Akhbar Cairo

نواف سلام: إعمار لبنان مرهون بالدعم العربي ووقف الحرب

نواف سلام يربط بين إعادة الإعمار والاستقرار الأمني

عاد ملف إعادة إعمار لبنان إلى واجهة النقاش السياسي والإقليمي، بعدما شدد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على أن الإمكانات المالية المتاحة للدولة لا تكفي وحدها لمعالجة آثار الدمار، وأن بيروت تحتاج إلى دعم عربي واضح، بالتوازي مع مسار سياسي وأمني يضمن عدم تجدد المواجهات. هذا الموقف يكتسب أهمية خاصة في بلد يمر بأزمة مالية ممتدة منذ سنوات، ويواجه في الوقت نفسه أعباء الحرب وتداعياتها على البنية التحتية والخدمات والاستثمار.

وفي أكثر من مناسبة رسمية، كرر سلام أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة اللبنانية، باعتبار أن أي مسار لإعادة البناء أو جذب التمويل الخارجي لن ينجح في ظل بيئة أمنية هشة أو تعدد في مراكز القرار العسكري. كما أوضح أن الاستثمارات والرساميل، سواء من الداخل أو الخارج، تحتاج أولاً إلى مناخ من الأمان والثقة قبل الحديث عن انطلاقة اقتصادية حقيقية.

ماذا قال رئيس الحكومة اللبنانية؟

مواقف سلام جاءت منسجمة مع الخط السياسي الذي أعلنته حكومته منذ توليه رئاسة الوزراء في 8 فبراير 2025، والقائم على استعادة دور مؤسسات الدولة، وتثبيت سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، وربط ملف التعافي الاقتصادي بإصلاحات داخلية وضمانات أمنية. وفي تصريحات رسمية منشورة على موقع رئاسة مجلس الوزراء اللبنانية، أكد أن الدولة لا يمكنها بمفردها تحمل كلفة الإعمار، وأن هناك حاجة إلى حشد دعم الأشقاء العرب والشركاء الدوليين لهذه المهمة الوطنية الكبيرة.

كما أشار إلى أن أي أفق للتعافي لا ينفصل عن وقف الحرب وتثبيت الاستقرار، لأن استمرار العمليات العسكرية أو احتمالات توسعها يعني عملياً تعطيل عودة السكان بصورة آمنة، وتأخير إعادة الخدمات، ورفع كلفة إعادة التأهيل في الجنوب والمناطق المتضررة. ومن زاوية تهم القارئ المصري والعربي، فإن الرسالة اللبنانية هنا واضحة: لا إعمار فعالاً من دون مظلة سياسية عربية ودولية تضمن التمويل والاستقرار معاً.

أرقام التمويل المتاحة حتى الآن

على مستوى التمويل، برز في الفترة الأخيرة قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لدعم الاحتياجات الأكثر إلحاحاً في التعافي وإعادة الإعمار بالمناطق المتضررة من النزاع. ووفق البنك الدولي، يمثل هذا التمويل جزءاً من إطار أوسع تُقدَّر كلفته الإجمالية بنحو مليار دولار لإطلاق مشروع المساعدة الطارئة للبنان. كما أوضحت مصادر لبنانية رسمية أن القرض يستهدف ترميم البنية التحتية العامة والخدمات الحيوية في الجنوب ومناطق أخرى متضررة.

وإلى جانب هذا المسار، أُطلق في 19 مايو 2026 برنامج بقيمة 32 مليون يورو بدعم من الاتحاد الأوروبي والدنمارك وفرنسا لمساندة المناطق المتأثرة بالنزاع في جنوب لبنان والبقاع، مع تركيز على التعافي المحلي ودعم المؤسسات الصغيرة والحوكمة المحلية. هذه المؤشرات تعني أن المساعدات بدأت تتشكل، لكنها لا تزال أقل من حجم الاحتياجات الفعلية على الأرض، وهو ما يفسر إصرار بيروت على طلب دعم عربي أوسع وأكثر سرعة.

لماذا يركز سلام على الدعم العربي؟

الرهان على الدعم العربي للبنان لا يرتبط فقط بالحاجة إلى المال، بل أيضاً بالغطاء السياسي. فالدول العربية، وفي مقدمتها الدول القادرة على تمويل مشروعات البنية الأساسية، يمكن أن تلعب دوراً في تثبيت مسار التعافي إذا اقترن التمويل برؤية واضحة للإصلاح وإعادة بناء الدولة. كما أن القاهرة والرياض وعواصم عربية أخرى تبقى، بحكم الثقل السياسي والاقتصادي، أطرافاً مؤثرة في أي جهد إقليمي لإنقاذ لبنان من دوامة الاستنزاف.

