Akhbar Cairo

نقل صلاحيات الضفة يفجر خلافًا داخل إسرائيل ويثير شبح الضم

خطة إسرائيلية تعيد رسم إدارة الضفة

يتصاعد الجدل داخل إسرائيل حول مستقبل إدارة الضفة الغربية المحتلة، بعد خطوة دفع بها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تقضي بإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون داخل المستوطنات من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية. ورغم أن القرار يُقدَّم داخل الخطاب الحكومي الإسرائيلي باعتباره إعادة تنظيم إدارية وأمنية، فإن تداعياته السياسية تبدو أوسع بكثير، لأنه يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية: من يملك سلطة الحكم الفعلي في الأراضي المحتلة، وكيف يمكن أن يتحول ذلك إلى مسار ضم تدريجي على الأرض.

وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية وتقارير دولية خلال أغسطس 2026، طلب كاتس من الجيش الإسرائيلي إعداد خطة خلال أسبوعين لنقل صلاحيات الإنفاذ المدني في الضفة إلى الشرطة، مع طرح موازٍ لنقل الإشراف على قوات حرس الحدود العاملة هناك من الجيش إلى الشرطة أيضًا. هذه الصلاحيات تتعلق بالتعامل مع المستوطنين داخل الضفة، وهو ملف ظل تاريخيًا ضمن هيكل الإدارة العسكرية الإسرائيلية للأرض المحتلة، حتى مع توسع الاستيطان على مدى عقود.

لماذا تُعد الخطوة مفصلية؟

الأهمية هنا لا تتوقف عند البعد الأمني. فالضفة الغربية، وفق القانون الدولي، أرض محتلة، وإدارتها من خلال الجيش كانت دائمًا تعكس – ولو شكليًا – هذا الوضع القانوني. أما نقل الملف إلى الشرطة المدنية الإسرائيلية، التابعة لوزارة الأمن القومي التي يقودها إيتمار بن غفير، فيعني عمليًا تقريب المستوطنات من البنية القانونية والإدارية السارية داخل إسرائيل نفسها، وهو ما يراه كثيرون خطوة أخرى في اتجاه فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية دون إعلان ضم رسمي.

هذا التقدير عززته قراءات فلسطينية ودولية رأت في القرار حلقة جديدة ضمن سياسة أوسع لتغيير الواقع في الضفة. الأمم المتحدة حذرت في الأسابيع الأخيرة من أن عنف المستوطنين بلغ مستويات غير مسبوقة خلال 2026، مع توثيق أكثر من 1430 اعتداء أثرت على نحو 260 تجمعًا فلسطينيًا حتى 10 أغسطس 2026، كما أشارت إلى نزوح نحو 3800 فلسطيني هذا العام، يقارب نصفهم من الأطفال، بسبب عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء.

خلاف داخل المؤسسة الإسرائيلية

اللافت أن الخطوة لم تمر بهدوء داخل إسرائيل نفسها. فالنقاش لا يدور فقط بين الحكومة وخصومها، بل يمتد إلى داخل مؤسسات الدولة، وخصوصًا بين الجيش والشرطة والتيارات اليمينية المشاركة في الائتلاف. الاعتراضات تتعلق من جهة بالصعوبة العملية لتنفيذ النقل، ومن جهة أخرى بتأثيره على سلسلة القيادة في منطقة تشهد احتكاكًا يوميًا عالي التوتر بين المستوطنين والفلسطينيين والجيش.

الجيش الإسرائيلي ينظر تقليديًا إلى الضفة باعتبارها ساحة عمليات عسكرية وأمنية معقدة، حيث تتداخل الجوانب الميدانية مع الاعتبارات الاستخباراتية والسياسية. أما الشرطة، وخصوصًا تحت نفوذ بن غفير، فتُتهم من معارضين داخل إسرائيل بأنها قد تتعامل مع المستوطنات من منطلق سياسي أيديولوجي أكثر من كونه أمنيًا بحتًا. وهنا مكمن القلق: انتقال الصلاحيات قد لا يعني فقط تغيير الجهة الإدارية، بل تغيير فلسفة التعامل نفسها.

بن غفير في قلب المشهد

وجود إيتمار بن غفير في هذه المعادلة يجعل القرار أكثر إثارة للجدل. فالرجل، الذي يشغل منصب وزير الأمن القومي، يعد من أبرز وجوه اليمين المتطرف في إسرائيل، ويرتبط اسمه بمواقف داعمة لتوسيع نفوذ المستوطنين وتشديد القبضة على الفلسطينيين. ولهذا فإن منح الشرطة التابعة لوزارته دورًا أكبر في الضفة يُقرأ على نطاق واسع باعتباره تعزيزًا مباشرًا لمشروع الاستيطان، وليس مجرد تعديل بيروقراطي.

حتى داخل النقاش الإسرائيلي، ظهرت تقديرات تعتبر أن نقل الصلاحيات قد يُستخدم أيضًا لتحويل الانتقادات الموجهة إلى الجيش بشأن العجز عن كبح اعتداءات المستوطنين إلى الشرطة، في وقت تتصاعد فيه الهجمات ضد بلدات وتجمعات فلسطينية في مناطق مختلفة من الضفة، من شمالها إلى الأغوار وجنوب الخليل.

