Akhbar Cairo

هل أعادت «حلميش» إحياء الإعدام في إسرائيل؟

من «حلميش» إلى الكنيست: كيف عاد ملف الإعدام إلى صدارة السياسة الإسرائيلية؟

إعادة استدعاء عملية «حلميش» في الخطاب السياسي الإسرائيلي لا تبدو مجرد استرجاع لحادثة أمنية قديمة، بل تحولت إلى أداة ضغط داخل معسكر اليمين لدفع أجندة أشد تطرفاً في ملف العقوبات. فالهجوم الذي وقع في مستوطنة حلميش، المعروفة أيضاً باسم «نيفيه تسوف»، يوم 21 يوليو/تموز 2017، وأسفر عن مقتل ثلاثة من أفراد عائلة سولومون وإصابة رابعة، عاد إلى الواجهة بوصفه مثالاً تستند إليه الدعوات الإسرائيلية لتوسيع استخدام عقوبة الإعدام في القضايا المصنفة «إرهاباً». وتشير مصادر إسرائيلية رسمية وتقارير منشورة آنذاك إلى أن الضحايا كانوا يوسف سولومون ونجليه حايا/حياة وإلعاد سولومون، بينما أُصيبت توفا سولومون بجروح خطيرة، ونُسب الهجوم إلى عمر العبد من قرية كوبر قرب رام الله.

الجديد هذه المرة ليس الواقعة نفسها، بل توظيفها ضمن معركة تشريعية وسياسية أوسع يقودها اليمين الإسرائيلي المتشدد. ففي 30 مارس/آذار 2026 صادقت الهيئة العامة للكنيست في القراءتين الثانية والثالثة على ما سمّته «قانون عقوبة الإعدام للمخربين»، بأغلبية 62 نائباً مقابل 48 وامتناع عضو واحد. ووفق الصياغة التي نشرها الكنيست، يتيح القانون فرض عقوبة الإعدام على مقيم في الضفة الغربية يتسبب عمداً في وفاة شخص في «عمل إرهابي»، مع استثناء المواطنين الإسرائيليين أو المقيمين في إسرائيل من هذا المسار القضائي العسكري تحديداً، إلا إذا رأت المحكمة العسكرية ظروفاً خاصة تبرر السجن المؤبد بدلاً من الإعدام.

بن غفير يدفع إلى أقصى اليمين

في هذا الملف، يصعب فصل القانون عن بصمة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير. الرجل، الذي جعل من التشدد الأمني عنواناً دائماً لحضوره السياسي، ضغط منذ سنوات باتجاه تشريع يجعل الإعدام جزءاً من «الردع» الإسرائيلي. وخلال مناقشات لجنة الأمن القومي في الكنيست أواخر 2025، ظهر بن غفير كأبرز المدافعين عن الفكرة، معتبراً أن لا مانع أمام تنفيذها، فيما كشفت محاضر ونشرات الكنيست عن اعتراضات من جهات أمنية وقانونية إسرائيلية، بينها ممثلون عن أجهزة أمنية، على الصيغة النهائية للقانون. هذا يعني أن الجدل داخل إسرائيل لم يكن بين اليمين والمعارضة فقط، بل امتد إلى داخل المؤسسة نفسها بين من يرى في القانون رسالة سياسية ومن يعتبره عبئاً قانونياً وأمنياً.

من زاوية تحليلية، يستخدم بن غفير هذا النوع من الملفات لتثبيت موقعه داخل القاعدة اليمينية الأكثر تطرفاً، خصوصاً في القضايا التي تمس الفلسطينيين في الضفة الغربية. فالقانون، كما صيغ، لا يُقرأ فقط باعتباره تشديداً جنائياً، بل باعتباره جزءاً من هندسة سياسية ترسم فرقاً واضحاً بين منظومتين قضائيتين: واحدة للمستوطنين والإسرائيليين، وأخرى للفلسطينيين الواقعين تحت الحكم العسكري. ولهذا السبب تحديداً أثار القانون انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وخبراء أمميين رأوا أنه يفتح الباب أمام تطبيق تمييزي لعقوبة لا رجعة فيها.

وماذا عن نتنياهو؟

بنيامين نتنياهو، الذي يبقى الشخصية المركزية في المشهد، تعامل مع ملف الإعدام ببراغماتية سياسية أكثر من كونه التزاماً عقائدياً خالصاً. فتمرير هذا القانون لبّى مطلباً قديماً لحلفائه في اليمين القومي والديني، وفي مقدمتهم حزب «عوتسما يهوديت» الذي ينتمي إليه بن غفير، كما سمح لنتنياهو بالحفاظ على تماسك ائتلافه في لحظة سياسية شديدة الحساسية. ومن ثم فإن «بحث إمكانية التنفيذ» لا ينفصل عن حسابات إدارة الائتلاف بقدر ما يرتبط بخطاب الردع. حضور نتنياهو في خلفية هذا المسار كان حاسماً سياسياً حتى لو لم يكن هو صاحب المبادرة التشريعية المباشرة، إذ إن الرعاة الرسميين للقانون في الكنيست كانوا ليمور سون هار ميليخ من «عوتسما يهوديت» ونيسيم فاتوري من «الليكود».

