Akhbar Cairo

نصر علام: أزمة سد النهضة باقية حتى اتفاق ملزم

سد النهضة بين التصريحات والواقع: لماذا لا يزال الملف مفتوحًا؟

تعيد تصريحات الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، التذكير بحقيقة باتت راسخة في النقاش العام المصري: أن أزمة سد النهضة لم تعد مجرد خلاف فني حول منشأة مائية في دولة مجاورة، بل تحولت إلى ملف ممتد يمس الأمن القومي، والغذاء، والتنمية، وقدرة الدولة على حماية حقها التاريخي في مياه النيل.

علام لخص الموقف بعبارة تحمل دلالة سياسية وفنية معًا: لا مجال لطمأنة حقيقية ما لم يوجد اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، ويضمن لمصر حقوقها المائية دون انتقاص. هذا الطرح ينسجم مع الموقف المصري الرسمي الذي ظل يطالب، طوال سنوات التفاوض، باتفاق واضح يضع قواعد قابلة للتنفيذ في أوقات الفيضان والجفاف والجفاف الممتد، بدل ترك الأمور لإرادة أحادية من الجانب الإثيوبي.

الأزمة ليست مياه شرب فقط

النقطة الأهم في حديث وزير الري الأسبق أنه وسّع تعريف الأزمة. فالمشكلة، من وجهة نظره، لا تتعلق بمياه الشرب وحدها، بل تشمل كذلك الزراعة والصناعة، وهما قطاعان يرتبطان مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. في الحالة المصرية، لا يمكن فصل ملف المياه عن الأمن الغذائي، لأن الزراعة تظل المستهلك الأكبر للمياه، كما أنها تمس أسعار السلع، وفرص العمل في الريف، وقدرة الدولة على تقليل فاتورة الاستيراد.

هذا التوصيف يجد ما يدعمه في البيانات الرسمية. فمصر تعتمد على نهر النيل في نحو 98% من مواردها المائية المتجددة، بينما تراجعت حصة الفرد السنوية من المياه إلى نحو 500 متر مكعب فقط، وهو مستوى يقل كثيرًا عن خط الفقر المائي المتعارف عليه دوليًا. كما تؤكد المصادر الرسمية أن الاحتياجات المائية لمصر تتجاوز 80 مليار متر مكعب سنويًا، في وقت تظل فيه الحصة التاريخية من مياه النيل عند 55.5 مليار متر مكعب.

منطق الاتفاق الملزم: لماذا تصر عليه القاهرة؟

في قلب الجدل، تتمسك القاهرة بفكرة أن القضية ليست رفضًا للتنمية في إثيوبيا، ولا اعتراضًا على توليد الكهرباء، بل رفضًا لغياب قواعد مُلزمة تضمن عدم الإضرار بدولتي المصب. هذا الفارق جوهري. فمن دون اتفاق، تصبح إدارة السد خاضعة لقرارات منفردة، وهو ما يزيد من هامش عدم اليقين بالنسبة لمصر والسودان، خصوصًا في سنوات الجفاف أو عند تغير أنماط التشغيل.

هنا تبدو تصريحات علام امتدادًا لمدرسة مصرية واسعة داخل دوائر المياه والدبلوماسية: الأزمة ليست في وجود السد وحده، بل في طريقة تشغيله خارج إطار قانوني متفق عليه. وقد عبّرت مصر رسميًا أكثر من مرة عن رفضها لسياسة فرض الأمر الواقع، كما وجّهت في سبتمبر 2025 خطابًا إلى مجلس الأمن عقب ما وصفته بتطورات مرتبطة بإعلان تشغيل السد، معتبرة أن المسار الإثيوبي تجاهل شواغل دولتي المصب.

الداخل المصري يتحرك: إدارة الندرة بدل انتظار الحل الخارجي

لكن القراءة الواقعية للمشهد تقتضي الاعتراف بأن مصر لا تبني استراتيجيتها على التفاوض فقط. فبالتوازي مع التمسك باتفاق ملزم، تتحرك الدولة داخليًا عبر سياسات لتقليل الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه، وتحديث أنظمة الري، والتحول إلى إدارة أكثر كفاءة للمجاري والمنشآت المائية.

