نتنياهو يواصل التصعيد في جنوب لبنان رغم ضغوط الانسحاب
تصعيد ميداني رغم الضغوط الأمريكية
يتجه المشهد على الحدود اللبنانية الجنوبية إلى مزيد من التعقيد، بعدما واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب رغم تقارير متطابقة تحدثت عن طلب مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسحب القوات الإسرائيلية من لبنان وسوريا. وفي حين تسعى واشنطن إلى تثبيت ترتيبات ميدانية تقلل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، تبدو حكومة نتنياهو متمسكة بالإبقاء على وجود عسكري داخل ما تصفه بمناطق أمنية، وهو ما يضع المنطقة أمام اختبار جديد للاستقرار الهش.
وبحسب تقارير منشورة يوم 14 يوليو 2026، طلب ترامب من نتنياهو سحب القوات الإسرائيلية من الجبهتين اللبنانية والسورية، في خطوة تعكس ضيقًا أمريكيًا من استمرار بؤر التوتر المفتوحة في الإقليم. لكن هذا الطلب جاء في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تنفذ عمليات وتفجيرات مسيطَرًا عليها وغارات وتحركات برية محدودة في جنوب لبنان، وفق ما أوردته تغطيات ميدانية خلال الأيام الأخيرة.
ماذا يجري على الأرض في الجنوب اللبناني؟
المعطيات المتاحة تشير إلى أن إسرائيل لم تُنجز انسحابًا كاملاً من المناطق التي تعهدت بمغادرتها، بل واصلت تثبيت وجودها العسكري في عدد من النقاط الحدودية. وخلال أواخر يونيو وبداية يوليو 2026، ظهرت مؤشرات على تأجيل ما وُصف إسرائيليًا بـ"الانسحاب التجريبي"، مع ربط الخطوة بتحركات مطلوبة ضد حزب الله وبترتيبات أمنية ميدانية مع الجيش اللبناني. كما أظهرت صور وتقارير من الحدود استمرار تحرك الدبابات والآليات الإسرائيلية قرب القرى الجنوبية المدمرة.
وفي 10 يوليو 2026، تحدثت تقارير عن استمرار عمليات إسرائيلية في الجنوب بالتوازي مع بحث لبناني رسمي لترتيبات الانتشار في ما يسمى المناطق التجريبية. كما تكرر تسجيل أعمدة دخان وانفجارات ناتجة عن عمليات تفجير إسرائيلية داخل قرى حدودية، وهو ما يعكس أن الهدوء الكامل لم يتحقق بعد، رغم وجود مسار تفاوضي أمني وسياسي موازٍ.
المناطق التجريبية ولماذا تعطلت؟
أحد الملفات المركزية في الأزمة الحالية هو مشروع "المناطق التجريبية" الذي يقوم على تسليم مناطق محددة في الجنوب إلى الجيش اللبناني بعد التأكد من خلوها من مظاهر التسلح غير الحكومي. وكالة أسوشيتد برس ذكرت في 9 يوليو 2026 أن لبنان وإسرائيل اتفقا على إنشاء منطقتين تجريبيتين تتولى فيهما إسرائيل تسليم السيطرة إلى الجيش اللبناني بعد إزالة أي وجود لحزب الله، لكن مسؤولًا عسكريًا إسرائيليًا قال إن الجيش لا يزال ينتظر تعليمات من القيادة السياسية بشأن موعد الانسحاب. هذا يعني عمليًا أن القرار لم يعد عسكريًا صرفًا، بل بات رهينًا بحسابات الحكومة الإسرائيلية نفسها.
لبنان من جهته حاول دفع هذا المسار إلى الأمام، لكنه اشترط انسحابًا إسرائيليًا واضحًا من المنطقتين التجريبيتين قبل استئناف أي مفاوضات أوسع. كما عقد الجيش اللبناني اجتماعات مع وفد عسكري أمريكي لوضع آلية تنفيذ أول منطقة تجريبية، في مؤشر إلى أن بيروت تريد ترجمة التعهدات إلى وقائع ميدانية وليس الاكتفاء بصياغات سياسية عامة.
موقف نتنياهو: البقاء في "مناطق أمنية"
رئيس الوزراء الإسرائيلي كان قد أعلن بوضوح في 22 يونيو 2026 أن إسرائيل ستبقى في ما سماه "المناطق الأمنية" في لبنان وسوريا وغزة، وهو تصريح يوضح الخلفية السياسية للتباطؤ في أي انسحاب. هذا الموقف ينسجم مع توجه داخل الحكومة الإسرائيلية يرى أن الانسحاب السريع قد يُفسَّر داخليًا كتنازل أمني، خصوصًا في ظل التوتر المتواصل على أكثر من جبهة.
