Akhbar Cairo

هاكابي يصف عنف المستوطنين في الضفة بـ"عمل إرهابي"

تصريح أمريكي لافت يعيد ملف الضفة الغربية إلى الواجهة

في تطور سياسي لافت يحمل دلالات تتجاوز الصياغات الدبلوماسية المعتادة، جدد السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي إدانته اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، واصفًا هذا السلوك بأنه "عمل إرهابي" خلال زيارة ميدانية إلى بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله. وجاءت الزيارة بعد أشهر من شكاوى متكررة من سكان فلسطينيين، بينهم أمريكيون من أصل فلسطيني، من تصاعد الاعتداءات والتهديدات التي طالت المنازل والأراضي والحياة اليومية للسكان.

أهمية التصريح لا تتوقف عند مضمونه، بل تمتد إلى طبيعة المصطلح المستخدم. فالإدارة الأمريكية عادة ما تتحفظ في إطلاق وصف "الإرهاب" على اعتداءات المستوطنين، بينما يُستخدم هذا التوصيف غالبًا في الخطاب الرسمي الأمريكي عند الحديث عن الهجمات المسلحة الفلسطينية. لذلك، فإن إعادة هاكابي استخدام هذا الوصف تعكس درجة القلق الأمريكي من تداعيات العنف المتصاعد في الضفة الغربية، خصوصًا حين يطال حاملي الجنسية الأمريكية أو يفاقم الضغوط الدولية على إسرائيل.

ماذا قال هاكابي وأين أدلى بتصريحاته؟

بحسب تقارير متطابقة نشرتها وكالات دولية ووسائل إعلام عربية يومي 5 و6 سبتمبر/أيلول 2026، زار هاكابي بلدة ترمسعيا في الضفة الغربية والتقى سكانًا أمريكيين من أصل فلسطيني قالوا إنهم تعرضوا، على مدى شهور، لاعتداءات وترهيب من مستوطنين. وخلال الزيارة، شدد السفير الأمريكي على أن ما يجري لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد "احتكاكات" محلية، بل هو سلوك إجرامي يزرع الخوف بين المدنيين ويقوض شعورهم بالأمن داخل منازلهم وأحيائهم.

وتحدث هاكابي عن مسؤولية إسرائيل بوصفها القوة القائمة بالاحتلال عن ضمان أمن السكان في الضفة الغربية، مؤكدًا أن من حق الفلسطينيين العيش في سلامة وأمان. كما أوضح، وفق ما نقلته تغطيات إعلامية متعددة، أن السفارة الأمريكية لا تملك صلاحيات التحقيق الجنائي بنفسها، لكنها تستطيع أن تنقل للحكومة الإسرائيلية ضرورة التعامل الجاد مع هذه الوقائع وعدم تركها بلا مساءلة.

لماذا يُعد هذا الموقف مختلفًا؟

اللافت في الموقف الأمريكي هذه المرة أن هاكابي نفسه يُعرف في الأوساط السياسية الأمريكية والإسرائيلية بمواقف داعمة لإسرائيل والاستيطان أكثر من كثير من أسلافه. ورغم ذلك، فقد عاد في أكثر من مناسبة خلال الأسابيع الماضية إلى انتقاد اعتداءات المستوطنين، معتبرًا أنها تسيء إلى صورة إسرائيل في الولايات المتحدة وتضر بمصالحها السياسية والدبلوماسية.

هذا التباين بين الدعم السياسي لإسرائيل من جهة، والإدانة العلنية لعنف المستوطنين من جهة أخرى، يكشف أن ملف الضفة الغربية بات يفرض نفسه حتى على أكثر الأصوات الأمريكية قربًا من الرواية الإسرائيلية الرسمية. ومن زاوية المتابعة المصرية والإفريقية، فإن هذا التحول في اللغة السياسية مهم، لأن الضفة الغربية تظل جزءًا من بؤرة توتر تؤثر مباشرة في استقرار المشرق والمنطقة المحيطة بمصر.

