Akhbar Cairo

نواف سلام: انسحاب إسرائيل وبسط سلطة الدولة أولوية لبنان

لبنان يتمسك بالانسحاب الإسرائيلي كمدخل لأي تسوية

جدّد رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام التأكيد على أن أولوية بيروت في المسار التفاوضي القائم تتمثل في انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي. هذا الموقف يعكس، وفق القراءة الرسمية اللبنانية، تمسكًا بثابتين متلازمين: إنهاء أي وجود إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، وتمكين مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش، من الإمساك الكامل بالوضع الأمني والسيادي.

وجاء موقف سلام خلال لقاء رسمي في بيروت، حيث شدد على أن إطار التفاوض بالنسبة إلى لبنان واضح ولا يحتمل اللبس، وأن أي تقدم فعلي لا يمكن فصله عن استعادة السيطرة الكاملة للدولة على الأرض. وبالنسبة إلى المتابع المصري، فإن الرسالة اللبنانية هنا لا تتعلق فقط بالحدود الجنوبية، بل أيضًا بمستقبل التوازنات الداخلية في بلد أنهكته الحرب والضغوط الاقتصادية والسياسية.

ما الذي قاله نواف سلام؟

بحسب ما أوردته وسائل إعلام لبنانية ومصادر رسمية، قال رئيس الحكومة إن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية هو هدف لبنان في المفاوضات، إلى جانب بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. وتكتسب هذه العبارة أهمية خاصة لأنها تربط بين المسار الدبلوماسي من جهة، وإعادة تكريس احتكار الدولة اللبنانية للقرار الأمني والعسكري من جهة أخرى.

سلام، الذي يتولى رئاسة الحكومة اللبنانية منذ 8 فبراير 2025، يقود حكومة رفعت منذ تشكيلها شعار تثبيت الأمن والاستقرار واستكمال تنفيذ الالتزامات الدولية، خصوصًا تلك المرتبطة بالجنوب اللبناني. ومنذ توليه المنصب، تكرر في أكثر من مناسبة رسمية الحديث عن ضرورة استكمال انسحاب إسرائيل “حتى آخر شبر” من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع دعم مؤسسات الدولة والجيش.

موقف متقاطع بين الرئاستين في بيروت

اللافت أن موقف رئيس الحكومة يتقاطع بوضوح مع ما يصدر عن الرئاسة اللبنانية. فقد أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون بدوره في الأيام الأخيرة أن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة يمثل مدخلًا أساسيًا لتمكين الدولة من بسط سلطتها، وإنهاء المظاهر المسلحة، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دوليًا.

هذا التلاقي بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة يعطي انطباعًا بأن بيروت تحاول الذهاب إلى أي تفاوض بموقف رسمي موحد، خصوصًا في ظل حساسية الملف الجنوبي وتعقيداته الإقليمية. كما أن الخطاب الرسمي اللبناني بات يربط بوضوح بين وقف الأعمال العدائية وإعادة الأسرى وانتشار الجيش ومعالجة القضايا الحدودية عبر الوسائل الدبلوماسية.

القرار 1701 في قلب المشهد

لا يمكن فهم الموقف اللبناني الحالي بعيدًا عن قرار مجلس الأمن 1701 الصادر في 11 أغسطس 2006، والذي شكل منذ ذلك الوقت الإطار الدولي الناظم لوقف الأعمال القتالية بين لبنان وإسرائيل. القرار يدعو إلى وقف الأعمال العدائية، ويدعم بسط سلطة الدولة اللبنانية، كما يشكل الأساس القانوني لعمل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل”.

وفي صيف 2026، أكدت “يونيفيل” مجددًا أن مبادئ القرار 1701 لا تزال حجر الأساس للحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان. كما أشارت الأمم المتحدة إلى استمرار تسجيل انتهاكات يومية للقرار، رغم تراجع مستوى العنف مقارنة بفترات التصعيد الأشد. وهذا يعني أن الحديث اللبناني عن الانسحاب وبسط السيادة ليس مجرد خطاب سياسي داخلي، بل يرتبط أيضًا بمرجعية أممية واضحة.

