Akhbar Cairo

نتنياهو يحشد الناخبين في يوم الاقتراع بهجوم على اليسار

نتنياهو يصوّت ويعيد رفع سقف الاستقطاب

أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصوته في الانتخابات البرلمانية برفقة زوجته سارة، داعيًا الإسرائيليين إلى التوجه لصناديق الاقتراع باعتبار أن التصويت، وفق خطابه، يتعلق بمستقبل الدولة واتجاهها السياسي في المرحلة المقبلة. وجاء ظهوره في يوم الاقتراع ضمن حملة تعبئة مكثفة يقودها حزب الليكود لحشد مؤيديه في الساعات الحاسمة، بينما صعّد نتنياهو هجومه على معسكر اليسار والأحزاب العربية في الداخل الفلسطيني، في مشهد يلخص طبيعة الاستقطاب الذي يطبع الانتخابات الإسرائيلية.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط بالتنافس الداخلي في إسرائيل، بل أيضًا بما يمكن أن يترتب عليه إقليميًا، سواء في ملف الحرب والسياسة الأمنية أو في مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، وهي ملفات تظل ذات تأثير مباشر على محيط مصر الإقليمي وعلى معادلات شرق المتوسط والحدود الجنوبية لفلسطين المحتلة.

يوم اقتراع في نظام سياسي شديد التعقيد

تجري الانتخابات الإسرائيلية لاختيار أعضاء الكنيست، وهو البرلمان الذي يتكوّن من 120 مقعدًا. ويقوم النظام على التمثيل النسبي على مستوى الدولة كلها كدائرة انتخابية واحدة، فيما تحتاج الأحزاب إلى تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة لدخول البرلمان. وبعد إعلان النتائج، تبدأ مفاوضات شاقة لتشكيل ائتلاف حكومي قادر على حصد دعم 61 نائبًا على الأقل.

هذا التعقيد يجعل من يوم التصويت مجرد بداية لمعركة سياسية أطول، لأن الناخبين لا ينتخبون رئيس الوزراء مباشرة، بل يصوتون لقوائم حزبية، ثم تُبنى التحالفات لاحقًا داخل الكنيست. ومن هنا، فإن أي دعوة يطلقها نتنياهو لرفع نسبة المشاركة بين أنصاره تُقرأ باعتبارها محاولة لتعزيز موقع معسكره في مفاوضات ما بعد الفرز، وليس فقط لتحسين صورة الليكود في صناديق الاقتراع.

نتنياهو في قلب المعركة

يظل بنيامين نتنياهو، الشخصية الأكثر حضورًا في السياسة الإسرائيلية خلال العقود الأخيرة، محور الانتخابات نفسها، إذ تتحول كل جولة تقريبًا إلى استفتاء سياسي عليه: هل ينجح في البقاء أم تتشكل جبهة كافية لإبعاده؟ وفي هذا السياق، جاء تصويته برفقة زوجته سارة كرسالة تعبئة لأنصاره، مع إعادة استخدام خطاب التخويف من خصومه التقليديين، وعلى رأسهم اليسار والأحزاب العربية. وتُظهر تغطيات يوم الاقتراع أن نتنياهو حرص على مخاطبة القاعدة اليمينية مباشرة، مع التركيز على أن الحسم يتوقف على الإقبال الكثيف للمؤيدين.

ورغم أن الصياغات والخطاب يختلفان من جولة انتخابية إلى أخرى، فإن الثابت في استراتيجية نتنياهو هو تقديم المعركة باعتبارها مواجهة بين معسكر قومي-يميني من جهة، وخصوم يتهمهم بالتفريط أو الضعف من جهة أخرى. وهذا النهج ساعده مرارًا في شد العصب الانتخابي، لكنه في الوقت نفسه عمّق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة تجاه المواطنين العرب داخل إسرائيل وتمثيلهم الحزبي والسياسي.

لماذا يهاجم اليسار والأحزاب العربية؟

الهجوم على اليسار والأحزاب العربية ليس تفصيلًا دعائيًا عابرًا، بل جزء من بنية الخطاب الانتخابي لليمين الإسرائيلي. فنتنياهو وأنصاره يدركون أن رفع منسوب الاستقطاب قد يدفع المترددين في معسكره إلى الاقتراع بدافع الخوف من خسارة الحكم. وفي المقابل، ترى قوى معارضة إسرائيلية أن هذا الأسلوب يهدف إلى نزع الشرعية السياسية عن خصومه، خصوصًا الأحزاب العربية التي تمثل شريحة من فلسطينيي الداخل، والذين يشكلون وزنًا انتخابيًا مؤثرًا في بعض الدوائر الحزبية والتحالفات.

