نقابة الأطباء تتحرك لتعديل قانوني ينظم قبول الطب بمصر
تحرك نقابي جديد لضبط منظومة القبول في كليات الطب
تتجه النقابة العامة للأطباء، برئاسة الدكتور أسامة عبد الحي، إلى إعداد تصور تشريعي جديد يستهدف إعادة تنظيم قواعد القبول بكليات الطب التابعة لفروع الجامعات الدولية العاملة في مصر، في خطوة تقول النقابة إنها ضرورية لحماية جودة التعليم الطبي والحفاظ على مستوى تأهيل الأطباء الجدد. ويأتي هذا التحرك في ظل نقاش واسع داخل الأوساط الطبية والتعليمية حول تفاوت شروط الالتحاق بين أنواع الجامعات المختلفة، وما إذا كانت هذه الفجوات تؤثر لاحقًا على كفاءة الخريجين والتدريب السريري داخل المستشفيات.
الملف لم يعد مجرد خلاف حول نسب القبول، بل تحول إلى قضية ترتبط بشكل مباشر بمستقبل المهنة وبمستوى الخدمة الصحية المقدمة للمواطنين. ولهذا تحاول النقابة الدفع نحو تعديل قانوني يضمن أن أي كلية طب تعمل داخل مصر، سواء كانت حكومية أو خاصة أو أهلية أو فرعًا لجامعة دولية، تلتزم بإطار وطني واضح يراعي طبيعة الدراسة الطبية واحتياجات التدريب العملي.
ما الذي تطالب به النقابة؟
وفق ما أعلنته نقابة الأطباء عبر موقعها الرسمي، فإن النقابة تطالب بإلزام كليات الطب التابعة لفروع الجامعات الدولية بالالتزام بالحدود الدنيا المقررة للقبول في كليات الطب الأهلية والخاصة، بدلًا من السماح بقبول طلاب بمجاميع تقل كثيرًا عن المعمول به داخل مصر. وأكدت النقابة أن توحيد المعايير يعد ضرورة للحفاظ على مستوى الخريجين وتحقيق تكافؤ الفرص بين الطلاب. كما شددت على أن دراسة الطب لا يمكن التعامل معها باعتبارها تخصصًا عاديًا، نظرًا لاعتمادها على قدر كبير من التأهيل الأكاديمي والانضباط العلمي والتدريب الإكلينيكي المكثف.
وفي أحدث مناقشات النقابة، نُوقش أيضًا تعديل البند الثالث من المادة الثانية من قانون إنشاء وتنظيم فروع الجامعات الأجنبية داخل مصر رقم 162 لسنة 2018، وهو البند الذي يسمح بتطبيق شروط القبول المعمول بها في الجامعة الأم. وترى النقابة أن هذا النص، بصيغته الحالية، فتح الباب أمام تفاوت كبير في قواعد القبول، بما يستدعي إعادة ضبطه تشريعيًا بحيث يلتزم الحد الأدنى في كليات الطب بالمعايير الوطنية المصرية، مع إمكانية أن تطبق الجامعة الأم شروطًا أعلى لا أقل.
خلفية الجدل: فروق كبيرة في الحدود الدنيا
الجدل تصاعد خلال الأسابيع الأخيرة بعد إعلان الحدود الدنيا للتقدم لكليات الطب في الجامعات الخاصة والأهلية للعام الجامعي 2026/2027. وبحسب ما أعلنه الاجتماع المشترك لمجلسي الجامعات الخاصة والأهلية في 16 أغسطس 2026، بلغ الحد الأدنى للتقدم إلى كليات الطب الخاصة 81%، بينما وصل في عدد من الجامعات الأهلية إلى 85%، مع وجود بعض الاستثناءات المحددة في جامعات أهلية بعينها. في المقابل، أشارت نقابة الأطباء إلى أن بعض فروع الجامعات الدولية قبلت طلابًا بمجاميع أدنى بكثير، وهو ما اعتبرته النقابة خللًا ينبغي معالجته سريعًا.
هذا التفاوت، من وجهة نظر الأطباء، لا يتعلق فقط بعدالة فرص الالتحاق، بل ينعكس على القدرة الفعلية للطالب على التعامل مع مناهج الطب المعقدة التي تتطلب أساسًا علميًا قويًا منذ البداية. كما أن أي توسع غير منضبط في القبول يضغط على قدرات التدريب العملي، خاصة إذا لم تتوافر مستشفيات جامعية وتجهيزات سريرية كافية بعدد يتناسب مع أعداد الطلاب.
أسامة عبد الحي: القضية تمس مكانة الطبيب المصري
الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، كان قد تحدث في أكثر من مناسبة خلال 2026 عن ضرورة مراجعة قواعد القبول في بعض كليات الطب الخاصة والدولية، معتبرًا أن خفض الحدود الدنيا بصورة مبالغ فيها يمثل تهديدًا لجودة التأهيل الطبي. كما ربط بين أعداد المقبولين والطاقة الاستيعابية الفعلية للمستشفيات الجامعية، مؤكدًا أن التدريب العملي ليس عنصرًا تكميليًا، بل هو جوهر دراسة الطب نفسها.
