Akhbar Cairo

هاني سويلم: أمن مصر المائي خط أحمر وإجراءات الدولة مفتوحة

رسالة سياسية تتجاوز حدود التصريح

حين يقول وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم إن مصر ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أمنها المائي، فالمسألة لا تبدو مجرد عبارة بروتوكولية في سياق سياسي عابر، بل تعكس تمسكًا رسميًا بمبدأ ثابت: المياه في مصر ليست ملفًا خدميًا فقط، بل قضية ترتبط بالأمن القومي، والاستقرار الاجتماعي، والقدرة على حماية الاقتصاد الزراعي والغذائي في بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه المتجددة.

أهمية هذا التصريح تتضاعف في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية. فالدولة المصرية تكرر، على لسان مؤسساتها المختلفة، أن التعامل مع ملف المياه يجمع بين مسارين متوازيين: أولهما الدفاع السياسي والقانوني عن الحقوق المائية المصرية في الأنهار الدولية، وثانيهما تسريع برامج الإدارة الرشيدة لكل قطرة مياه داخل الحدود المصرية. وقد أكد الوزير نفسه خلال الأسابيع الأخيرة أن مصر تتحرك وفق مقاربة متكاملة لتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة، عبر رفع كفاءة الاستخدام، والتوسع في إعادة استخدام المياه، وتحسين الإدارة الفنية للشبكات المائية.

ماذا نفهم من عبارة "جميع الإجراءات اللازمة"؟

في الخطاب الرسمي المصري، لا تُستخدم هذه الصياغة عادة بمعزل عن القانون الدولي أو الأطر الدبلوماسية. بيان رسمي حديث نشرته الهيئة العامة للاستعلامات أشار بوضوح إلى رفض مصر للإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي، مع التشديد على أن القاهرة ستتخذ كل ما يكفله القانون الدولي لحماية حقوقها والمصالح الحيوية لشعبها. هذا يعني أن الرسالة المصرية لا تنفصل عن فكرة الجمع بين الصلابة السياسية والغطاء القانوني، بدلًا من الاكتفاء بالشعارات أو ردود الفعل الانفعالية.

ومن زاوية تحليلية، فإن العبارة تحمل ثلاثة مستويات متداخلة:

  • مستوى دبلوماسي: إبقاء الضغط السياسي قائمًا في المحافل الإقليمية والدولية، والتأكيد أن أي ترتيبات تخص المياه المشتركة لا يمكن أن تُدار بقرارات أحادية.
  • مستوى قانوني: تثبيت موقف مصر باعتبار أن حماية الحقوق التاريخية والاستخدامات الحيوية للمياه يجب أن تتم وفق قواعد القانون الدولي الحاكم للأنهار العابرة للحدود.
  • مستوى داخلي تنفيذي: رفع كفاءة إدارة الشبكة المائية، ومواجهة التعديات، وتقليل الفواقد، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في التوزيع والمتابعة.

الأمن المائي في مصر: لماذا تزداد حساسيته؟

السبب الأساسي أن مصر من أكثر دول المنطقة تعرضًا للندرة المائية. وزير الري شدد في أكثر من مناسبة على أن البلاد تعتمد على نهر النيل في أكثر من 98% من مواردها المائية، وهي نسبة تعني عمليًا أن أي اضطراب في هذا المورد يترك أثرًا مباشرًا على الزراعة والشرب والتنمية. كما أوضح الوزير أن محدودية الموارد تتزامن مع طلب متزايد على المياه، وهو ما يفرض على الدولة انتهاج إدارة أكثر صرامة وابتكارًا للموارد المتاحة.

وهنا يبرز الفرق بين الخطاب التعبوي والخطاب المؤسسي. فالقاهرة لا تتحدث فقط عن الحقوق المائية في الخارج، بل تطرح في الداخل تصورًا عمليًا عنوانه "تعظيم العائد من المياه". السيرة الرسمية للدكتور هاني سويلم على موقع وزارة الموارد المائية والري تشير إلى أن الوزارة دفعت خلال فترة توليه إلى ما يسمى "الجيل الثاني لمنظومة الري 2.0"، وهي مقاربة تركز على التكنولوجيا، والتحول الرقمي، وتحديث البنية التحتية، ورفع كفاءة الاستخدام، في مواجهة آثار تغير المناخ والنمو السكاني والندرة المائية.