لكن المشكلة أمام نتنياهو لا تبدأ عند إقرار النص، بل عند سؤال التطبيق. فإسرائيل، رغم وجود عقوبة الإعدام في بعض القوانين الاستثنائية، لم تنفذ حكماً بالإعدام منذ إعدام أدولف أيخمان عام 1962. وحتى التغطيات الغربية الأحدث التي واكبت إقرار القانون شددت على أن الدولة العبرية لم تستخدم هذه العقوبة منذ ذلك التاريخ، ما يجعل الانتقال من التشريع إلى التنفيذ مسألة شديدة الحساسية داخلياً وخارجياً.

لماذا تُعد «حلميش» مفيدة سياسياً لهذا الجدل؟

عملية حلميش توفر لليمين الإسرائيلي مادة رمزية قوية: حادثة دموية واضحة، عائلة مدنية، وذاكرة عامة قابلة للاستدعاء العاطفي في كل مرة يُراد فيها تبرير تشديد العقوبات. لذلك فإن إعادة طرحها لا تهدف فقط إلى النقاش القانوني، بل إلى بناء سردية تقول للناخب الإسرائيلي إن الردع السابق لم يعد كافياً، وإن الوقت حان للانتقال إلى أقصى درجات العقوبة. هنا تتحول القضية من سؤال: «هل يردع الإعدام؟» إلى سؤال آخر أكثر نفعاً انتخابياً: «من الأكثر حزماً في حماية الإسرائيليين؟».

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن الأهم في هذا الجدل ليس فقط ما تقوله إسرائيل عن الأمن، بل ما يكشفه النقاش عن طبيعة التحول السياسي داخلها. فحين تصبح عقوبة الإعدام جزءاً من المزايدة بين مكونات اليمين، فهذا يعكس انتقال الخطاب الإسرائيلي من إدارة الصراع إلى إنتاج أدوات أكثر قسوة في التعامل معه. كما أن ربط القانون بالضفة الغربية تحديداً يكشف أن المسألة ليست جنائية بحتة، بل مرتبطة ببنية الاحتلال ونظامه القانوني المزدوج.

العقبات القانونية والسياسية أمام التنفيذ

رغم إقرار القانون ونشره ضمن سجل القوانين، فإن تنفيذه العملي لا يبدو مسألة تلقائية. فالنص نفسه أثار اعتراضات تتعلق بتعريفات واسعة وفضفاضة لـ«الإرهاب»، وبإمكان فرض العقوبة بأغلبية قضائية بسيطة في بعض السياقات العسكرية، وهي نقاط أثارها خبراء أمميون في مراسلات علنية قبل إقرار القانون النهائي. كما أن معارضي القانون داخل إسرائيل حذروا من أنه قد يعرّض ضباطاً وقائمين على تنفيذ الأحكام لملاحقات أو انتقادات دولية، فضلاً عن أنه قد يعقّد أي مفاوضات تبادل أسرى مستقبلاً.

  • أولاً: القانون أُقر بالفعل في 30 مارس/آذار 2026، ولم يعد مجرد مشروع سياسي.
  • ثانياً: تطبيقه يتركز بصورة أساسية على الفلسطينيين في الضفة الغربية ضمن إطار المحاكم العسكرية.
  • ثالثاً: سجل إسرائيل الحديث يخلو عملياً من تنفيذ الإعدام منذ 1962، ما يجعل التنفيذ الفعلي اختباراً غير مسبوق في العصر الحديث.
  • رابعاً: الجدل حول القانون يتجاوز الأمن إلى صراع نفوذ داخل اليمين الإسرائيلي نفسه.

خلاصة المشهد

ما فتحه استدعاء «حلميش» ليس باباً قانونياً فقط، بل باباً سياسياً واسعاً على مستقبل الخطاب الإسرائيلي. بن غفير يدفع نحو تحويل أقصى العقوبات إلى عنوان دائم للحكم، ونتنياهو يوظف الملف لتثبيت توازناته داخل الائتلاف، بينما يبقى السؤال الأكبر: هل الهدف الحقيقي هو التنفيذ، أم استخدام شبح الإعدام كأداة تعبئة داخلية ورسالة سياسية إلى الجمهور الإسرائيلي؟ المؤكد حتى الآن أن القضية تجاوزت حدود حادثة وقعت في يوليو/تموز 2017، وأصبحت مرآة لتحول أعمق في إسرائيل نحو تشريعات أكثر تشدداً وتمييزاً، وهو تحول ستكون له انعكاسات قانونية وسياسية تتجاوز الساحة الإسرائيلية نفسها.