وتنطلق النقابة في طرحها من فكرة أن سمعة الطبيب المصري، التي بُنيت عبر عقود داخل مصر وخارجها، تعتمد على منظومة تعليم وتدريب صارمة. ومن ثم فإن أي تراخٍ في شروط القبول أو في متطلبات البنية التعليمية قد تكون له آثار طويلة المدى، ليس فقط على الخريجين الجدد، بل أيضًا على المؤسسات الصحية وسوق العمل الطبي.
الجامعات الدولية في مصر: توسع مشروع.. لكن بضوابط
مصر توسعت خلال السنوات الأخيرة في استضافة فروع جامعات أجنبية ضمن سياسة تستهدف تحويل البلاد إلى مركز إقليمي للتعليم العالي. ووفق القوائم المحدثة الرسمية لمؤسسات التعليم العالي المعتمدة، تشمل المنظومة فروعًا لجامعات أجنبية تعمل داخل البلاد في إطار قانون 162 لسنة 2018. وتؤكد الدولة باستمرار أن هذا التنوع يهدف إلى رفع التنافسية وتقديم برامج تعليمية حديثة داخل السوق المصرية.
غير أن النقاش الحالي لا يستهدف مبدأ وجود هذه الفروع في حد ذاته، بل يركز على القواعد المنظمة لبرامج الطب تحديدًا، باعتبارها من أكثر التخصصات حساسية وتأثيرًا على الأمن الصحي للمجتمع. لذلك، فإن المقترح التشريعي المنتظر يسعى إلى التوفيق بين الانفتاح على النماذج التعليمية الدولية وبين الحفاظ على الثوابت الوطنية الخاصة بتأهيل الطبيب داخل مصر.
لماذا يختلف الطب عن غيره من التخصصات؟
تؤكد النقابة وخبراء التعليم الطبي أن كليات الطب لا يمكن تقييمها فقط من زاوية القاعات الدراسية أو المقررات النظرية، لأن العنصر الفاصل فيها هو التدريب السريري المباشر. وتشمل منظومة الجودة في هذا المجال عدة عناصر أساسية:
- مستوى أكاديمي مناسب للطالب قبل الالتحاق بالكلية.
- مستشفيات جامعية قادرة على استيعاب التدريب الإكلينيكي.
- أعضاء هيئة تدريس بأعداد كافية وتخصصات متنوعة.
- ربط أعداد المقبولين بالإمكانات التعليمية الفعلية.
- استمرار المتابعة والاعتماد لضمان جودة الخريج النهائي.
ومن هنا، ترى النقابة أن ضبط القبول ليس قرارًا إداريًا عابرًا، بل هو جزء من سلسلة كاملة تبدأ من التنسيق وتنتهي عند الطبيب الذي يقف أمام المريض في المستشفى أو العيادة.
ما المتوقع خلال الفترة المقبلة؟
المؤشرات الحالية تفيد بأن النقابة ستسعى إلى ترجمة ملاحظاتها إلى نص تشريعي واضح يمكن طرحه للنقاش مع الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات والجهات التشريعية. ومن المرجح أن يتركز المقترح على نقطتين أساسيتين: أولًا، إلزام فروع الجامعات الدولية في التخصصات الطبية بحد أدنى لا يقل عن نظيره في الكليات المصرية المناظرة؛ وثانيًا، ربط أعداد المقبولين بالطاقة الحقيقية للتدريب داخل المستشفيات والمنشآت التعليمية.
كما يُنتظر أن يستمر الجدل حول أفضل صيغة تحقق التوازن بين جذب الاستثمارات التعليمية الأجنبية وبين حماية المعايير المهنية داخل واحد من أكثر القطاعات حساسية. لكن المؤكد أن الملف بات في صدارة النقاشات الطبية والتعليمية في مصر، خاصة مع تزايد أعداد الكليات والبرامج الطبية وتنوع أنماط التعليم الجامعي.
رسالة أوسع من مجرد تعديل قانوني
في الجوهر، تعكس خطوة نقابة الأطباء رسالة أوسع تتعلق بمستقبل التعليم الطبي في مصر. فالمسألة لا تتوقف عند نسبة مئوية في التنسيق، بل تمتد إلى سؤال أكبر: كيف تضمن الدولة والنقابات والجامعات تخريج طبيب مؤهل علميًا وعمليًا في بيئة تعليمية تتوسع بسرعة؟
الإجابة التي تدفع بها النقابة تبدو واضحة: التوسع مرحب به، لكن بشرط ألا يأتي على حساب الجودة. ولذلك فإن أي تعديل تشريعي جديد في هذا الملف سيخضع على الأرجح لاهتمام واسع من الجامعات والأطباء وأولياء الأمور، لأنه يرتبط مباشرة بمستقبل آلاف الطلاب وبمعايير واحدة من أهم المهن في المجتمع المصري.