Akhbar Cairo

ندوة في القاهرة تقرأ عامين من تحولات موريتانيا

ندوة في القاهرة تفتح ملف التحولات الموريتانية

في وقت تتزايد فيه أهمية غرب أفريقيا في حسابات الأمن والاقتصاد والدبلوماسية العربية، جاءت الندوة التي نظمها المنتدى المصري الموريتاني للصداقة والتعاون التابع لمركز الحوار في القاهرة لتعيد تسليط الضوء على تجربة موريتانيا خلال العامين الأخيرين. الندوة حملت عنوان "موريتانيا.. عامان من الإنجازات"، وافتتحها اللواء أ.ح حمدي لبيب، رئيس مؤسسة الحوار للدراسات والبحوث الإنسانية، في إشارة إلى اهتمام مصري بمتابعة ما تشهده نواكشوط من تحولات داخلية وخارجية، وإلى رغبة في قراءة هذه التحولات من منظور عربي لا يكتفي بالعناوين العامة.

وبالنسبة للقارئ في مصر، لا تبدو هذه المتابعة شأنا بعيدًا. فموريتانيا تمثل حالة جديرة بالتأمل: دولة عربية أفريقية توازن بين متطلبات الاستقرار السياسي، وضغوط الاقتصاد، ورهانات الطاقة، وحساسية الجغرافيا المحيطة بها. ومن هنا تكتسب مثل هذه الندوات قيمة إضافية، لأنها لا تكتفي بسرد الإنجازات، بل تطرح سؤالا أكثر أهمية: هل ما جرى خلال العامين الماضيين يعكس تحولا هيكليا في الدولة الموريتانية، أم مجرد إدارة ناجحة لمرحلة انتقالية صعبة؟

إعادة تثبيت المشهد السياسي بعد انتخابات 2024

أحد أهم المعطيات التي لا يمكن تجاهلها عند تقييم العامين الأخيرين هو إعادة انتخاب الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في اقتراع 29 يونيو 2024. فقد أعلن المجلس الدستوري الموريتاني انتخابه من الشوط الأول، بعد فوزه بالأغلبية المطلقة، بينما أوردت النتائج النهائية المتداولة رسميا أنه حصل على 56.12% من الأصوات، مع مشاركة بلغت نحو 55.6%. كما أدى اليمين الدستورية لمأمورية جديدة مدتها خمس سنوات في 1 أغسطس 2024.

هذه النتيجة منحت السلطة في نواكشوط هامشا أوسع للاستمرار في البرامج التي بدأت قبل الانتخابات، بدل الانشغال بإعادة تعريف الأولويات من الصفر. وبعد أيام من التنصيب، أُعلنت حكومة جديدة في 6 أغسطس 2024 برئاسة المختار ولد أجاي، مع تأكيد رسمي على أولوية ملفات الشباب، والتعليم، والتكوين المهني، والتنمية المحلية.

سياسيا، يمكن القول إن الرسالة الأساسية في موريتانيا خلال هذه الفترة كانت الحفاظ على الاستمرارية مع تحديث أدوات الإدارة. وهذا مهم في منطقة تعاني فيها دول عدة من اهتزازات حادة بين الحكم والشارع أو بين المدني والعسكري. وفي هذا السياق، بدت نواكشوط حريصة على تقديم نفسها كنموذج للاستقرار المؤسسي الهادئ، حتى مع بقاء تحديات التنافس السياسي والاحتجاجات الاعتراضية على نتائج الانتخابات جزءا من المشهد.

اقتصاد يتحسن.. لكن بحذر

الحديث عن "الإنجازات" في موريتانيا لا يمكن عزله عن الأرقام. فوفقا لتقرير صندوق النقد الدولي الصادر في نوفمبر 2024، سجّل الاقتصاد الموريتاني نموا بلغ 6.5% في عام 2023، وهو أداء فاق التقديرات الأولية، مدفوعا بنشاط قوي في القطاعات غير الاستخراجية، خصوصا الخدمات والاتصالات. كما أشار الصندوق إلى أن برنامج الإصلاحات الاقتصادية والحوكمة أظهر نتائج ملموسة، وأن معظم المؤشرات الهيكلية المستهدفة تحققت خلال 2024.