ومن هذا المنظور، تبدو دعوة سلام أقرب إلى محاولة لجمع مسارين في آن واحد: الأول اقتصادي لتأمين الأموال اللازمة لإعادة البناء، والثاني سياسي لضمان ألا تضيع هذه الموارد في بيئة متوترة أو غير مستقرة. وقد تحدث سلام أيضاً عن أن دولاً مثل مصر وفرنسا والأردن تعهدت بدعم القوات المسلحة اللبنانية بما يساعد الدولة على تعزيز سلطتها وبسط الاستقرار، وهو أمر يربطه رئيس الحكومة مباشرة بتهيئة المناخ اللازم للاستثمار وإعادة الإعمار.

حصرية السلاح شرط لجذب الاستثمارات

واحدة من أبرز الرسائل التي يكررها نواف سلام هي أن الاقتصاد لا ينمو في ظل الغموض الأمني. لذلك يربط الرجل بين حصرية السلاح بيد الدولة وبين أي فرصة حقيقية لعودة المستثمرين أو المانحين. هذا الربط ليس نظرياً فقط، بل يعكس واقعاً لبنانياً معقداً، حيث ينظر الممولون الخارجيون إلى الاستقرار المؤسسي والأمني باعتباره شرطاً مسبقاً قبل ضخ أموال كبيرة في الإعمار أو التنمية.

وفي تصريحات رسمية، أشار سلام إلى أن اللبنانيين والمستثمرين لن يشعروا بالأمان المطلوب لإطلاق عجلة الاقتصاد ما لم تُحصر أدوات القوة العسكرية بيد الدولة. بالنسبة للمتابع المصري، تبدو هذه النقطة مفصلية، لأن تجارب إعادة الإعمار في المنطقة أثبتت أن التمويل وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى بيئة حكم مستقرة ومؤسسات قادرة على التنفيذ والمحاسبة.

الجنوب اللبناني في صلب الأولويات

تضع الحكومة اللبنانية الجنوب في مقدمة الأولويات، سواء من حيث عودة السكان أو إصلاح المرافق أو إزالة آثار الحرب. وتؤكد رئاسة الوزراء اللبنانية أن تسريع وتيرة إعادة الإعمار في الجنوب يرتبط بتأمين التمويل والمضي في خطة الدولة لبسط سلطتها. كما أن الخطاب الحكومي يربط بوضوح بين تنفيذ القرار 1701 واتفاق الطائف وبين استعادة الاستقرار هناك.

وإذا كان الجنوب هو العنوان المباشر للأضرار، فإن التأثير يتجاوز تلك المنطقة إلى كامل الاقتصاد اللبناني: من حركة التجارة والسياحة، إلى ثقة القطاع الخاص، إلى قدرة الدولة على تحسين خدمات الكهرباء والنقل والمياه. ولهذا لا تبدو دعوة سلام إلى دعم عربي مجرد طلب مالي عاجل، بل جزءاً من معركة أوسع لإعادة تثبيت الدولة اللبنانية نفسها بعد سنوات من الانهيار والأزمات المتلاحقة.

ما الذي يعنيه ذلك إقليمياً؟

بالنسبة لقسم أفريقيا المعني بمتابعة المجال الإقليمي الأوسع حول مصر، فإن تطورات لبنان تظل ذات صلة مباشرة بالتوازنات في شرق المتوسط والمشرق العربي. استقرار لبنان لا يخص الداخل اللبناني وحده، بل ينعكس على حركة التجارة والطاقة والاتصالات السياسية في المنطقة، كما يهم الدول العربية التي تخشى اتساع بؤر التوتر وتأثيرها على الأمن الإقليمي.

ومن هنا، يمكن فهم رسالة نواف سلام بوصفها نداءً سياسياً واقتصادياً مزدوجاً: أوقفوا الحرب أولاً، وادعموا الإعمار ثانياً. فبدون هذين المسارين معاً، ستظل الدولة اللبنانية محاصرة بين ضعف الموارد من جهة، وكلفة عدم الاستقرار من جهة أخرى. أما إذا توافر الغطاء العربي والدولي بالتوازي مع تثبيت سلطة الدولة، فقد يصبح الحديث عن التعافي أقرب إلى خطة قابلة للتنفيذ لا مجرد وعود مؤجلة.

  • أولوية أولى: وقف التصعيد ومنع اتساع الحرب.
  • أولوية ثانية: حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.
  • أولوية ثالثة: تسريع تمويل إعادة الإعمار، خصوصاً في الجنوب.
  • أولوية رابعة: تحويل الدعم العربي والدولي إلى برامج تنفيذية واضحة.

وفي المحصلة، تبدو المعادلة التي يطرحها سلام (@nawafasalam.lb على إنستغرام) شديدة الوضوح: لا أمن من دون دولة، ولا إعمار من دون تمويل، ولا تمويل مستداماً من دون استقرار سياسي وأمني. وهي معادلة ستبقى حاضرة في أي نقاش عربي مقبل حول مستقبل لبنان ومسار خروجه من أزمته المركبة.