الضم الزاحف بدل الإعلان الرسمي

في الخطاب السياسي الفلسطيني، لا يُنظر إلى مثل هذه الخطوات باعتبارها منفصلة. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت الضفة سلسلة إجراءات اعتبرتها أطراف عربية ودولية توسيعًا للسيطرة الإسرائيلية: تسريع شرعنة بؤر استيطانية، توسيع البناء في المستوطنات، مصادرة أراضٍ، وتغيير آليات الإدارة المدنية. لذلك يأتي نقل صلاحيات الإنفاذ إلى الشرطة كجزء من نمط أوسع يرسخ ما يمكن وصفه بـالضم الزاحف، أي فرض وقائع سيادية جديدة بلا إعلان رسمي قد يثير كلفة دبلوماسية أعلى.

هذا المسار يكتسب حساسية أكبر لأنه يهدد عمليًا ما تبقى من أسس حل الدولتين. فإذا أصبحت المستوطنات تُدار أمنيًا وقانونيًا بصورة أقرب إلى الداخل الإسرائيلي، فإن الفاصل بين الاحتلال المؤقت – وفق التعريف القانوني – وبين الضم الفعلي يصبح أكثر هشاشة. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن خطورة هذا التطور لا تنحصر في الملف الفلسطيني وحده، بل تمتد إلى استقرار الإقليم كله، لأن أي تغيير أحادي في الضفة يرفع منسوب التوتر ويقوض فرص التسوية السياسية.

موقف مصر: رفض واضح لسياسات الضم والاستيطان

القاهرة كانت واضحة في رفضها لهذا المسار. ففي كلمة ألقاها وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي يوم 5 أغسطس 2026 في عمّان، شددت مصر على رفضها القاطع لأي مخططات تستهدف الضم الفعلي للضفة الغربية، واعتبرت أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي وتقويضًا لفرص السلام. كما كررت الخارجية المصرية في مناسبات عدة خلال 2026 إدانتها لتوسيع الاستيطان ومحاولات فرض واقع قانوني وإداري جديد في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

هذا الموقف المصري يحمل وزنًا خاصًا، ليس فقط لأن مصر طرف مركزي في الجهد العربي والدبلوماسي المتصل بالقضية الفلسطينية، بل لأن القاهرة تنظر إلى الضفة وغزة باعتبارهما ملفًا واحدًا في أي تسوية مستقبلية. ومن ثم فإن تكريس الضم في الضفة يضرب أساس أي مسار سياسي متوازن، ويضع المنطقة أمام دورة جديدة من التصعيد.

أرقام تكشف عمق الأزمة

  • أكثر من 1430 اعتداء للمستوطنين وثقته الأمم المتحدة في الضفة خلال 2026 حتى 10 أغسطس.
  • نحو 260 تجمعًا فلسطينيًا تأثر بهذه الاعتداءات خلال الفترة نفسها.
  • قرابة 3800 فلسطيني نزحوا في 2026 بسبب عنف المستوطنين والهدم والإخلاء، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال.
  • 76 فلسطينيًا قُتلوا في الضفة خلال 2026 حتى 10 أغسطس، بينهم 18 طفلًا، وفق إحاطة أممية لمجلس الأمن.

ماذا بعد؟

حتى الآن، لا يبدو أن قرار كاتس أصبح نافذًا بالكامل، إذ ما زالت الخطة التنفيذية قيد الإعداد والنقاش داخل المؤسسة الإسرائيلية. لكن مجرد طرحه بهذا الشكل، وفي هذا التوقيت، يكشف اتجاهًا سياسيًا واضحًا داخل الحكومة الإسرائيلية: تقليص الدور العسكري التقليدي في إدارة شؤون المستوطنين، مقابل توسيع حضور الأجهزة المدنية والأمنية الإسرائيلية ذات الطابع السيادي.

وفي حال مضت الخطة قدمًا، فإن آثارها لن تكون إجرائية فقط، بل سترسل إشارة سياسية قوية بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتحرك لدمج المستوطنات في المنظومة الداخلية للدولة بصورة أعمق. هذا ما يفسر حجم المخاوف الفلسطينية والدولية، لأن القضية هنا ليست مجرد توزيع للصلاحيات بين الجيش والشرطة، بل إعادة تعريف الواقع القانوني والسياسي للضفة الغربية على الأرض.

في المحصلة، يبدو أن القرار يفتح فصلًا جديدًا من الصراع على الضفة: صراعًا لا يقتصر على الميدان، بل يمتد إلى بنية الحكم نفسها. وبينما تحاول الحكومة الإسرائيلية تمرير الخطوة باعتبارها شأنًا إداريًا، فإن انعكاساتها الحقيقية تتجاوز ذلك بكثير، لتلامس جوهر سؤال الاحتلال والضم ومستقبل الدولة الفلسطينية.