نواف سلام: الإطار الثلاثي في لبنان مسار تفاوضي لا معاهدة
نواف سلام يوضح طبيعة «الإطار الثلاثي» أمام البرلمان اللبناني
في تطور سياسي لافت يتصل بالملف اللبناني الإسرائيلي، شدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على أن ما يُتداول بشأن «الإطار الثلاثي» لا يرقى إلى مستوى الاتفاقيات أو المعاهدات بالمعنى القانوني، بل يندرج ضمن إطار سياسي ينظم مسار التفاوض ويحدد أهدافه. وجاء موقف سلام خلال كلمته في ختام جلسة مناقشة الحكومة داخل المجلس النيابي اللبناني يوم الأربعاء 16 سبتمبر 2026، رداً على مداخلات عدد من النواب وما أثير من جدل حول طبيعة هذا المسار وحدوده الدستورية والسياسية.
هذا التوضيح يحمل أهمية خاصة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، إذ يتابع الرأي العام العربي، ومنه القارئ المصري، ما يجري في جنوب لبنان باعتباره جزءاً من مشهد أوسع يتعلق بأمن الحدود، ودور الدولة الوطنية، واحتمالات تثبيت ترتيبات ميدانية جديدة بعد شهور من التصعيد والتفاوض.
ما الذي قاله نواف سلام تحديداً؟
بحسب ما نقلته وسائل إعلام لبنانية من كلمة رئيس الحكومة، أكد نواف سلام أن «الإطار الثلاثي» هو مرجعية سياسية للمفاوضات وليس اتفاقاً ملزماً بالصيغة القانونية التي تستوجب التعامل معه كمعاهدة دولية. كما أوضح أن هذا الإطار يتضمن انسحاباً إسرائيلياً على مراحل، مع التشديد على أن الهدف منه هو الوصول إلى ترتيبات تنفيذية تفضي إلى بسط سيادة الدولة اللبنانية دون سواها على أراضيها.
وربط سلام هذا المسار بالدستور اللبناني وبموقع الدولة في إدارة التفاوض، مشدداً على أن لبنان لا يقبل أن يكون مجرد ساحة تتقرر مصائرها من الخارج، وأن مؤسسات الدولة هي الجهة المخولة بقيادة هذا المسار. وفي خلفية هذا الكلام، يبرز نقاش لبناني واسع حول حدود التفاوض غير المباشر مع إسرائيل، والفارق بين إطار تفاوضي مؤقت وبين اتفاق نهائي يترتب عليه التزامات قانونية أو سياسية أوسع.
الفارق بين الإطار السياسي والمعاهدة
التمييز الذي طرحه سلام ليس تفصيلاً لغوياً. ففي الممارسة الدبلوماسية، قد تُستخدم أطر أو تفاهمات سياسية لوضع قواعد التفاوض أو جدول الانسحاب أو آليات التنفيذ، من دون أن تتحول تلقائياً إلى معاهدات دولية كاملة الأركان. ومن هنا جاء حرص رئيس الحكومة على التأكيد أن الحديث يدور عن «إطار للمفاوضات» لا عن تسوية نهائية منجزة.
وبالنسبة للداخل اللبناني، فإن هذا التوصيف يهدف أيضاً إلى تهدئة اعتراضات قوى سياسية تخشى أن يؤدي استخدام مصطلحات فضفاضة إلى تمرير التزامات أبعد مما هو معلن. لذلك تعمد الحكومة إلى التأكيد أن المرجعية المطروحة مرتبطة حصراً بمسار تفاوضي مرحلي، لا باعتراف سياسي جديد أو اتفاق قانوني شامل.
خلفية الإطار الثلاثي: ماذا جرى منذ يونيو 2026؟
تقاطعت تقارير إعلامية متعددة حول أن هذا المسار برز بصورة أوضح بعد توقيع إطار تفاوضي برعاية أمريكية في 26 يونيو 2026، يقوم على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي المتدرج من مناطق في جنوب لبنان، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وتوسيع حضور مؤسسات الدولة. كما جرى الحديث في الأسابيع التالية عن «مناطق تجريبية» أو مراحل اختبارية لقياس تنفيذ الانسحاب وآليات الانتشار على الأرض.
وفي يوليو 2026، زار نواف سلام بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان بعد بدء انتشار الجيش اللبناني هناك ضمن المرحلة الأولى من الآلية المتصلة بهذا المسار، في إشارة سياسية واضحة إلى أن الحكومة أرادت إظهار ارتباط التفاوض الميداني بفكرة استعادة الدولة حضورها المباشر في المناطق الحدودية. وخلال تلك المرحلة، برزت أيضاً نقاشات حول آلية التحقق من التنفيذ، والجهة التي تقيم التزام الأطراف، وهي مسائل ما زالت شديدة الحساسية.
