Akhbar Cairo

هاكان فيدان: كلفة الحروب تتفاقم ومدني يُقتل كل 12 دقيقة

تحذير تركي من الثمن الإنساني المتصاعد للحروب

أطلق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تحذيرا جديدا بشأن الكلفة البشرية للنزاعات المسلحة، معتبرا أن العالم يشهد اتساعا مقلقا في دائرة الخسائر بين المدنيين، في وقت باتت فيه الحروب الممتدة في المنطقة ومحيطها تمثل عبئا إنسانيا وأمنيا وسياسيا متزايدا. ويأتي هذا الموقف في سياق دبلوماسي تركي نشط خلال عام 2026، إذ تؤكد وزارة الخارجية التركية أن فيدان يتولى حقيبة الخارجية منذ 5 يونيو 2023، وواصل خلال الشهور الأخيرة تحركات إقليمية شملت القاهرة وعواصم عربية أخرى لمناقشة ملفات النزاع في غزة وليبيا وسوريا.

وبحسب ما تم تداوله عن تصريحاته، شدد فيدان على أن العالم يدفع ثمنا باهظا للحروب، قائلا إن مدنيا واحدا يُقتل كل 12 دقيقة. ورغم أن هذه الصياغة تعكس رسالة سياسية قوية بشأن تدهور الوضع الإنساني، فإن أحدث الأرقام الأممية المتاحة تقدم صورة قريبة من هذا التحذير، وإن بصياغة رقمية مختلفة قليلا، ما يبرز حجم الأزمة العالمية المرتبطة بحماية المدنيين أثناء النزاعات.

ماذا تقول أحدث بيانات الأمم المتحدة؟

وفقا لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول حماية المدنيين في النزاع المسلح، سجلت المنظمة أكثر من 37 ألف قتيل مدني خلال 2025 عبر 20 نزاعا مسلحا رصدتها الأمم المتحدة. هذا الرقم يعادل، بحسب الإحاطات الأممية اللاحقة أمام مجلس الأمن، مقتل مدني واحد كل 14 دقيقة تقريبا. كما يوضح تقرير أهداف التنمية المستدامة لعام 2026 أن عدد القتلى المدنيين المرتبطين بالنزاعات انخفض بنسبة 23% مقارنة بعام 2024، لكنه ظل أعلى بكثير من المستويات التي سجلها العالم بعد 2015، وهو ما يعني أن التحسن النسبي لم ينهِ الأزمة بل أكد استمرارها عند مستوى خطير.

وتضيف البيانات الأممية أن طفلا من كل خمسة بين القتلى المدنيين في النزاعات خلال 2025، بينما شكلت النساء نحو ربع الضحايا. وتبرز غزة بشكل خاص في هذا السياق؛ إذ أشارت الأمم المتحدة إلى أن القطاع استحوذ وحده على 70% من وفيات الأطفال و60% من وفيات النساء المسجّلة عالميا في النزاعات المسلحة خلال العام نفسه. بالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الأرقام تضع الحرب في الجوار المباشر لمصر في صدارة المشهد الإنساني الإقليمي، لا بوصفها أزمة محلية فحسب، بل باعتبارها أحد المحركات الرئيسية لارتفاع المؤشرات العالمية الخاصة بضحايا الحروب.

رسالة سياسية تتجاوز الرقم

سواء كان التقدير الأقرب أمميا هو 14 دقيقة أو جاء الخطاب السياسي التركي بصيغة 12 دقيقة، فإن جوهر الرسالة واحد: حماية المدنيين تتراجع، والقانون الدولي الإنساني يتعرض لاختبارات قاسية في عدة ساحات. هذا النوع من التصريحات لا يستهدف فقط توصيف حجم المأساة، بل يضغط أيضا من أجل إعادة ملف المدنيين إلى مركز النقاش الدولي، خصوصا مع تكرار استهداف البنية التحتية الأساسية، والمستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء، وازدياد المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإنساني.

وفي هذا السياق، أكدت إحاطات أممية خلال 2026 أن الأمم المتحدة وثقت كذلك اعتداءات واسعة النطاق على العاملين في الإغاثة، مع الإشارة إلى مقتل أو إصابة أو احتجاز أو اختطاف 144 عاملا إنسانيا بالفعل خلال جزء من عام 2026، فضلا عن مقتل أكثر من 1000 من العاملين الإنسانيين خلال السنوات الثلاث الأخيرة بحسب ما أوردته مداولات أممية حديثة. وهذه المؤشرات تعكس أن الأزمة لم تعد مقتصرة على المدنيين وحدهم، بل امتدت إلى من يحاولون إنقاذهم.