لماذا يركز لبنان على “بسط سلطة الدولة”؟

في السياق اللبناني، لا يحمل تعبير “بسط سلطة الدولة” معنى إداريًا فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ملف شديد الحساسية يتعلق بمن يحتكر السلاح ومن يقرر الحرب والسلم. لذلك، فإن استخدام هذا التعبير رسميًا داخل سياق التفاوض يعكس توجهًا نحو تثبيت مبدأ أن السلطة الشرعية وحدها هي صاحبة القرار على كامل الأراضي اللبنانية.

وقد أظهرت بيانات رسمية صادرة عن مؤسسات الحكم في بيروت أن الحكومة اللبنانية تعتبر أن تنفيذ اتفاق الطائف والدستور وقرارات مجلس الأمن يجب أن يقترن بتكريس حصرية السلاح بيد الدولة. كما جرى التأكيد على ضرورة انسحاب إسرائيل من النقاط التي لا تزال موضع خلاف، مع تسوية ملفات الحدود والأسرى عبر مفاوضات غير مباشرة.

الجنوب اللبناني بين التهدئة الهشة والاستحقاقات الصعبة

رغم انخفاض حدة الاشتباكات مقارنة بمراحل التصعيد الأوسع، فإن الجنوب اللبناني لا يزال يعيش على وقع توتر قابل للاشتعال. الأمم المتحدة تحدثت خلال 2026 عن استمرار الخروق والانتهاكات على طول الخط الأزرق، فيما شددت على أن الاستقرار الحالي يظل هشًا ما لم تُعالج القضايا العالقة جذريًا.

ومن هنا، تبدو الرسالة اللبنانية مزدوجة: من جهة، تؤكد بيروت التزامها بالحلول الدبلوماسية وعدم الانزلاق إلى حرب مفتوحة جديدة؛ ومن جهة أخرى، تشدد على أن أي استقرار طويل الأمد يتطلب انسحابًا إسرائيليًا كاملًا، وعودة المدنيين إلى القرى الحدودية، وإعادة الإعمار، وتوسيع انتشار الدولة فعليًا على الأرض.

بالنسبة للقارئ في مصر، فإن أهمية هذا التطور لا تقتصر على الشأن اللبناني الداخلي. فاستقرار جنوب لبنان يظل عنصرًا أساسيًا في أمن المشرق العربي ككل، كما أن أي انفجار جديد على هذه الجبهة ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة الإقليم، من البحر المتوسط إلى أسواق الطاقة والملاحة وحسابات التهدئة الأوسع.

هل دخلت المفاوضات مرحلة جديدة؟

المؤشرات الصادرة من بيروت توحي بأن لبنان يحاول تثبيت إطار تفاوضي محدد قبل أي انتقال إلى خطوات أكثر تفصيلًا. هذا الإطار، كما تعلنه السلطات اللبنانية، يقوم على وقف الاعتداءات، انسحاب إسرائيل، إعادة الأسرى، وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية المعترف بها. كما تؤكد الرئاسة اللبنانية أن الوفد اللبناني هو من سيتولى التفاوض باسم الدولة، بما يحصر المسار في المؤسسات الرسمية.

ورغم أن الطريق لا يزال معقدًا، فإن اللهجة السياسية اللبنانية الحالية توحي بأن هناك محاولة لاستثمار الدعم الدولي القائم للتهدئة من أجل تحويله إلى مكاسب سيادية ملموسة. لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بعوامل كثيرة، من بينها مدى الالتزام الإسرائيلي، ومستوى الضغط الدولي، وقدرة الدولة اللبنانية نفسها على ترجمة التعهدات إلى وقائع ميدانية.

خلاصة المشهد

في المجمل، يعكس تصريح نواف سلام مقاربة لبنانية تحاول الجمع بين السيادة والدبلوماسية وإعادة بناء الدولة. فلبنان لا يطرح الانسحاب الإسرائيلي بوصفه مطلبًا حدوديًا فحسب، بل يعتبره شرطًا لتمكين الدولة من فرض سلطتها، وإعادة الاستقرار إلى الجنوب، وفتح الباب أمام مرحلة أقل توترًا وأكثر قابلية لإعادة الإعمار.

وبينما تظل التطورات الميدانية والسياسية مفتوحة على احتمالات متعددة، فإن الثابت حتى الآن هو أن بيروت تريد تثبيت معادلة واضحة: لا استقرار دائمًا من دون انسحاب إسرائيلي كامل، ولا سيادة فعلية من دون بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.