هانا تيتيه تبحث في بنغازي مع صدام حفتر مسار التسوية بليبيا
لقاء في بنغازي يسلط الضوء على عقدة المرحلة الانتقالية في ليبيا
في تطور سياسي جديد يعكس استمرار الحراك الدولي حول الملف الليبي، عقدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه اجتماعاً في بنغازي مع الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام في الشرق الليبي، لبحث آخر المستجدات السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد. ويأتي اللقاء في توقيت حساس، بينما تحاول البعثة الأممية دفع الأطراف الليبية نحو خطوات عملية تفتح الطريق أمام الانتخابات وتخفف من حالة الانقسام المؤسسي الممتدة منذ سنوات.
وبحسب ما أعلنته المصادر الليبية والأممية، تناول الاجتماع التطورات المرتبطة بالعملية السياسية، إلى جانب الملفات الأمنية والاقتصادية التي باتت ترتبط مباشرة بفرص الاستقرار في ليبيا. كما أثنت تيتيه على ما وصفته الأمم المتحدة سابقاً بالانخراط البنّاء لوفد القيادة العامة في المناقشات المصغرة المرتبطة بخارطة الطريق الأممية، وهي المناقشات التي تستهدف تذليل العقبات أمام المسار الانتخابي.
ما الذي تركز عليه خارطة الطريق الأممية؟
التحرك الأممي الحالي لا يقتصر على الاتصالات البروتوكولية، بل يستند إلى خارطة طريق أعلنت تيتيه ملامحها أمام مجلس الأمن، وتقوم على ثلاثة محاور مترابطة: تهيئة مسار انتخابي قابل للتنفيذ، وتوحيد المؤسسات التنفيذية، وإطلاق حوار منظم واسع المشاركة لمعالجة قضايا الحوكمة والانقسام. وتضع البعثة ضمن أولوياتها المباشرة إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب معالجة النقاط الخلافية في الإطار القانوني والدستوري المنظم لأي استحقاق انتخابي مقبل.
هذه الأولويات ليست جديدة بالكامل، لكنها اكتسبت زخماً أكبر خلال 2026، بعدما أكدت إحاطات تيتيه أمام مجلس الأمن أن التقدم في أول مرحلتين من خارطة الطريق يظل شرطاً أساسياً قبل الانتقال إلى مراحل أوسع تتعلق بالحكومة الموحدة والانتخابات الوطنية. كما أوضحت البعثة أن الحوار المهيكل الذي جرى داخل ليبيا على مدى أشهر ناقش قضايا الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية، في محاولة لبناء أرضية توافقية أوسع من التفاهمات التقليدية بين المؤسسات المتنافسة.
لماذا يحظى اجتماع بنغازي بأهمية خاصة؟
تكمن أهمية اللقاء في أنه جرى في بنغازي، المدينة التي تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري للقيادة العامة في شرق ليبيا. كما أن التواصل المباشر بين البعثة الأممية وصدام حفتر يعكس إدراكاً دولياً بأن أي تقدم في الملف الليبي يحتاج إلى تفاهمات تشمل الفاعلين الأمنيين والعسكريين، وليس فقط المؤسسات السياسية الرسمية في طرابلس أو مجلسي النواب والدولة.
وكانت وكالة الأنباء الليبية قد أوردت في 8 سبتمبر 2025 أن تيتيه عقدت في بنغازي اجتماعاً منفصلاً مع صدام حفتر خُصص لمناقشة خارطة الطريق السياسية المقترحة من بعثة الأمم المتحدة، بما يشمل الانتخابات الوطنية وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية. كما شهد 10 فبراير 2026 اجتماعاً آخر بين تيتيه والمشير خليفة حفتر، جرى خلاله التشديد على استمرار التنسيق والحوار دعماً لجهود دفع العملية السياسية نحو الاستقرار الدائم. هذا التسلسل يوضح أن قنوات الاتصال بين البعثة الأممية والقيادة العسكرية في الشرق لم تنقطع، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من إدارة الملف الليبي.
الانتخابات في صلب المشهد.. لكن العقبات باقية
بالنسبة إلى القارئ المصري المتابع للشأن الليبي، تبدو القضية المركزية هنا هي: هل تقترب ليبيا فعلاً من الانتخابات؟ الإجابة لا تزال معقدة. فالأمم المتحدة تصر على أن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تمثل خطوة فنية وسياسية لا غنى عنها، لكن الخلافات بين المؤسسات الليبية حول آليات الاختيار والقواعد القانونية للانتخاب ما زالت تؤخر التنفيذ.