وتبرز حساسية هذا الخطاب بشكل خاص لأن الأحزاب العربية داخل إسرائيل لا تتحرك فقط في إطار المنافسة الحزبية المعتادة، بل تحمل أيضًا بُعدًا مرتبطًا بحقوق المواطنين العرب، والتمثيل السياسي، والموقف من الاحتلال والحرب. لذلك فإن استدعاءها في خطاب التعبئة الانتخابية يظل مؤشرًا على عمق التوتر البنيوي داخل المشهد الإسرائيلي.

ما الذي يراقبه المتابع المصري والعربي؟

من زاوية عربية وأفريقية أوسع، لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية مجرد شأن داخلي. فشكل الحكومة المقبلة ينعكس على ملفات إقليمية عديدة، من بينها مسار الحرب، وحدود التصعيد في المنطقة، وسياسات الاستيطان، والتعامل مع السلطة الفلسطينية، وكذلك طبيعة الانفتاح أو الانغلاق أمام أي تحركات دبلوماسية إقليمية. وفي القاهرة، يراقب المتابعون عادة اتجاهات الحكم في إسرائيل من منظور الأمن الإقليمي وتداعياته على القضية الفلسطينية، لا سيما أن أي تحولات في الائتلاف الحاكم قد تؤثر على لهجة الخطاب السياسي وعلى هامش الحركة التفاوضية.

كما أن موقع الأحزاب الدينية والقومية المتشددة داخل أي ائتلاف جديد يبقى عنصرًا مهمًا في تقدير المسار المقبل. فالنظام الحزبي الإسرائيلي شديد التفتت، ما يمنح الأحزاب الصغيرة، إذا تجاوزت نسبة الحسم، قدرة كبيرة على ابتزاز الشركاء الكبار خلال مفاوضات تشكيل الحكومة. ولهذا فإن رفع نسبة التصويت داخل كل معسكر يمكن أن يبدل خريطة المقاعد بصورة مؤثرة حتى لو بدا الفارق محدودًا في عدد الأصوات.

سيناريوهات ما بعد التصويت

بعد إغلاق صناديق الاقتراع تبدأ مرحلة لا تقل أهمية عن يوم التصويت نفسه: فرز الأصوات، ثم حساب توزيع المقاعد، ثم مشاورات التكليف والتفاوض الائتلافي. وفي إسرائيل، كثيرًا ما تؤدي الفوارق الصغيرة بين الكتل إلى مشهد سياسي معقد، قد يطيل أمد المساومات أو يفتح الباب أمام أزمة حكم جديدة إذا تعذر الوصول إلى أغلبية مستقرة. لهذا السبب، فإن دعوة نتنياهو إلى التصويت ليست مجرد شعار تعبوي، بل جزء من محاولة استباقية لتفادي أي تراجع قد يضعف موقعه في لعبة التحالفات.

  • إذا حصل معسكره على 61 مقعدًا أو أكثر: يصبح تشكيل الحكومة أكثر سهولة نسبيًا.
  • إذا تقاربت الكتل دون أغلبية واضحة: تبدأ مساومات معقدة بين الأحزاب الوسطية والدينية والقومية.
  • إذا عجز الجميع عن تشكيل ائتلاف: قد تدخل إسرائيل في دورة جمود سياسي جديدة.

خلاصة المشهد

ظهور نتنياهو أثناء الإدلاء بصوته برفقة سارة، مع دعوة الناخبين إلى المشاركة وهجومه المتجدد على اليسار والأحزاب العربية، يعكس طبيعة الانتخابات الإسرائيلية بوصفها معركة هوية وسلطة في آن واحد. فهي ليست منافسة على المقاعد فقط، بل صراع على شكل الدولة، وتحالفاتها الداخلية، وموقع التيارات العربية والليبرالية فيها. وبالنسبة للمتابع المصري، فإن متابعة هذه الانتخابات تظل ضرورية لأنها تمس بصورة مباشرة إحدى أكثر القضايا اتصالًا بالأمن الإقليمي العربي: اتجاهات الحكم في إسرائيل وانعكاساتها على المنطقة بأسرها.