لكن الصورة لم تبق على الوتيرة نفسها في العام التالي. فالبنك الدولي أوضح في تقرير Macro Poverty Outlook الصادر في أبريل 2025 أن نمو موريتانيا تباطأ إلى 5.2% في 2024 مقارنة بـ6.5% في 2023، نتيجة ضعف الاستهلاك العام وتباطؤ إنتاج الذهب وخام الحديد، رغم صمود الاستهلاك الخاص وقوة الصادرات. وفي المقابل، تراجعت الضغوط التضخمية، إذ هبط التضخم إلى 1.5% على أساس سنوي في ديسمبر 2024، ما سمح للبنك المركزي الموريتاني بخفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 50 نقطة أساس إلى 7.25% في أكتوبر 2024، وهي أول خفض منذ 2022. كما أشار التقرير إلى انخفاض طفيف في معدل الفقر وفق خط 3.65 دولار يوميا من 28.6% في 2023 إلى 28.4% في 2024.

هذه الأرقام تفرض قراءة متوازنة: نعم، هناك تحسن في المؤشرات الكلية، لكن الاقتصاد الموريتاني ما زال بحاجة إلى تنويع أعمق يقلل الاعتماد على المواد الأولية والقطاعات الاستخراجية. ومن منظور مصري، يبدو هذا التحدي مألوفا: النمو وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى فرص عمل أوسع، وتماسك اجتماعي أكبر، وخدمات أكثر كفاءة في التعليم والصحة والبنية الأساسية.

الهيدروجين الأخضر: الرهان الاستراتيجي الأبرز

إذا كان هناك عنوان واحد يمكن اعتباره الأكثر دلالة على التحول الاقتصادي في موريتانيا خلال العامين الماضيين، فهو الهيدروجين الأخضر. ففي 2024 تبنت البلاد القانون رقم 2024-037 الخاص بمدونة الهيدروجين الأخضر، وهو إطار تشريعي وتنظيمي شامل يهدف إلى تأطير تطوير هذا القطاع بوصفه ركنا من أركان التحول الطاقوي والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون. وزارة الطاقة والنفط الموريتانية قدمت هذا القانون باعتباره أداة استراتيجية لتنظيم الاستثمار وتحديد القواعد الحاكمة لهذا النشاط الجديد.

كما تناولت الوكالة الموريتانية للأنباء في يوليو 2024 تقديم مشروعي قانونين يتعلقان بالمحتوى المحلي في الصناعات الاستخراجية والطاقة، ومدونة الهيدروجين الأخضر، بما يعكس توجها لربط الاستثمارات الخارجية بمكاسب داخلية أوسع.

تحليليا، هذا الملف يتجاوز كونه مشروع طاقة. فموريتانيا تحاول أن تضع نفسها مبكرا على خريطة سلاسل القيمة الجديدة في الطاقة النظيفة، وهو ما قد يرفع من وزنها التفاوضي إقليميا ودوليا إذا نجحت في تحويل التشريع إلى مشروعات قابلة للتنفيذ. وفي عالم عربي يبحث عن مواقع جديدة في اقتصاد ما بعد الوقود الأحفوري، تبدو التجربة الموريتانية جديرة بالمتابعة من القاهرة كما من العواصم الخليجية.

الإصلاح المؤسسي والعدالة كجزء من الرسالة السياسية

الندوة القاهرية لم تتوقف عند الاقتصاد فقط، بل لامست أيضا البعد المؤسسي والاجتماعي. وهذا يتقاطع مع ما أعلنته الحكومة الموريتانية عن مسار إصلاح العدالة. ففي 13 مارس 2024 صادق مجلس الوزراء على بيان يتعلق بالإجراءات المتخذة لتنفيذ الوثيقة الوطنية لإصلاح وتطوير العدالة، مع التذكير بإنشاء المجلس الأعلى للإصلاح والتنمية واللجنة الفنية للإصلاح خلال 2023. كما شهدت المرحلة اللاحقة متابعة رسمية لهذا المسار ضمن أجندة الحكم والإدارة العامة.