من التصريحات إلى السياسات: كيف تتحرك الدولة؟

إذا قرأنا تصريحات الوزير الأخيرة جنبًا إلى جنب مع ما تعلنه الوزارة، سنجد أن حماية الأمن المائي لم تعد محصورة في ملف التفاوض وحده، بل باتت شبكة سياسات واسعة تشمل:

  • إعادة استخدام المياه: وهي من الأدوات التي تؤكدها الوزارة باستمرار لتعويض جزء من الفجوة بين الموارد والاحتياجات.
  • التحول الرقمي: إذ وصف الوزير التحول الرقمي بأنه ركيزة أساسية لتطوير إدارة المياه، بما في ذلك التوسع في استخدام التكنولوجيا في الرصد والتوزيع والمتابعة.
  • الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والنمذجة: المركز القومي لبحوث المياه عرض مؤخرًا مشاركته في اجتماعات ناقشت تطوير توزيع المياه بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والإدارة وفق التصرفات بدلًا من المناسيب التقليدية.
  • حماية المجاري المائية من التعديات: الوزير أكد في سبتمبر 2026 استمرار حملات إزالة التعديات على نهر النيل وفرعيه، مع إعلان إزالة 186 مخالفة ضمن الحملة الوطنية، وبلوغ إجمالي الإزالات 1024 حالة حتى ذلك التاريخ.
  • الإدارة المستدامة للمياه الجوفية: الوزارة شددت كذلك على حوكمة استخدام المياه الجوفية، وتشديد العقوبات على الحفر غير المرخص حمايةً للخزانات العميقة غير المتجددة.

البعد الخارجي: لماذا يتمسك الخطاب المصري بالقانون الدولي؟

لأن القاهرة تحاول ترسيخ صورة واضحة أمام المجتمع الدولي: مصر ليست ضد التنمية في دول حوض النيل، لكنها ترفض أن تأتي التنمية على حساب الإضرار الجسيم باحتياجات شعبها المائية. هذا المعنى تكرر في لقاءات رسمية متعددة خلال سبتمبر 2026، من بينها التنسيق بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير الري هاني سويلم، حيث جرى التأكيد على أن سياسة مصر تجاه دول حوض النيل تقوم على التعاون والتنمية والمصلحة المشتركة، مع رفض الإجراءات الأحادية في الوقت نفسه.

هذه المعادلة مهمة للغاية في قراءة الرسالة المصرية: لا انسحاب من منطق التعاون، ولا قبول بإدارة أحادية لمورد مشترك. ومن هنا تبدو عبارة "حماية أمننا المائي" أكثر اتساعًا من مجرد رد على حدث آني؛ فهي تختصر استراتيجية مصرية طويلة النفس تحاول المواءمة بين الشراكة الإقليمية والتمسك بالحقوق.

هاني سويلم ودور الوزير التقني في معركة سياسية

الدكتور هاني سويلم لا يظهر في المشهد بوصفه مسؤولًا إداريًا فقط، بل باعتباره أيضًا أكاديميًا متخصصًا في الهيدرولوجيا وإدارة الموارد المائية، وهو ما تمنحه الوزارة مساحة واضحة في تقديم خطاب تقني مدعوم بمفاهيم الإدارة الحديثة للمياه. ووفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة، يحمل سويلم خلفية أكاديمية ومهنية ممتدة في مجالات إدارة المياه والتنمية المستدامة، وهو ما يفسر تركيزه المستمر على لغة الكفاءة والحوكمة والابتكار، إلى جانب اللغة السياسية المرتبطة بالحقوق السيادية.

ولم أتمكن من التحقق بشكل موثوق من حساب إنستغرام رسمي موثق للدكتور هاني سويلم، لذلك يرد اسمه هنا دون أي إشارة لحسابات اجتماعية التزامًا بالدقة.

ما الذي يعنيه ذلك للمواطن المصري؟

بالنسبة للقارئ المصري، قد تبدو ملفات المياه أحيانًا بعيدة عن الحياة اليومية، لكنها في الحقيقة تمس أسعار الغذاء، واستقرار الزراعة، وتخطيط المدن الجديدة، وقدرة شبكات الشرب والري على الاستجابة للضغط المتزايد. لذلك فإن أي حديث رسمي عن الأمن المائي لا ينبغي قراءته باعتباره شأنًا فنيًا مغلقًا، بل باعتباره عنوانًا لمعادلة أشمل: كيف تحافظ الدولة على حقها في المياه، وفي الوقت نفسه تعيد ترتيب أولويات الاستهلاك والإدارة داخل البلاد؟

ومن هنا يمكن فهم تصريح الوزير بوصفه رسالة مزدوجة. للخارج: مصر لن تتهاون في حقوقها المائية ولن تقبل فرض الأمر الواقع. وللداخل: حماية المياه لن تتحقق فقط بالمواقف السياسية، بل أيضًا بالانضباط في الإدارة، ومكافحة التعديات، والاستثمار في التكنولوجيا، وترشيد الاستخدام على مستوى الدولة والمجتمع.

في النهاية، فإن قوة العبارة التي أطلقها وزير الري لا تأتي من حدتها اللفظية، بل من السياق الذي تتحرك فيه. مصر تواجه ضغوطًا مائية متزايدة، لكنها تبني في الوقت نفسه سردية رسمية متماسكة قوامها أن الأمن المائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن حماية هذا الملف تستلزم أدوات تفاوضية وقانونية وفنية متزامنة. وبين الدبلوماسية والهندسة والإدارة، تبدو المعركة الحقيقية في السنوات المقبلة هي: كيف تضمن مصر حقها في النيل، بينما تعيد ابتكار نموذجها الداخلي في إدارة الندرة؟