لماذا يثير الملف كل هذا الجدل داخل لبنان؟
الجدل لا يتعلق فقط بالعلاقة مع إسرائيل، بل كذلك بالسؤال الأوسع: من يدير الأمن والسيادة في الجنوب اللبناني؟ فكل حديث عن انسحاب تدريجي أو إعادة انتشار أو ترتيبات أمنية يفتح تلقائياً باب النقاش حول دور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، وحدود الوساطة الدولية، وما إذا كانت المراحل التنفيذية يمكن أن تتحول إلى مسار طويل ومفتوح من دون جدول زمني حاسم.
ولهذا شدد سلام في مداخلاته السابقة واللاحقة على أن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار التفاوضي، وأن الهدف النهائي هو تثبيت سيادتها على كامل أراضيها. هذه الرسالة موجهة إلى الداخل اللبناني أولاً، لكنها في الوقت نفسه رسالة إلى الوسطاء الخارجيين بأن أي ترتيبات لا يمكن أن تنجح إذا لم تُقرأ من زاوية استعادة الدولة لزمام المبادرة.
أبعاد إقليمية تهم القارئ المصري
من منظور مصري وعربي، تبدو أهمية هذا التطور في كونه يعكس كيف تتحرك دول المنطقة بين ضرورات التهدئة وضغوط السيادة. فلبنان، مثل غيره من دول الإقليم، يحاول تفادي الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وفي الوقت نفسه يسعى إلى منع تكريس أمر واقع جديد على حدوده الجنوبية.
كما أن أي انسحاب إسرائيلي تدريجي من أراضٍ لبنانية، إذا تم تثبيته عملياً، ستكون له انعكاسات سياسية وأمنية تتجاوز الداخل اللبناني. فاستقرار جنوب لبنان يرتبط بحركة الملاحة والاستثمار وإعادة الإعمار وبمستوى التوتر على الجبهة الشمالية لإسرائيل، وهي ملفات تتابعها القاهرة والعواصم العربية عن كثب ضمن مشهد إقليمي مترابط.
الاقتصاد حاضر في خلفية المشهد
رغم أن عنوان السجال سياسي وأمني، فإن خلفيته الاقتصادية لا تقل ثقلاً. فقد أشار نواف سلام نفسه في جلسات برلمانية حديثة إلى أن كلفة الحروب والأزمات التي مر بها لبنان خلال السنوات الثلاث الأخيرة تتجه لتجاوز 27 مليار دولار، مع توقع انكماش اقتصادي بنحو 6.4% في 2026. هذا يعني أن أي مسار تفاوضي يخفف التصعيد على الحدود قد ينعكس مباشرة على فرص التعافي الاقتصادي، وعودة الخدمات، وتسهيل إعادة فتح الطرق والمرافق في المناطق المتضررة.
وبالنسبة للمجتمعات المحلية في الجنوب، فإن المسألة ليست مجرد توصيف قانوني لإطار تفاوضي، بل سؤال يومي يتعلق بالعودة، والأمان، والتعليم، والخدمات، وإزالة آثار الدمار. لذلك تحاول الحكومة اللبنانية تقديم هذا المسار بوصفه أداة لخلق وقائع ميدانية تخفف العبء عن السكان، لا مجرد عنوان تفاوضي في القاعات المغلقة.
إلى أين يتجه المسار الآن؟
المؤكد حتى الآن أن الحكومة اللبنانية تريد تثبيت روايتها الرسمية: لا توجد معاهدة بالمعنى القانوني، بل مسار سياسي تفاوضي هدفه الوصول إلى انسحاب إسرائيلي مرحلي وتوسيع انتشار الدولة اللبنانية. لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بعدة عوامل، من بينها:
- وضوح الجدول الزمني لكل مرحلة من مراحل الانسحاب.
- قدرة الجيش اللبناني على تثبيت حضوره في المناطق التي يُفترض الانسحاب منها.
- وجود آلية رقابة أو تحقق تحظى بقبول الأطراف المعنية.
- وقف الخروقات والتصعيد الميداني بما يمنع انهيار التفاهمات سريعاً.
- الغطاء السياسي الداخلي الذي تحتاجه الحكومة لمواصلة هذا النهج من دون انفجار انقسامات أوسع.
في المحصلة، يبدو أن نواف سلام اختار مخاطبة اللبنانيين بلغة قانونية وسياسية دقيقة لتفادي اللبس: ما يجري ليس معاهدة، بل إطار تفاوضي. غير أن أهمية هذا التوصيف لن تُحسم في النصوص وحدها، بل في ما إذا كان سيقود فعلاً إلى انسحاب ملموس، وانتشار مستقر للجيش اللبناني، وترسيخ سيادة الدولة على الأرض. وحتى ذلك الحين، سيظل «الإطار الثلاثي» عنواناً مفتوحاً على اختبار السياسة والميدان معاً.