ومن زاوية المتابعة المصرية والإفريقية للأزمة، فإن الإصرار الإسرائيلي على الإبقاء على موطئ قدم عسكري داخل الأراضي اللبنانية يثير مخاوف تتجاوز لبنان وحده، لأن أي انفجار جديد على هذا الخط الحدودي ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن شرق المتوسط، وطرق الملاحة، وحركة الطاقة، وسوق المخاطر السياسية في المنطقة كلها.
بيروت بين الضغط الدبلوماسي وترتيبات الجيش
في المقابل، يحاول لبنان إدارة الملف عبر مسارين متوازيين: الأول دبلوماسي، يقوده الرئيس جوزيف عون من خلال مطالبة الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لإنهاء وجودها العسكري في الجنوب؛ والثاني أمني ميداني، يتمثل في توسيع انتشار الجيش اللبناني والعمل مع الشركاء الدوليين على آليات التنفيذ. وقد أشارت تقارير أواخر يونيو إلى أن عون طالب ترامب بالضغط من أجل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، بينما واصلت الغارات والعمليات الإسرائيلية في الوقت نفسه.
هذا التحرك اللبناني يستند أيضًا إلى المظلة الدولية التي توفرها قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يونيفيل" وإلى المرجعية القانونية لقرار مجلس الأمن 1701. وثائق الأمم المتحدة الصادرة في 2026 أعادت التأكيد على أهمية وجود يونيفيل، وعلى الحاجة إلى ترتيبات خاصة بالانتشار جنوب نهر الليطاني إلى حين التوصل إلى تسوية أكثر استدامة. كما تشير الوثائق إلى أن مستقبل تطبيق القرار 1701 يظل مرتبطًا بمسألة الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات ما بعده.
لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟
بالنسبة للقارئ في مصر، لا يُنظر إلى ما يجري في جنوب لبنان باعتباره أزمة حدودية محلية فقط، بل كجزء من صورة إقليمية أوسع تشمل توازنات الأمن في المشرق، وحسابات واشنطن في المنطقة، واتجاهات التصعيد التي قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي. وكلما طال أمد بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، زادت فرص الاحتكاك مع حزب الله، وارتفعت كلفة ضبط الحدود، وتوسعت دائرة القلق من عودة المواجهة الشاملة.
السيناريوهات الأقرب في الأسابيع المقبلة
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على انسحاب إسرائيلي سريع وشامل. المعطيات الحالية توحي بأن تل أبيب قد تواصل سياسة "التحكم الميداني المحدود"، أي الحفاظ على وجود في نقاط تعتبرها حساسة، مع تنفيذ عمليات متفرقة كلما رأت أن البيئة الأمنية لم تُحسم بعد. وفي المقابل، سيواصل لبنان الضغط سياسيًا وعسكريًا عبر تعزيز دور الجيش والمطالبة بجدول واضح للانسحاب. وهذا الاستنتاج يستند إلى تلازم عاملين: تصريحات نتنياهو المؤيدة للبقاء، وتأكيد المصادر الإسرائيلية نفسها أن قرار الانسحاب النهائي لم يُتخذ بعد.
- أولاً: الضغوط الأمريكية موجودة لكنها لم تتحول بعد إلى إلزام سياسي مباشر.
- ثانيًا: إسرائيل تربط الانسحاب بترتيبات أمنية تريدها على الأرض.
- ثالثًا: لبنان يرفض تحويل التأجيل إلى واقع دائم ويطالب بخطوات ملموسة.
- رابعًا: الأمم المتحدة ما زالت تعتبر وجود يونيفيل والالتزام بالقرار 1701 عنصرين أساسيين لمنع الانفجار.
الخلاصة أن جنوب لبنان لا يزال ساحة مفتوحة على توازن دقيق بين الضغوط الدولية والحسابات العسكرية. فبينما تطالب واشنطن بتخفيف الانتشار الإسرائيلي في لبنان وسوريا، يواصل نتنياهو اختبار حدود هذا الضغط، مستندًا إلى مقاربة أمنية متشددة. أما لبنان، فيسابق الزمن لتحويل أي تفاهمات إلى انسحاب فعلي، قبل أن يترسخ الواقع الميداني الجديد كأمر دائم يصعب تغييره لاحقًا.