تصاعد موثق في اعتداءات المستوطنين خلال 2026

الأمم المتحدة وثقت بالفعل ارتفاعًا حادًا في مستوى العنف. فمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة ذكر في تقريره الصادر في 28 أغسطس/آب 2026 أن أكثر من 1040 فلسطينيًا أُصيبوا منذ بداية العام في هجمات نفذها مستوطنون، كما سُجلت عشرات الوقائع التي أوقعت إصابات أو ألحقت أضرارًا بالممتلكات خلال أسابيع أغسطس وحدها. وفي تقرير سابق منتصف مايو/أيار 2026، أشار المكتب إلى توثيق أكثر من 800 اعتداء منذ بداية العام عبر أكثر من 220 تجمعًا فلسطينيًا، بمتوسط يقارب ست حوادث يوميًا.

وتصف الأمم المتحدة هذا المسار بأنه غير مسبوق من حيث الوتيرة والانتشار الجغرافي، مع تأثيرات مباشرة على المساكن والزراعة وحرية الحركة والوصول إلى الأراضي. وفي السياق نفسه، حذرت هيئات أممية من أن عنف المستوطنين لا ينفصل عن توسع البؤر الاستيطانية وفرض وقائع ميدانية جديدة، بما يزيد الضغوط على التجمعات الفلسطينية الريفية ويغذي موجات نزوح قسري صامتة في بعض المناطق.

البعد القانوني والسياسي: الاستيطان تحت مجهر الشرعية الدولية

قانونيًا، يبقى الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، موضع رفض واسع في القانون الدولي. وكانت محكمة العدل الدولية قد أكدت في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أُنشئت وتُحافظ عليها بالمخالفة للقانون الدولي. هذا التوصيف يضع اعتداءات المستوطنين في سياق أوسع من مجرد عنف متفرق، إذ ترتبط المسألة ببنية احتلال واستيطان محل اعتراض قانوني ودبلوماسي دولي مستمر.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تقتصر على الضفة الغربية وحدها، بل تمتد إلى المشهد الإقليمي كله. فكل تصعيد ميداني في الأراضي الفلسطينية ينعكس على فرص التهدئة، وعلى البيئة السياسية المحيطة بالحرب في غزة، وعلى الحسابات الأمنية والدبلوماسية في المنطقة العربية والإفريقية الأوسع.

ترمسعيا.. بلدة صغيرة في قلب أزمة أكبر

تحولت ترمسعيا في الأيام الأخيرة إلى عنوان رمزي للنقاش الدائر حول حماية المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية. فالبلدة الواقعة شمال شرق رام الله تضم عددًا من العائلات الفلسطينية الحاملة للجنسية الأمريكية، وهو ما منح الزيارة الأمريكية الرسمية وزنًا إضافيًا. كما أن التركيز على شهادات سكان مدنيين، بدل الاكتفاء ببيانات سياسية عامة، يضفي على القضية بعدًا إنسانيًا مباشرًا يصعب تجاهله.

ومن الواضح أن واشنطن، حتى إن لم تُبدل موقفها الأشمل من إسرائيل، باتت تجد نفسها مضطرة إلى رفع نبرة الانتقاد حين يتعلق الأمر باعتداءات موثقة على مدنيين، خصوصًا مع ازدياد التغطية الدولية والضغوط الحقوقية. لكن يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه اللغة إلى إجراءات عملية ومحاسبة حقيقية على الأرض؟

هل يغير التصريح شيئًا على الأرض؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على تحول فوري في آليات المحاسبة أو في وتيرة العنف. غير أن وصف السفير الأمريكي هذه الاعتداءات بأنها "إرهاب" يمنح المطالبين بالحماية والمساءلة سندًا سياسيًا إضافيًا، وقد يفتح الباب أمام مزيد من الضغط الأمريكي والدولي على الحكومة الإسرائيلية للتحرك بصورة أكثر وضوحًا.

في المحصلة، يحمل تصريح مايك هاكابي دلالة سياسية مهمة لأنه يصدر من مسؤول أمريكي رفيع في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وبينما تتواصل الاعتداءات في الضفة الغربية، تبقى الأنظار متجهة إلى ما إذا كانت هذه الإدانة ستظل في حدود اللغة الدبلوماسية، أم أنها ستتطور إلى مسار عملي يحد من عنف المستوطنين ويمنح السكان الفلسطينيين حدًا أدنى من الحماية.