وفي إحاطاتها الأخيرة، أشارت تيتيه إلى أن بعض التفاهمات السابقة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لم تُنفذ كما كان مخططاً، بل زادت الإجراءات الأحادية من تعقيد المشهد وهددت وحدة المؤسسات نفسها. لذلك تحاول البعثة حالياً الاعتماد على مسارات موازية، منها الاجتماعات المصغرة والحوار المهيكل، أملاً في كسر الجمود الذي عطل الانتخابات منذ تعثر الاستحقاق المنتظر في ديسمبر 2021.
البعد الأمني والاقتصادي لا يقل أهمية
الاجتماع في بنغازي لم يقتصر على السياسة، بل شمل أيضاً الشقين الأمني والاقتصادي، وهما ملفان شديدا الحساسية في ليبيا. فتيتيه كانت قد حذرت في إحاطتها إلى مجلس الأمن يوم 18 أغسطس 2026 من أن الانقسام المؤسسي والإنفاق غير المنسق والاختلالات في إدارة الموارد العامة يفاقمون الضغوط على المواطنين. كما لفتت إلى أن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واستمرار التوترات الأمنية كلها عوامل تهدد الاستقرار وتؤثر على الخدمات العامة.
وفي الجانب الأمني، رصدت البعثة خلال الأشهر الماضية تطورات لافتة، من بينها لقاء رئيسي الأركان من الغرب والشرق في سرت يوم 12 يوليو 2026، وما تبعه من تفاهمات مرتبطة بالتنسيق الأمني والحدودي. كما تحدثت الأمم المتحدة عن خطوات لتعزيز التعاون عبر مراكز تنسيق في بنغازي وطرابلس وعمليات مشتركة في مناطق حدودية جنوبية. هذه المؤشرات لا تعني انتهاء الانقسام العسكري، لكنها تعكس محاولات لخفض المخاطر وبناء قنوات تنسيق ميداني.
ماذا يعني ذلك إقليمياً بالنسبة لمصر؟
من زاوية قسم أفريقيا وبالنظر إلى الاهتمام المصري الدائم بالاستقرار في الجوار الغربي، فإن أي تحرك يقرّب ليبيا من مؤسسات موحدة وانتخابات قابلة للتنفيذ يحمل أهمية مباشرة للأمن الإقليمي في شمال أفريقيا. فاستقرار ليبيا يرتبط بملفات الحدود، ومكافحة التهريب، وتدفقات الهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة، فضلاً عن فرص إعادة الإعمار والتبادل الاقتصادي في المنطقة.
ولهذا تتابع القاهرة، مثل بقية العواصم الإقليمية، المسار الأممي باهتمام واضح، خصوصاً حين ينتقل من مستوى البيانات العامة إلى مستوى التفاهمات العملية مع الأطراف المؤثرة على الأرض. واجتماع بنغازي يدخل في هذا السياق، لأنه يشير إلى استمرار الرهان على الحوار المباشر مع مراكز القرار الفعلية داخل ليبيا.
خلاصة المشهد
يمكن القول إن لقاء هانا تيتيه مع صدام حفتر لا يغيّر وحده قواعد اللعبة الليبية، لكنه يندرج ضمن سلسلة اتصالات أممية تسعى إلى تحويل خارطة الطريق من تصور سياسي إلى خطوات تنفيذية. وحتى الآن، تظل إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة الخلافات حول القوانين الانتخابية من أكثر الملفات إلحاحاً. وإذا نجحت هذه الجهود، فقد تفتح نافذة جديدة نحو استحقاق انتخابي طال انتظاره؛ أما إذا استمر التعثر، فستبقى ليبيا أسيرة المراحل الانتقالية والانقسام المؤسسي الذي يثقل كاهل الدولة والمواطن معاً.
- مكان الاجتماع: بنغازي
- أبرز المشاركين: هانا تيتيه، صدام حفتر
- أهم الملفات المطروحة: السياسة، الأمن، الاقتصاد، الانتخابات
- الأولوية الأممية الحالية: إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات
- السياق الأوسع: خارطة طريق أممية لتوحيد المؤسسات وتهيئة البلاد لانتخابات وطنية