نتنياهو يلوّح بسحب الجنسية بعد أزمة فيلم «نازا»
تصعيد سياسي إسرائيلي بعد عرض «نازا»
دخل الجدل حول الفيلم الوثائقي «نازا» مرحلة أكثر سخونة داخل إسرائيل، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه يعتزم الدفع بمشروعات قوانين تتيح سحب الجنسية من أي إسرائيلي يتهمه بـ«التشهير» بجنود الجيش في الخارج، إلى جانب رفع قيمة التعويضات الممكن المطالبة بها مدنيًا ضد من يُدان في مثل هذه القضايا. هذا التطور نقل الأزمة من كونها خلافًا حول عمل سينمائي إلى مواجهة سياسية وقانونية مفتوحة تتعلق بحدود حرية التعبير وطبيعة التعامل الرسمي مع الانتقادات الموجهة للحرب على غزة.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن نتنياهو ذكر بالاسم شخصيات وصنّاع الفيلم ضمن الفئة التي يرى أنها تسيء إلى صورة الجيش، في مؤشر واضح إلى أن رد الفعل الحكومي لم يعد مقتصرًا على الإدانات الإعلامية، بل يتجه إلى مسار تشريعي أكثر تشددًا. وجاء هذا الموقف بعد أيام من تصاعد حملة رسمية وإعلامية ضد العمل وصنّاعه.
ما هو فيلم «نازا» ولماذا أثار كل هذا الغضب؟
الفيلم، الذي أخرجه يوفال أبراهام وراشيل تسور، عُرض ضمن الدورة 83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، التي أُقيمت بين 2 و12 سبتمبر 2026. ووفق الصفحة الرسمية للمهرجان، تبلغ مدة الفيلم 80 دقيقة، وهو إنتاج بريطاني باللغة العبرية والإنجليزية، ويركز على ما يصفه صانعوه بمنظومات الاستهداف والقتل الجماعي المحسوب بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة. كما تؤكد المادة التعريفية الرسمية أن العمل بُني على تحقيقات وشهادات مرتبطة بآليات الاستهداف والمراقبة خلال الحرب.
الأهمية الأكبر للفيلم أنه لا يقدم رواية خارجية فقط، بل يستند إلى شهادات من داخل المنظومة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، وهو ما جعل صداه داخل إسرائيل مختلفًا عن كثير من الأعمال السابقة. تقارير عدة أشارت إلى أن الفيلم يتضمن شهادات 24 جنديًا وضابطًا في الجيش وأجهزة الاستخبارات، وهو ما فاقم حساسية رد الفعل الرسمي عليه، خصوصًا مع تزامن عرضه مع استمرار الحرب وتزايد الضغوط الدولية المرتبطة بملف غزة.
جائزة فينيسيا زادت الضجة
لم تتوقف القصة عند العرض الأول. فقد أعلن مهرجان فينيسيا رسميًا، يوم 12 سبتمبر 2026، منح «نازا» جائزة لجنة التحكيم الخاصة ضمن المسابقة الرسمية، وهو ما رفع منسوب الاهتمام الدولي بالفيلم بصورة كبيرة. وبالنسبة للسلطات الإسرائيلية، بدا أن فوز الفيلم في واحد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم منح روايته مساحة أوسع للتأثير، وهو ما يفسر حدة التصريحات التي خرجت لاحقًا من مسؤولين إسرائيليين، بينهم وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار.
في السياق نفسه، تحوّل اسمَي المخرجين إلى محور سجال سياسي وإعلامي. وبرز اسم يوفال أبراهام خصوصًا باعتباره أحد الوجوه المعروفة في الصحافة الاستقصائية وصناعة الوثائقيات، بينما ظهرت راشيل تسور شريكًا أساسيًا في إخراج العمل الذي بات في قلب عاصفة سياسية تتجاوز حدود السينما.