وفي سبتمبر 2024، دُعي البرلمان إلى دورة استثنائية تضمن جدول أعمالها مشروع قانون لإنشاء محكمة متخصصة لمكافحة العبودية والاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين، إلى جانب مشروع قانون مدونة الهيدروجين الأخضر.

هذه الخطوات لا تعني أن الإشكالات حُلّت بالكامل، لكنها تكشف أن الخطاب الرسمي في موريتانيا لم يعد يكتفي بوعود عامة عن التنمية، بل صار يربطها بلغة الحوكمة، والإصلاح القضائي، ومكافحة الفساد، وتطوير الإدارة. والرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي لا يتوافر ما يثبت امتلاكه حساب إنستغرام رسميا موثقا يمكن الاستناد إليه، طرح في أكثر من مناسبة فكرة أن نجاح الإصلاح الاقتصادي يمر عبر إدارة أكثر مهنية وشفافية.

الدبلوماسية الموريتانية: سياسة التوازن لا الضجيج

دبلوماسيا، قد لا تتحرك موريتانيا بصخب، لكنها تتحرك بحسابات دقيقة. فالدولة التي تقع على تماس بين الفضاء العربي والساحل وغرب أفريقيا تعرف أن الإفراط في الاستقطاب مكلف. ومن ثم، سعت خلال الفترة الأخيرة إلى تثبيت صورة الشريك الهادئ القادر على التواصل مع أطراف متعددة، مع الاستفادة من الاستقرار الداخلي النسبي لتعزيز حضورها الخارجي.

ومن زاوية مصرية، فإن هذا التوجه يفتح بابا مهما لفهم لماذا تحظى العلاقات مع نواكشوط باهتمام متنامٍ. فالقاهرة معنية بتوسيع دوائر التعاون العربي الأفريقي، وموريتانيا تظل شريكا مهما في ملفات الأمن الإقليمي، والتنسيق داخل المنظمات الإقليمية، والتعاون الثقافي والتعليمي، فضلا عن فرص الاقتصاد البحري والطاقة والمعادن. لذلك، فإن استضافة ندوة من هذا النوع في القاهرة لا تُقرأ فقط كفعالية ثقافية أو بروتوكولية، بل كإشارة إلى أن موريتانيا باتت تحضر في النقاش المصري باعتبارها حالة سياسية تستحق المتابعة الجادة.

ما الذي تعنيه الندوة فعلا؟

في الجوهر، لم تكن الندوة مجرد احتفاء بإنجازات معلنة، بل محاولة لصياغة سردية أوسع عن موريتانيا الجديدة: دولة تريد تحسين مؤشرات المعيشة، وتثبيت الاستقرار السياسي، وفتح أبواب استثمارية في الطاقة النظيفة، وتقديم نفسها كطرف متزن دبلوماسيا. غير أن التحدي الحقيقي سيظل في قدرة هذه السردية على الصمود أمام اختبار التنفيذ اليومي: هل تنعكس القوانين الجديدة على وظائف واستثمارات؟ هل تتوسع ثمار النمو خارج العاصمة والمراكز الحضرية؟ وهل تستطيع الإصلاحات المؤسسية إنتاج ثقة أعمق بين الدولة والمجتمع؟

هذه الأسئلة هي ما يجعل من متابعة موريتانيا أمرا مهما للقارئ المصري، خصوصا في قسم تحليلات ورأي. فالمسألة ليست مجرد "حصيلة عامين"، بل نموذج عربي أفريقي يحاول إعادة تعريف نفسه وسط إقليم مضطرب واقتصاد عالمي متغير. والنتيجة حتى الآن تقول إن نواكشوط قطعت شوطا لا يمكن إنكاره، لكن الطريق إلى التحول الكامل ما زال مفتوحا على اختبارات أكثر صعوبة من عناوين الندوات.