نتنياهو يصعّد بشأن الضفة ويهاجم السلطة الفلسطينية
تصعيد إسرائيلي جديد يضع الضفة الغربية في قلب المشهد
أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الواجهة خطابًا أمنيًا متشددًا بشأن الضفة الغربية، بعدما قال في 13 أكتوبر 2026 إن إسرائيل تستعد لاحتمال أن تتحول أسلحة أجهزة السلطة الفلسطينية ضدها في الضفة، قبل أن يكرر تمسكه بفرض سيطرة عسكرية كاملة في المنطقة الممتدة من نهر الأردن إلى البحر. وتأتي هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، وفي ظل تصاعد الجدل داخل إسرائيل حول مستقبل الضفة، وحدود دور السلطة الفلسطينية، وإمكانية الانتقال من إدارة الاحتلال إلى تكريس واقع أقرب إلى الضم الدائم.
وبالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو هذه التصريحات مجرد سجال انتخابي داخلي في إسرائيل، بل تطورًا يمس مباشرة ملف الأمن الإقليمي، ومستقبل القضية الفلسطينية، وفرص العودة إلى مسار سياسي جاد في الأراضي المحتلة. فالضفة الغربية تمثل مع غزة والقدس الشرقية جوهر أي تسوية مستقبلية، وأي حديث عن سيطرة إسرائيلية شاملة من النهر إلى البحر يعني عمليًا تقويض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة التي تتمسك بها القاهرة في مواقفها الرسمية.
ماذا قال نتنياهو بالضبط؟
جوهر الرسالة التي طرحها نتنياهو يتمثل في أمرين: الأول، التحذير من سيناريو تعتبره حكومته أمنيًا، وهو أن تستخدم أجهزة أمن السلطة الفلسطينية أسلحتها ضد إسرائيل في الضفة الغربية؛ والثاني، التأكيد على رفض التخلي عن الهيمنة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على الأرض الفلسطينية الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط. هذا الطرح ليس جديدًا بالكامل في خطاب نتنياهو، إذ سبق له في يناير 2026 أن شدد على أن إسرائيل ستفرض سيطرة أمنية كاملة على هذه المساحة، بما يشمل غزة أيضًا.
لكن الجديد هنا هو الربط المباشر بين هذا السيناريو وبين أجواء ما قبل الانتخابات الإسرائيلية. ذلك الربط يمنح التصريحات بعدًا سياسيًا داخليًا، خصوصًا مع تنافس أحزاب اليمين واليمين المتطرف على اجتذاب الناخبين عبر خطاب أمني أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين، ومع وجود شخصيات نافذة في الحكومة تدعو علنًا إلى توسيع الاستيطان وإعادة تشكيل منظومة السيطرة الإسرائيلية في الضفة.
الضفة الغربية بين الأمن والسياسة الانتخابية
الانتخابات الإسرائيلية المنتظرة في 27 أكتوبر 2026 تلقي بظلالها بوضوح على اللهجة الرسمية في تل أبيب. تقارير وتحليلات منشورة خلال الأشهر الأخيرة أشارت إلى أن حكومة نتنياهو تستخدم ملف الضفة الغربية كأحد العناوين المركزية في معركتها السياسية، سواء عبر التلويح بتوسيع العمليات العسكرية، أو من خلال الحديث عن إعادة تنظيم الصلاحيات المدنية والأمنية في المناطق المحتلة، بما يعمق السيطرة الإسرائيلية ويُضعف ما تبقى من هامش عمل للسلطة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، برزت أيضًا مواقف من داخل المؤسسة الإسرائيلية تتحدث عن خطط لحرب واسعة ضد السلطة الفلسطينية إذا ما وقع ما يسمى في الخطاب الإسرائيلي بـ"انقلاب البنادق". ورغم أن الحكومة الإسرائيلية تبرر ذلك باعتبارات أمنية، فإن القراءة الأوسع تشير إلى أن هذا الخطاب يخدم كذلك أجندة داخلية، عنوانها تثبيت صورة الحكومة باعتبارها الأكثر تشددًا وقدرة على فرض الوقائع ميدانيًا.
وقائع ميدانية تعمّق التوتر في الضفة
هذه التصريحات لا تصدر في فراغ. فالضفة الغربية تعيش منذ أشهر طويلة حالة من التصعيد الميداني المتواصل. ووفق بيانات أممية، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية وقيود الحركة والهدم وعنف المستوطنين إلى موجات نزوح متزايدة وتعطيل واسع للحياة اليومية للفلسطينيين. كما أفادت معطيات أممية بأن أكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني نزحوا منذ يناير 2025 من مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين والمناطق المحيطة بها، في مؤشر على اتساع الكلفة الإنسانية في شمال الضفة.
هذا الواقع الميداني يجعل من خطاب نتنياهو أكثر خطورة، لأن الحديث عن سيطرة عسكرية كاملة لا يعني فقط ترتيبات أمنية، بل يرتبط على الأرض بتشديد القيود على الحركة، وتوسيع نطاق الاقتحامات، واستمرار هدم المنازل والمنشآت، وخلق بيئة أكثر هشاشة للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها. كما أن استمرار النشاط الاستيطاني يضيف عنصرًا آخر للتفجير، في وقت يتزايد فيه تحذير المجتمع الدولي من الإجراءات الأحادية التي تغيّر الواقع القانوني والجغرافي للأرض المحتلة.
