نواف سلام يختبر معادلة جديدة مع طهران من نيويورك
لقاء نيويورك: دبلوماسية قصيرة ورسائل ثقيلة
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، اختار رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن يبعث من نيويورك رسالة سياسية واضحة خلال لقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. الرسالة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بإدارة علاقة ثنائية بين بيروت وطهران، بل بمحاولة لبنانية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي مع نفوذ إقليمي طالما انعكس مباشرة على الداخل اللبناني.
البيان الرسمي الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء اللبنانية أكد أن اللقاء عُقد بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وأن سلام شدد أمام بزشكيان على أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل، مع تأكيده التطلع إلى فتح صفحة جديدة مع إيران تقوم على علاقة سليمة “من دولة إلى دولة”، أساسها احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة.
سياسياً، تبدو هذه الصياغة شديدة الدلالة. فهي لا تعادي إيران مباشرة، لكنها تنقل العلاقة من منطق المحاور إلى منطق المؤسسات. وهذا فارق جوهري في بلد مثل لبنان، حيث ظل سؤال السلاح والنفوذ الخارجي وتعدد مراكز القرار في قلب الأزمة الوطنية منذ سنوات.
لماذا يحمل اللقاء أهمية أكبر من بروتوكوله؟
اللقاءات التي تُعقد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة كثيراً ما تبدو بروتوكولية في ظاهرها، لكن توقيتها هذه المرة يمنحها وزناً مضاعفاً. فالدورة الـ81 افتُتحت رسمياً في 8 سبتمبر 2026، بينما انطلقت المناقشة العامة بين 22 و26 سبتمبر ثم 28 سبتمبر، ما يجعل اجتماع سلام وبزشكيان جزءاً من أسبوع دبلوماسي تتكثف فيه الرسائل والاختبارات السياسية.
الأهم أن نواف سلام لم يكتفِ بالحديث عن تاريخ العلاقة بين البلدين والشعبين، بل قرن ذلك بدعوة إيران إلى ترشيح سفير جديد لها في بيروت. هذه الإشارة تبدو إجرائية، لكنها في الحقيقة تعكس رغبة لبنانية في إعادة العلاقة إلى القنوات الرسمية الطبيعية، بعيداً عن أي التباس بين الدولة اللبنانية ومراكز النفوذ غير الرسمية. ومن منظور تحليلي، فإن طلب تعيين سفير جديد ليس تفصيلاً إدارياً بقدر ما هو دعوة إلى إعادة ضبط التمثيل السياسي نفسه.
لبنان يدفع ثمن الجغرافيا... لكنه يطالب بهامش قرار
حين قال سلام إن لبنان دفع ثمناً باهظاً بسبب صراعات المنطقة، فهو لم يكن يستخدم تعبيراً إنشائياً. فبحسب تحديث صادر عن وزارة الصحة اللبنانية في 17 سبتمبر 2026، بلغت الحصيلة التراكمية للاعتداءات منذ 2 مارس حتى 10 سبتمبر 4383 قتيلاً و12406 جرحى. هذه الأرقام تشرح الخلفية الثقيلة التي خرج منها الخطاب اللبناني في نيويورك: بلد مستنزف، وبنية دولة تحت ضغط أمني واقتصادي، ومجتمع لم يعد يحتمل أن يظل ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.
من هنا، يمكن فهم حديث سلام عن أولوية انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. المعادلة هنا دقيقة: رفض العدوان الخارجي من جهة، والتشديد على احتكار الدولة للقرار والأرض والسلاح من جهة أخرى. وهذه معادلة شديدة الحساسية في لبنان، لكنها تمثل أيضاً جوهر أي مشروع إنقاذ فعلي.
ما الذي تريده بيروت من طهران فعلياً؟
القراءة التحليلية للقاء تقود إلى أن بيروت لا تطلب من طهران مجرد تهدئة لغوية، بل تغييراً في نمط العلاقة. فعبارة “من دولة إلى دولة” تتضمن ضمنياً رفض أي علاقة تمر عبر قوى وسيطة أو أذرع سياسية وعسكرية داخلية. بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو هذا شبيهاً بمحاولة استعادة مركزية الدولة الوطنية في إقليم تتنازعه الشبكات العابرة للحدود والتحالفات غير المتكافئة.