ماذا قال نتنياهو تحديدًا؟
في أحدث مواقفه، قال نتنياهو إنه سيدفع بمشروعين: الأول يفتح الباب أمام إلغاء الجنسية في حالات يعتبرها تشهيرًا بالجيش أو الدولة خارج البلاد، والثاني يرفع حجم المبالغ التي يمكن المطالبة بها عبر الدعاوى القضائية ضد من تثبت إدانتهم. اللافت أن حديثه لم يأتِ في إطار نقاش نظري، بل في سياق مباشر مرتبط بالأزمة التي أثارها «نازا» وما ترتب عليها من انتقادات دولية ومحلية.
هذا الطرح يثير تساؤلات قانونية داخل إسرائيل نفسها، لأن سحب الجنسية من المواطنين يُعد من أكثر الإجراءات حساسية وتعقيدًا، ويرتبط عادة بحالات استثنائية منصوص عليها في القانون. لذلك ينظر كثيرون إلى تهديد نتنياهو باعتباره جزءًا من تصعيد سياسي يهدف إلى الردع والضغط، حتى قبل اتضاح فرص تمرير مثل هذه القوانين داخل المؤسسات التشريعية والقضائية.
من السينما إلى معركة حرية التعبير
القضية لم تعد تخص الفيلم وحده. فمع انتقال الخطاب الرسمي من الهجوم الأخلاقي والسياسي إلى التلويح بالعقوبات القانونية، أصبحت المسألة مرتبطة بمفهوم حرية التعبير في إسرائيل، وبحدود النقد المسموح به عندما يتعلق الأمر بالمؤسسة العسكرية. بعض الأصوات الإسرائيلية حذرت بالفعل من أن الرد العنيف على الفيلم قد يحقق نتيجة عكسية، لأنه يدفع الاهتمام العالمي نحو اتهامات قمع الأصوات الناقدة بدلًا من تقليص تأثير العمل.
ومن زاوية أوسع، يكشف هذا السجال حجم التوتر داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن طريقة إدارة الحرب على غزة وصورتها الخارجية. فحين يصل الخلاف إلى حد التهديد بسحب الجنسية عن مواطنين بسبب فيلم وثائقي، فهذا يعني أن المعركة لم تعد فقط حول الوقائع الميدانية، بل أيضًا حول السردية التي ستبقى في الذاكرة العامة، محليًا ودوليًا.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
بالنسبة للقارئ في مصر، لا تبدو هذه القضية مجرد شأن ثقافي داخلي في إسرائيل. ما يحدث يعكس بوضوح حجم الارتباك السياسي والإعلامي الذي تسببه أي مادة موثقة تتناول الحرب على غزة من داخل إسرائيل نفسها. كما أن تداخل السياسة مع الفن والحقوق القانونية يقدم مؤشرًا مهمًا على طبيعة المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار النقاش الدولي حول المساءلة والجرائم المرتبطة بالحرب.
ومن الناحية الإعلامية، فإن الضجة حول فيلم نازا توضح كيف يمكن لوثائقي واحد أن يتحول إلى قضية دولة، عندما يلامس ملفات شديدة الحساسية مثل دور التكنولوجيا في الاستهداف العسكري، وشهادات الجنود، والصورة الدولية للجيش الإسرائيلي. لذلك من المرجح أن يبقى هذا الملف حاضرًا في التغطيات السياسية والثقافية خلال الأسابيع المقبلة.
خلاصة المشهد
المؤكد حتى الآن أن نتنياهو صعّد لهجته علنًا وربط بين أزمة «نازا» وبين الحاجة، من وجهة نظره، إلى تشريعات أكثر صرامة ضد من يعتبرهم مسيئين للجيش الإسرائيلي. والمؤكد أيضًا أن الفيلم حقق حضورًا دوليًا كبيرًا بعد فوزه في فينيسيا 2026، وأن الجدل حوله بات أوسع من مجرد تقييم فني. بين التهديد بسحب الجنسية، والهجوم على المخرجين، والجدل القانوني حول حرية التعبير، تبدو إسرائيل أمام أزمة لا تتعلق فقط بصورة فيلم، بل بصورة الدولة نفسها عندما تواجه رواية محرجة تصدر من داخلها.