هزة داخل الموساد بعد تعثر رهان تغيير النظام في إيران
تغييرات داخلية في الموساد تفتح باب الأسئلة
تتجه الأنظار في المنطقة إلى ما يتردد عن تغييرات حساسة داخل جهاز الموساد الإسرائيلي، بعدما تحدثت تقارير إعلامية إسرائيلية عن إقالة مسؤولين كبار على خلفية الإخفاق في تحقيق هدف سياسي وأمني كبير يتعلق بإيران. وبينما لم يصدر إعلان رسمي مفصل يكشف أسماء المقالين أو طبيعة ملفاتهم التشغيلية، فإن المؤكد أن رئيس الموساد الحالي رومان غوفمان تولى المنصب حديثًا هذا الصيف، في مرحلة شديدة الحساسية إقليميًا، ما يجعل أي تعديل في الهيكل القيادي للجهاز محل متابعة واسعة.
وبالنسبة للقارئ المصري، تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن أي اضطراب في تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجاه إيران ينعكس عادة على مجمل معادلات الشرق الأوسط، من مسار التهدئة والتصعيد إلى حسابات الردع، مرورًا بمواقف الولايات المتحدة وحلفاء إسرائيل. كما أن ملف إيران ظل خلال السنوات الأخيرة في صدارة خطاب الحكومة الإسرائيلية، سواء على مستوى البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي أو الحرب الاستخباراتية المفتوحة بين الطرفين.
من هو رومان غوفمان؟
التحقق من المعلومات المتاحة عبر مصادر إسرائيلية ودولية يُظهر أن رومان غوفمان تولى رسميًا رئاسة الموساد في 2 يونيو 2026، خلفًا لدافيد برنياع، بعد موافقات مؤسسية وقضائية سبقت تسلمه المنصب. وكان غوفمان قبل ذلك يشغل منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما جعله محسوبًا على الدائرة القريبة من مكتب رئيس الحكومة.
وتشير تغطيات متعددة إلى أن تعيينه منذ البداية أثار نقاشًا داخل إسرائيل بسبب خلفيته العسكرية أكثر من الاستخباراتية، وكذلك بسبب قربه السياسي والإداري من نتنياهو. هذا السياق مهم لفهم لماذا تُقرأ أي خطوة يقوم بها داخل الموساد على أنها ليست مجرد إعادة تنظيم إدارية، بل قد تكون أيضًا محاولة لإعادة تشكيل مركز الثقل داخل الجهاز بما يتوافق مع رؤية القيادة السياسية الحالية.
سوابق مبكرة في إعادة تشكيل القيادة
الحديث عن إبعاد مسؤولين كبار ليس سابقة مع غوفمان. فبعد أيام قليلة من توليه المنصب، أفادت تقارير إسرائيلية بأنه أقال نائب رئيس الموساد، في خطوة وُصفت حينها بأنها أول تحرك كبير لإعادة رسم القيادة العليا داخل الجهاز. كما نقلت تقارير أخرى أن هذه القرارات قوبلت بانتقادات داخلية لأن الرئيس الجديد لا يمتلك خبرة طويلة من داخل المؤسسة نفسها مقارنة ببعض القادة المهنيين الذين أُبعدوا أو جرى تهميشهم.
هذا المسار يعطي وزنًا إضافيًا للأنباء الجديدة بشأن إقالة مسؤوليْن بارزين آخرين، لأن الصورة هنا لا تبدو معزولة، بل جزءًا من سلسلة تغييرات متلاحقة يقودها غوفمان منذ الأسابيع الأولى لولايته. وحتى مع غياب بيان رسمي يشرح الأسباب بدقة، فإن تكرار عمليات الإبعاد في قمة الهرم القيادي يوحي بوجود مراجعة حادة للأداء في ملف إيران تحديدًا.
ما الذي يمكن تأكيده بشأن ملف إيران؟
المصادر المفتوحة المتاحة حاليًا تؤكد أن إيران تحتل موقعًا مركزيًا في عمل الموساد وفي خطاب نتنياهو السياسي. وخلال مراسم تسلم غوفمان منصبه في يونيو 2026، نُقل عن نتنياهو أنه طلب منه المساعدة في إسقاط النظام الإيراني، وهو ما يعكس أن هذا الهدف لم يكن مجرد تحليل إعلامي عابر، بل جزء من السقف السياسي الذي طُرح علنًا في إسرائيل خلال تلك المرحلة.