ولأن لبنان بلد يقوم على توازنات داخلية شديدة الهشاشة، فإن أي إعادة تموضع في علاقته مع إيران لا يمكن أن تحدث بقرار صدامي مباشر. لذلك يتبنى سلام لغة مزدوجة: لغة انفتاح دبلوماسي من ناحية، ولغة سيادة قانونية من ناحية أخرى. هذه ليست تسوية نهائية، لكنها تمثل اختبار نوايا واضحاً.
- أولاً: تحويل العلاقة من النفوذ إلى التمثيل الدبلوماسي الرسمي.
- ثانياً: تحييد لبنان عن منطق الرسائل الإقليمية المتبادلة.
- ثالثاً: تثبيت أولوية الدولة اللبنانية في القرار الأمني والسياسي.
- رابعاً: ربط أي انفتاح مستقبلي بمبدأ عدم التدخل المتبادل.
وماذا عن إيران؟
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يزور نيويورك في سياق دولي معقد، وسط حضور إيراني لافت في الدورة الحالية للأمم المتحدة. ظهوره في المدينة الأميركية خلال أسبوع الجمعية العامة منح طهران مساحة لاستعراض خطابها السياسي أمام العالم، لكنه وضعها أيضاً أمام أسئلة تتعلق بكيفية إدارة علاقاتها الإقليمية في لحظة توتر واسع. لذلك، فإن استقبال رسالة سلام لم يعد شأناً لبنانياً صرفاً، بل يدخل في حسابات إيران الأوسع بشأن صورتها الدبلوماسية وقدرتها على تقديم نفسها كدولة شريكة لا كفاعل متداخل في شؤون الجوار.
من هذا المنظور، تبدو بيروت كأنها تعرض على طهران “إطاراً جديداً” بدلاً من القطيعة. وهذا في حد ذاته تطور مهم: لبنان لا يغلق الباب، لكنه يعيد تعريف الباب نفسه وشروط الدخول منه.
الدلالة الأوسع: هل يبدأ لبنان تصحيح علاقاته الإقليمية؟
إذا وضعنا لقاء بزشكيان ونواف سلام ضمن سلسلة تحركات رئيس الحكومة اللبنانية في نيويورك، سنلاحظ أنه يحاول رسم صورة لدولة تستعيد لغتها الرسمية مع الجميع: تعاون، سيادة، ومصالح متبادلة. هذا لا يعني أن لبنان بات قادراً فوراً على فرض هذه المعادلة، لكنه يعني أن رأس السلطة التنفيذية يريد على الأقل تثبيت خطاب جديد في العلن، وهو أمر لم يعد قليلاً في بلد اعتاد الازدواجية بين ما يقال دبلوماسياً وما يُمارس ميدانياً.
في القاهرة، حيث تُقرأ توازنات المشرق عادة من زاوية استقرار الدولة الوطنية وحدود النفوذ الإقليمي، يبدو هذا التحول اللبناني جديراً بالمتابعة. فنجاح بيروت في تثبيت علاقة طبيعية مع طهران، قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل، قد يفتح باباً لخفض منسوب التوتر في مساحة عربية أنهكتها الحروب بالوكالة. أما الفشل، فسيعني ببساطة استمرار الحلقة نفسها: دولة ضعيفة تدفع كلفة صراعات لا تتحكم بها.
بين الواقعية والطموح
لا ينبغي المبالغة في نتائج لقاء واحد، حتى لو جرى في توقيت حساس وعلى منصة دولية مهمة. غير أن قيمة اجتماع سلام وبزشكيان تكمن في أنه وضع، بوضوح غير معتاد، محددات العلاقة التي تريدها الحكومة اللبنانية مع إيران. ليس شعاراً فضفاضاً عن “أفضل العلاقات”، بل معادلة مشروطة: سيادة، استقلال، عدم تدخل، ومصالح مشتركة.
هذا الخطاب قد يبدو بديهياً في أي علاقة بين دولتين، لكنه في الحالة اللبنانية-الإيرانية يساوي مشروعاً سياسياً كاملاً. لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد نيويورك ليس ما إذا كان الباب قد فُتح، بل ما إذا كانت الأطراف المعنية مستعدة فعلاً للمرور إلى مرحلة جديدة عنوانها الدولة لا الساحة، والمؤسسات لا الرسائل، والمصلحة الوطنية لا إدارة النفوذ.
في هذا المعنى، فإن لقاء نواف سلام لم يكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل محاولة لبنانية لاختبار إمكان الانتقال من زمن تحمل الأكلاف إلى زمن صياغة الشروط. وهذا، في حد ذاته، هو الخبر الأهم وراء خبر اللقاء.