية الفلسطينية.

نتنياهو سبق أن أعلن بوضوح رفضه قيام دولة فلسطينية غرب نهر الأردن، وهو موقف موثق في تصريحات رسمية صادرة عن مكتبه خلال 2025، ولا توجد حتى الآن مؤشرات موثقة على تراجعه عنه. لذلك، فإن أي نقاش مع ترامب حول الضفة لا يُتوقع أن يدور حول «حل نهائي» بقدر ما سيدور حول إدارة الأزمة: مستوى التوسع الاستيطاني، حدود الضغط الأمريكي، وكيفية منع انفجار أمني أكبر قد يربك الحسابات الإسرائيلية والأمريكية معا.

ومن زاوية تحليلية، قد يسعى ترامب إلى إبقاء هذا الملف تحت السيطرة لا حله، خاصة إذا كان تركيزه الأكبر منصبا على صياغة ترتيبات إقليمية أوسع تشمل التطبيع والأمن وممرات الطاقة. أما نتنياهو، فسيحاول على الأرجح انتزاع أكبر مساحة ممكنة من الحرية السياسية والعسكرية في الضفة، مستفيدا من تقارب شخصي وسياسي مع الرئيس الأمريكي.

لماذا يهم هذا الملف مصر؟

  • لأن أي انفجار في الضفة ينعكس سريعا على ملف غزة وعلى جهود التهدئة الإقليمية.
  • لأن تراجع أفق التسوية يزيد الضغوط على كل الوسطاء الإقليميين.
  • لأن استقرار الأراضي الفلسطينية يرتبط مباشرة بحسابات الأمن في شرق المتوسط والبحر الأحمر.

المحكمة الجنائية الدولية: عبء قانوني يتحول إلى ورقة سياسية

الملف الثالث لا يقل حساسية: المحكمة الجنائية الدولية. فالمحكمة أصدرت في 21 نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف جالانت، في خطوة أحدثت صدمة سياسية وقانونية واسعة. وفي 6 فبراير 2025، وقّع ترامب أمرا تنفيذيا بفرض عقوبات على المحكمة، واعتبر أن إجراءاتها ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وبينهم إسرائيل، «غير مشروعة».

من هنا، لا تبدو زيارة واشنطن بالنسبة إلى نتنياهو مجرد تحرك دبلوماسي، بل أيضا رسالة سياسية مفادها أن الملاحقة القضائية الدولية لم تعزله عن أقوى حليف لإسرائيل. وقد زاد هذا المعنى وضوحا بعد أن تناولت تقارير أمريكية تصريحات داخل الولايات المتحدة بشأن كيفية التعامل مع مذكرة التوقيف إذا زار نتنياهو أراضيها. وبذلك يتحول الملف القانوني إلى اختبار مباشر لموقع إسرائيل داخل النظام الدولي، ولقدرة واشنطن على حماية حلفائها حتى عندما يواجهون ضغوطا قضائية وأخلاقية متنامية.

في المقابل، فإن هذا الدعم الأمريكي لا يلغي أثر المحكمة على صورة إسرائيل عالميا، ولا يبدد القلق من أن يتحول الملف إلى عنصر ضغط دائم في علاقات تل أبيب مع عواصم غربية أخرى، خصوصا في أوروبا. وهذه نقطة يدركها نتنياهو جيدا، ولذلك يحرص على أن يظهر من واشنطن بمظهر الزعيم القادر على كسر العزلة لا التعايش معها فقط.

هل ينجح اللقاء في إنتاج تفاهمات جديدة؟

المؤشرات المتاحة حتى الآن توحي بأن لقاء نتنياهو وترامب سيحمل طابعا استراتيجيا أكثر منه تنفيذيا. بمعنى آخر، قد يخرج بتأكيدات كبرى حول إيران، وبتفاهمات عامة بشأن التنسيق السياسي والأمني، وربما بإشارات إلى توسيع التطبيع، لكن من دون ضمان أن تتحول هذه العناوين سريعا إلى وقائع مستقرة على الأرض.

السبب أن الملفات الثلاثة مترابطة بشكل معقد. الضغط على إيران يؤثر في حسابات الخليج ولبنان والعراق. التشدد في الضفة يضغط على أي مسار إقليمي تحاول واشنطن تسويقه. والدعم الأمريكي لنتنياهو في مواجهة المحكمة الجنائية قد يعمق الانقسام الدولي حول الحرب والقانون والشرعية. لذلك فإن الحديث عن «صفقة شاملة» قد يكون سابقا لأوانه، بينما الأرجح هو إدارة تناقضات متراكمة تحت سقف تحالف قوي لكنه ليس خاليا من التباينات.

خلاصة المشهد

في الظاهر، يبدو نتنياهو ذاهبا إلى واشنطن من موقع الشريك القوي. لكن القراءة الأعمق تقول إنه يذهب أيضا حاملا عبئا سياسيا وقانونيا وأمنيا ثقيلا. فهو يريد من ترامب ثلاث رسائل دفعة واحدة: تشدد مستمر ضد إيران، هامش أوسع في الضفة الغربية، وغطاء سياسي كامل في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية. أما ترامب، فيسعى على الأرجح إلى استثمار العلاقة الشخصية والسياسية مع نتنياهو لإعادة صياغة نفوذ أمريكي أكثر حضورا في الشرق الأوسط، ولكن وفق أولويات أمريكية أولا.

من هنا، فإن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في البنود المعلنة، بل في ما سيكشفه عن ميزان القوة الحقيقي بين الرجلين، وعن الاتجاه الذي قد تسلكه المنطقة خلال الأشهر المقبلة: نحو مزيد من الردع المحسوب، أم نحو جولة جديدة من التوتر المفتوح.