لكن ما لا يمكن الجزم به من خلال المصادر المتاحة علنًا هو التفاصيل التشغيلية الدقيقة التي قادت إلى الإخفاق المزعوم، أو ما إذا كانت الإقالات الجديدة مرتبطة بعملية محددة، أم بفشل أوسع في بناء تقدير استخباراتي وسياسي بشأن فرص زعزعة النظام الإيراني من الداخل. لذلك، من الأدق صحفيًا القول إن هناك تقارير إسرائيلية عن إقالات مرتبطة بملف إيران، في ظل خطاب سياسي إسرائيلي رفع سقف التوقعات إلى مستوى تغيير النظام، دون أن تتوافر حتى الآن إفادات رسمية كاملة تكشف أسماء المقالين أو حيثيات القرار بالتفصيل.
لماذا تبدو هذه التطورات مهمة إقليميًا؟
أهمية هذه التحركات لا تتوقف عند الشأن الإسرائيلي الداخلي. فحين يهتز جهاز بحجم الموساد في الملف الإيراني، فإن ذلك قد يعني واحدًا أو أكثر من السيناريوهات التالية: مراجعة تقديرات سابقة، أو صراعًا بين المستويين السياسي والمهني، أو تمهيدًا لسياسات أكثر هجومية أو أكثر حذرًا في المرحلة المقبلة. وكل احتمال من هذه الاحتمالات له أثر مباشر على المنطقة، خصوصًا مع استمرار التشابك بين ملف إيران النووي، وشبكات النفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة والطاقة.
ومن زاوية المتابعة المصرية، فإن أي إعادة ترتيب داخل الأجهزة الإسرائيلية المعنية بإيران تستحق الرصد، لأن تداعياتها قد تنعكس على الإقليم الأوسع، بما فيه حسابات التهدئة، وحدود المواجهة غير المباشرة، وطبيعة الرسائل المتبادلة بين تل أبيب وطهران عبر الساحات المختلفة. كما أن تعثر رهان كبير مثل تغيير النظام، إذا ثبتت صلته بهذه الإقالات، قد يدفع دوائر القرار في إسرائيل إلى إعادة تقييم حدود القوة الاستخباراتية وحدها في حسم ملفات سياسية معقدة. وهذا استنتاج تحليلي يستند إلى مسار التغييرات المعلنة وطبيعة الخطاب السياسي المحيط بها.
بين الغموض الرسمي والرسائل السياسية
حتى الآن، لا توجد في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها إفصاحات رسمية كاملة من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أو الموساد تتناول بالتفصيل خبر إقالة رئيسة إدارة الاستخبارات ورئيس قسم إيران بالأسماء والوظائف الدقيقة. لكن المؤكد أن غوفمان يقود بالفعل عملية إعادة تشكيل داخلية منذ توليه المنصب، وأن ملف إيران يقف في صدارة أولويات الموساد والحكومة الإسرائيلية.
- تولى رومان غوفمان رئاسة الموساد في 2 يونيو 2026.
- سبق أن أقال نائب رئيس الجهاز بعد أيام من بدء ولايته.
- إيران تبقى الملف الأبرز في خطاب القيادة الإسرائيلية تجاه الموساد.
- تفاصيل الإقالات الأخيرة ما زالت محدودة في المصادر العلنية المتاحة حتى الآن.
الخلاصة أن ما يجري داخل الموساد يبدو أكبر من مجرد تنقلات إدارية عادية. نحن أمام جهاز يخضع لإعادة تشكيل في توقيت إقليمي شديد التعقيد، ورئيس جديد يرتبط اسمه مباشرة برئيس الوزراء الإسرائيلي، وملف إيراني فشل الوصول فيه إلى أهداف قصوى جرى التلميح إليها أو التصريح بها علنًا. وبين الغموض الأمني والرسائل السياسية، تبقى الأيام المقبلة كفيلة بإظهار ما إذا كانت هذه الإقالات بداية لتصحيح داخلي محدود، أم مؤشرًا إلى أزمة أعمق في تقدير إسرائيل لقدرتها على هندسة المشهد الإيراني من الخارج.