وزارة الموارد المائية والري أعلنت مؤخرًا أن الدولة نفذت 3 مشروعات كبرى لإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بطاقة تصل إلى 4.80 مليار متر مكعب سنويًا. كما تطرح الوزارة ما تسميه الجيل الثاني لمنظومة الري 2.0، وهي مقاربة تقوم على حسن إدارة الموارد التقليدية، واستحداث موارد غير تقليدية، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والتحول الرقمي.

هذه التحركات لا تعني أن الأزمة حُلّت، لكنها تكشف أن الدولة تتعامل مع واقع الندرة باعتباره تحديًا مزمنًا لا يحتمل الانتظار. فحين يهبط نصيب الفرد إلى هذا المستوى، تصبح كل قطرة مياه مسألة سياسة عامة، لا مجرد شأن خدمي أو زراعي. من هنا يمكن فهم إلحاح شخصيات مثل محمد نصر الدين علام على الربط بين ملف السد وبين إدارة الموارد داخل مصر.

الزراعة في مرمى التحدي

في السياق المصري، تظل الزراعة هي الحلقة الأكثر حساسية. فالمساحات الزراعية القديمة في الوادي والدلتا تعتمد على انتظام وصول المياه، بينما ترتبط خطط التوسع الأفقي بمشروعات معالجة وإعادة استخدام ضخمة. وإذا تعرضت منظومة الإمداد لأي اضطراب، فإن التأثير لا يتوقف عند الإنتاج الزراعي فقط، بل يمتد إلى أسعار الغذاء وسوق العمل والهجرة الداخلية من الريف.

لذلك، فإن التحذير من أن أزمة سد النهضة ستبقى قائمة ما لم تُحسم باتفاق، ليس مجرد مبالغة خطابية. إنه تنبيه إلى أن الزراعة المصرية لا تعمل في فراغ، وأن الأمن الغذائي لم يعد منفصلًا عن خرائط التفاوض الإقليمي. وكلما زاد الضغط المائي، ارتفعت كلفة التكيف داخل مصر، سواء عبر البنية التحتية أو إعادة توزيع الاستخدامات بين القطاعات المختلفة.

ما الذي تغيّر في السنوات الأخيرة؟

الجديد خلال العامين الأخيرين أن الخطاب الرسمي والخبير في مصر أصبح أكثر صراحة في وصف الوضع باعتباره فقرًا مائيًا حادًا. لم تعد المسألة تُعرض باعتبارها أزمة مستقبلية، بل واقع قائم بالفعل. كما أن التوسع في إعادة الاستخدام والمعالجة لم يعد خيارًا تنمويًا إضافيًا، بل ضرورة للحفاظ على توازن المنظومة المائية.

وفي الوقت نفسه، لا تزال القضية الإقليمية بلا تسوية نهائية. فالتقديرات السياسية في القاهرة تعتبر أن العودة إلى أي تفاوض جديد يجب أن تقوم على محددات واضحة، أهمها الوصول إلى اتفاق يراعي قواعد القانون الدولي، ويمنع الإضرار الجسيم، ويضمن تبادل البيانات بشأن التشغيل. ولهذا تبدو عبارة “لا استراحة إلا باتفاقية” أقرب إلى توصيف دقيق لمزاج الدولة والمجتمع معًا، لا مجرد رأي فردي لوزير سابق.

خلاصة المشهد

في ميزان التحليل، لا يمكن التعامل مع تصريحات محمد نصر الدين علام باعتبارها تعليقًا عابرًا على ملف قديم. هي تعكس إدراكًا مصريًا متزايدًا بأن سد النهضة سيظل عنصر ضغط دائم ما لم تُنتج الدبلوماسية اتفاقًا واضحًا ومُلزمًا. وحتى يتحقق ذلك، ستواصل مصر إدارة معركة موازية في الداخل: ترشيد، ومعالجة، وإعادة استخدام، وتحديث للمنظومة، في سباق شاق مع الزيادة السكانية وثبات الموارد.

لهذا، فإن السؤال في مصر اليوم لم يعد: هل توجد أزمة مياه؟ بل أصبح: كيف تُدار الأزمة بأقل خسائر ممكنة، وكيف يُحمى حق البلاد في النيل وسط إقليم يزداد تعقيدًا؟ هنا تحديدًا تكتسب تصريحات علام وزنها الحقيقي، لأنها تنقل الملف من دائرة الشعارات إلى جوهره الصلب: لا أمن مائي بلا اتفاق، ولا تنمية مستقرة من دون حماية كل نقطة مياه.