أين تقف السلطة الفلسطينية الآن؟
تواجه السلطة الفلسطينية وضعًا شديد التعقيد. فمن جهة، تتعرض لضغوط إسرائيلية متواصلة في الضفة الغربية، ومن جهة أخرى تواجه أزمة ثقة داخلية مزمنة. وفي 10 أكتوبر 2026 أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا يحدد 11 سبتمبر 2027 موعدًا متزامنًا للانتخابات الرئاسية والتشريعية، مع إلغاء الموعد السابق للانتخابات التشريعية الذي كان مقررًا في 28 نوفمبر 2026. وجاء القرار، بحسب ما أعلن رسميًا، بعد مشاورات فلسطينية واعتبار أن الظروف السياسية والأمنية والميدانية لا تسمح بإجراء انتخابات حرة وشاملة في الموعد السابق.
تأجيل الانتخابات الفلسطينية يوضح حجم الاضطراب الذي يحيط بالمشهد في الضفة، كما يفسر جزئيًا لماذا تحاول الحكومة الإسرائيلية تقديم السلطة بوصفها كيانًا هشًا أو غير قادر على ضبط الوضع. غير أن تحويل هذا التوصيف إلى ذريعة لتوسيع السيطرة العسكرية الإسرائيلية يفتح الباب أمام مزيد من تقويض المؤسسات الفلسطينية بدلًا من دعم الاستقرار.
موقف مصر: رفض واضح للضم وتغيير الواقع
بالنسبة لمصر، يظل الموقف الرسمي ثابتًا في رفض الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى فرض سيادة غير قانونية على الضفة الغربية المحتلة أو توسيع الاستيطان أو تهجير الفلسطينيين. وشاركت القاهرة في بيانات مشتركة خلال 2026 أدانت القرارات والإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف فرض واقع قانوني وإداري جديد في الضفة وتسريع محاولات الضم غير المشروع. هذا الموقف يتسق مع السياسة المصرية المعلنة الداعمة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن زاوية مصرية وإفريقية أوسع، فإن أي انفجار جديد في الضفة الغربية لا يبقى محصورًا داخل حدود فلسطين المحتلة، بل يمتد أثره إلى مجمل الإقليم، ويضغط على مسارات التهدئة، ويؤثر في بيئة الأمن والاستقرار شرق المتوسط. كما أن استدامة التوتر في الأراضي الفلسطينية تبقى من القضايا المركزية التي تتابعها العواصم الإفريقية والعربية باعتبارها مرتبطة بالأمن الجماعي وبقواعد القانون الدولي.
البعد القانوني والدولي
التصعيد اللفظي الإسرائيلي يأتي أيضًا على خلفية قانونية دولية شديدة الحساسية. ففي 19 يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا اعتبرت فيه أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن الاحتلال لا يمنح القوة القائمة بالاحتلال سيادة على الأرض. كما شددت المحكمة على أن طبيعة الاحتلال مؤقتة ولا يمكن تحويلها إلى وضع دائم أو إلى ممارسة سيادة فعلية عبر السياسات والإجراءات الميدانية.
ومن هنا، فإن حديث نتنياهو عن سيطرة عسكرية كاملة من النهر إلى البحر يُقرأ دوليًا بوصفه إشارة سياسية تتعارض مع مبدأ حل الدولتين ومع الأسس القانونية التي تؤكد عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة. وحتى إن قدمت الحكومة الإسرائيلية الأمر باعتباره ضرورة أمنية، فإن أثره السياسي والقانوني يتجاوز بكثير لغة الأمن التقليدية.
ما الذي يمكن توقعه في المرحلة المقبلة؟
المرجح أن تبقى الضفة الغربية في صدارة الخطاب الإسرائيلي حتى موعد انتخابات 27 أكتوبر 2026، خصوصًا إذا واصلت الأحزاب اليمينية توظيف الملف أمنيًا وانتخابيًا. وفي المقابل، ستتزايد الضغوط على السلطة الفلسطينية، سواء على مستوى الأداء الداخلي أو على مستوى قدرتها على الصمود أمام الإجراءات الإسرائيلية.
- أولًا: احتمال اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية في بعض مدن ومخيمات شمال الضفة.
- ثانيًا: استمرار محاولات تقليص دور السلطة الفلسطينية ميدانيًا وإداريًا.
- ثالثًا: ارتفاع وتيرة التحذيرات العربية والدولية من خطوات الضم وتوسيع الاستيطان.
- رابعًا: بقاء الملف الفلسطيني عنصرًا ضاغطًا على الأمن الإقليمي، وهو ما يجعل الموقف المصري الرافض لتصفية القضية أكثر أهمية في هذه المرحلة.
في المحصلة، لا يمكن فصل تصريحات نتنياهو الأخيرة عن السياق الأوسع: انتخابات إسرائيلية وشيكة، وضفة غربية مثقلة بالاقتحامات والنزوح والاستيطان، وسلطة فلسطينية تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية، ومحيط عربي يتابع بقلق محاولات إعادة رسم الخريطة السياسية والأمنية للأرض المحتلة. لذلك، فإن ما قيل في 13 أكتوبر 2026 ليس مجرد تصريح عابر، بل إشارة إضافية إلى أن الصراع يتجه نحو مرحلة أشد تعقيدًا، عنوانها الصريح هو تكريس السيطرة ودفن أي أفق سياسي حقيقي.