لماذا يهم هذا التصريح مصر والمنطقة العربية؟

بالنسبة لمتابعي الشأن العربي في مصر، تكتسب تصريحات فيدان أهمية خاصة لأن تركيا لاعب إقليمي مباشر في عدة ملفات ترتبط بالأمن العربي، من الحرب في غزة إلى الترتيبات السياسية والأمنية في ليبيا، وصولا إلى الملف السوري. كما أن القاهرة وأنقرة كثفتا خلال 2026 الاتصالات المرتبطة بقضايا الإقليم؛ وتظهر بيانات الخارجية التركية أن فيدان زار مصر يومي 20 و21 يونيو 2026، وشارك في القاهرة في اجتماعات تناولت ملفات إقليمية بينها ليبيا، كما استقبله الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الزيارة.

هذا التقارب الدبلوماسي يمنح أي تصريح تركي عن تكلفة الحروب وزنا إضافيا في المشهد العربي، خاصة عندما يتصل الأمر بقضايا تمس الأمن القومي الإقليمي، وحركة النزوح، وأمن الحدود، وتدفقات المساعدات، وارتفاع الضغوط الاقتصادية الناجمة عن النزاعات. فالحروب لا تقتل فقط على الجبهات، بل تضرب كذلك سلاسل الإمداد، وأسعار الغذاء والطاقة، وفرص الاستقرار في دول الجوار.

هاكان فيدان ودبلوماسية الملفات الساخنة

يتولى هاكان فيدان إدارة الخارجية التركية منذ يونيو 2023، بعد مسار طويل في مؤسسات الأمن والسياسة الخارجية في أنقرة. ومنذ دخوله الوزارة، ارتبط اسمه بملفات شديدة الحساسية، على رأسها غزة، وسوريا، والتوازنات شرق المتوسط، والعلاقات مع القوى الدولية. وخلال 2026، تكررت لقاءاته مع مسؤولين عرب ودوليين لبحث وقف القتال واحتواء اتساع النزاعات، بما في ذلك مشاركاته المرتبطة بمناقشة الحرب على غزة.

ورغم أن وزارة الخارجية التركية لا تقدم في كل مناسبة صياغات رقمية مطولة حول الخسائر البشرية، فإن خطاب فيدان السياسي في الأشهر الأخيرة اتجه بوضوح إلى إبراز كلفة الحروب على المدنيين وضرورة وقف اتساعها. وهذا يتقاطع مع ما تؤكده الأمم المتحدة باستمرار: المدنيون لم يعودوا ضحايا جانبيين، بل باتوا في قلب المشهد القتالي.

بين الأرقام والواقع: ما الذي يجب متابعته؟

أهم ما يكشفه هذا الجدل حول رقم “كل 12 دقيقة” هو أن العالم يقترب من مرحلة يصبح فيها اختلاف الدقائق أقل أهمية من ضخامة المأساة نفسها. فعندما تتحدث الأمم المتحدة عن عشرات الآلاف من القتلى المدنيين في عام واحد، وعن نسب مرتفعة للأطفال والنساء، فإن الرسالة الأساسية تصبح واضحة: النظام الدولي الخاص بحماية المدنيين يواجه أزمة حقيقية.

وبالنسبة للمنطقة العربية، لا سيما من منظور مصري، فإن متابعة هذا الملف لا تتعلق بالتضامن الإنساني فقط، بل ترتبط أيضا بحسابات الأمن والاستقرار في الجوار العربي. فكلما طال أمد النزاعات، ازداد خطر اتساعها، وارتفعت كلفة إعادة الإعمار، وتعقدت فرص التسوية السياسية. ومن هنا، تبدو تصريحات فيدان جزءا من مشهد أوسع تسعى فيه قوى إقليمية ودولية إلى إعادة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن وقف الحروب قبل أن تتحول الخسائر البشرية إلى واقع يومي معتاد في الضمير العالمي؟

في المحصلة، يعكس تحذير وزير الخارجية التركي تصاعد القلق الدولي من اتساع النزاعات المسلحة وتآكل الضمانات المفترضة لحماية المدنيين. وبينما تختلف الصياغات بين خطاب سياسي وآخر، تبقى الحقيقة الثابتة أن العالم ما زال يسجل أرقاما صادمة في ضحايا الحروب، وأن المنطقة العربية تظل في قلب هذا المشهد، سواء من حيث المعاناة المباشرة أو من حيث السعي إلى تسويات توقف نزيف الأرواح.