Akhbar Cairo

هدنة بوتين القصيرة: مناورة تفاوض أم إشارة انفتاح؟

هدنة الأيام الثلاثة: لماذا اختارت موسكو هذا التوقيت؟

في واحد من أكثر تطورات الحرب الروسية الأوكرانية دلالةً على تداخل العسكري بالسياسي، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار لمدة 72 ساعة، يبدأ من منتصف ليل 8 مايو 2025 وينتهي عند منتصف ليل 11 مايو، تزامناً مع الذكرى الثمانين لـيوم النصر في روسيا. الكرملين قدّم الخطوة بوصفها إجراءً ذا طابع إنساني، ودعا أوكرانيا إلى المعاملة بالمثل، فيما اعتبرها خصوم موسكو محاولةً لإظهار الانفتاح على التهدئة من دون تقديم تنازل جوهري في جوهر الصراع.

القرار لم يأتِ في فراغ. ففي الأسابيع نفسها، كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدفع باتجاه تحريك الملف عبر اتصالات مباشرة وغير مباشرة مع موسكو وكييف، مع بروز اسم المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بصفته أحد الوجوه الأساسية في هذه القناة. وخلال لقاءات في موسكو، شكر بوتين مبعوثي ترامب على جهودهم، في إشارة إلى أن الكرملين لا يريد إغلاق الباب أمام المسار الأمريكي حتى لو ظل متمسكاً بشروطه الميدانية والسياسية.

بين واشنطن وموسكو: من هو الوجه الأبرز في المسار الأمريكي؟

في القراءة السياسية، لا يمكن فصل الهدنة المحدودة عن محاولة واشنطن اختبار مدى قابلية موسكو للذهاب إلى تفاهمات أوسع. البيت الأبيض كان قد أبرز دور ستيف ويتكوف، الذي أدى اليمين مبعوثاً خاصاً في مايو 2025، ضمن دائرة ترامب المعنية بملفات التفاوض الحساسة. ورغم أن اهتمام الرأي العام العربي ينصرف غالباً إلى العناوين الكبرى، فإن التفاصيل هنا مهمة: عندما يثني بوتين على مبعوثي ترامب، فهو يوجّه رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى واشنطن بأنه مستعد للحوار، والثانية إلى كييف وأوروبا بأن موسكو تفضّل التفاوض من موقع القوة لا من موقع التراجع.

هذا يفسر أيضاً لماذا بدت الهدنة قصيرة ومحددة زمنياً. فهي لا ترقى إلى وقف شامل للقتال، لكنها تمنح روسيا فرصة لإعادة تقديم نفسها دبلوماسياً كطرف لم يغلق نافذة التسوية. وفي الوقت نفسه، لا تُلزمها بقبول المقترحات الغربية والأوكرانية بشأن هدنة أطول وغير مشروطة.

كيف قرأت كييف الخطوة الروسية؟

أوكرانيا لم تتعامل مع الإعلان الروسي باعتباره تحولاً استراتيجياً. الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الذي واصل المطالبة بوقف كامل وغير مشروط لإطلاق النار، اعتبر أن الهدنات القصيرة لا تكفي إذا لم ترتبط بضمانات واضحة وآلية رقابة حقيقية. وفي 10 مايو 2025، أكدت كييف، بدعم من فرنسا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة، أن المطلوب هو وقف شامل وغير مشروط للنار لمدة لا تقل عن 30 يوماً، مع التلويح بعقوبات أشد على موسكو إذا رفضت.

من هذه الزاوية، تبدو المشكلة أبعد من مجرد إعلان هدنة. كييف ترى أن موسكو تستخدم الفواصل الزمنية القصيرة لترتيب رسائلها العسكرية والسياسية، بينما تريد أوكرانيا تحويل أي توقف في القتال إلى بداية مسار تفاوضي ملزم. الفارق بين المقاربتين كبير: روسيا تريد هدنة يمكن احتواؤها، وأوكرانيا تريد هدنة تُبنى عليها عملية سياسية أوسع.

ماذا حدث على الأرض خلال فترة التهدئة؟

المعضلة التقليدية في الحرب الأوكرانية عادت للظهور هنا أيضاً: الإعلان السياسي لا يضمن دائماً هدوء الجبهة. فبعد انتهاء الأيام الثلاثة، قال بوتين إن تلك الفترة شهدت محاولات هجوم على الحدود الروسية في مناطق كورسك وبلغورود، بينما ظلت الشكوك الأوكرانية والغربية قائمة بشأن مدى الالتزام الروسي الكامل. وهذا يعكس حقيقة باتت واضحة منذ سنوات الحرب: أي وقف إطلاق نار لا تحكمه آلية تنفيذ دقيقة يظل هشاً وقابلاً للتآكل السريع.

بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو هذا النمط مألوفاً من أزمات دولية أخرى: الإعلان عن تهدئة لا يعني بالضرورة الانتقال إلى تسوية. كثيراً ما تُستخدم الهدنات المحدودة لاختبار النيات، أو لتخفيف الضغط السياسي، أو لتحسين الشروط التفاوضية قبل الجولة التالية.

بوتين وترامب: تقاطع مصالح لا تطابق مواقف

المثير في هذه المرحلة أن ترامب نفسه تحدث آنذاك بإيجابية نسبية عن إمكانات التسوية، واعتبر أن إعلان وقف النار لثلاثة أيام، رغم محدوديته، يظل مؤشراً أفضل من غياب أي خطوة. لكن هذا لا يعني وجود تطابق كامل بين البيت الأبيض والكرملين. فالإدارة الأمريكية كانت تبحث عن اختراق سياسي سريع يثبت قدرتها على تحريك ملف استنزف الإدارات الغربية المتعاقبة، بينما كانت موسكو تحاول استثمار هذا الاندفاع الأمريكي من دون التخلي عن سرديتها الأساسية: أن أي سلام يجب أن يعترف بالوقائع التي فرضتها الحرب.

وهنا يكمن جوهر المشهد. بوتين لم يبدّل موقفه البنيوي، بل حاول تحسين صورته التفاوضية. أما ترامب، فكان يريد إظهار أن قنواته الشخصية ومبعوثيه قادرون على فتح ما عجزت عنه أدوات الضغط التقليدية. لذلك فإن الإشادة الروسية بمبعوثي ترامب لا تعني نجاحاً محسوماً، بل تعني أن موسكو رأت فائدة في الإبقاء على هذا المسار مفتوحاً.

لماذا يهم هذا التطور الشرق الأوسط ومصر؟

من منظور مصري وعربي، لا تتوقف أهمية الملف الأوكراني عند البعد الجيوسياسي المجرد. استمرار الحرب يضغط على أسواق الطاقة والحبوب وسلاسل الإمداد العالمية، وهي ملفات تمس الاقتصاد المصري بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما أن أي تقارب أمريكي روسي، ولو جزئي، ينعكس على خريطة التوازنات الدولية التي تتحرك داخلها قضايا الشرق الأوسط.

لهذا فإن خبر الهدنة القصيرة لا ينبغي قراءته بوصفه تفصيلاً عابراً. هو مؤشر على أن المعركة انتقلت، ولو مؤقتاً، من سؤال “من يتقدم ميدانياً؟” إلى سؤال “من يملك رواية السلام الأكثر إقناعاً؟”. روسيا تريد أن تقول إنها منفتحة، لكن بشروطها. وأوكرانيا تريد أن تقول إنها تقبل السلام، لكن ليس سلاماً يكرّس خسائرها. أما واشنطن، فتسعى إلى انتزاع إنجاز سياسي يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً.

هل كانت الهدنة خطوة نحو السلام؟

الإجابة الأقرب إلى الواقعية هي: ليس بعد. هدنة 8-10 مايو 2025 حملت قيمة رمزية وسياسية أكبر من قيمتها العسكرية. فقد منحت موسكو مساحة لتحسين خطابها الدبلوماسي، وأتاحت لواشنطن مواصلة اختبار القناة التفاوضية، لكنها لم تُنتج اختراقاً مستداماً. وبعدها بقليل، عاد الجدل نفسه حول شروط الهدنة الشاملة، والعقوبات، والضمانات، وترتيبات ما بعد وقف القتال.

في المحصلة، أظهر المشهد أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد صدام جبهات، بل صارت أيضاً معركة على تعريف السلام نفسه. وبين هدنة محدودة تشيد بها موسكو، وضغط أمريكي يريد نتائج أسرع، وموقف أوكراني يرفض التوقفات المؤقتة غير المضمونة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام بداية مسار تفاوضي جاد، أم أمام إدارة جديدة لحرب طويلة؟ حتى الآن، تبدو الكفة راجحة للخيار الثاني.

  • مدة الهدنة: 72 ساعة من 8 إلى 11 مايو 2025.
  • الدافع المعلن روسياً: اعتبارات إنسانية بالتزامن مع الذكرى الثمانين ليوم النصر.
  • الموقف الأوكراني: المطالبة بوقف شامل وغير مشروط لمدة 30 يوماً.
  • الدور الأمريكي: تحريك قنوات تفاوض عبر مبعوثين أبرزهم ستيف ويتكوف.
  • الخلاصة التحليلية: الهدنة كانت رسالة سياسية أكثر منها تحولاً حاسماً في الحرب.