Akhbar Cairo

هل تتجه واشنطن لتوسيع المواجهة مع إيران؟

بين التسريب والقرار: ماذا يعني الحديث عن توسيع العمليات الأمريكية؟

الحديث عن احتمال توسيع الولايات المتحدة عملياتها ضد إيران لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تفصيل عسكري عابر، بل كمؤشر على أن واشنطن ما زالت ترى أن أدوات الردع الحالية قد لا تكون كافية لفرض قواعد اشتباك جديدة. الفكرة الأساسية هنا ليست فقط زيادة الضربات، بل توسيع بنك الأهداف، ورفع كلفة التحرك الإيراني، وإيصال رسالة بأن أمن الممرات البحرية والقواعد الأمريكية في الخليج لم يعد ملفًا قابلًا للاحتواء بالردود المحدودة.

المعطيات المتاحة من تغطيات أمريكية حديثة تشير إلى أن المؤسسة العسكرية الأمريكية ناقشت بالفعل خيارات أوسع في سياق المواجهة مع إيران، مع تركيز على منشآت عسكرية وبنية اتصالات ودفاعات جوية وقدرات مرتبطة بالطائرات المسيّرة وزراعة الألغام. كما أن تقارير منشورة خلال 2026 تحدثت عن استنزاف الذخائر الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي، وعن صعوبة خوض حملة ممتدة من دون أثمان تشغيلية واستراتيجية مرتفعة.

قيود القوة: لماذا لا يبدو التصعيد قرارًا سهلاً؟

رغم التفوق العسكري الأمريكي، فإن أي توسع في الحرب يظل محكومًا بثلاثة قيود رئيسية. أولها الذخائر، خاصة صواريخ الاعتراض وأنظمة الدفاع الجوي عالية الكلفة مثل باتريوت وTHAAD، وهي ذخائر أثيرت حولها مخاوف في تقارير أمريكية خلال العام الجاري مع تسارع وتيرة الاستخدام. ثانيها الدفاع الجوي وحماية القواعد، لأن أي حملة أوسع ستستدعي تحصينًا إضافيًا للقوات والقواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا. أما القيد الثالث فهو القوات نفسها، إذ إن توسيع العمليات لا يعني بالضرورة اجتياحًا بريًا، لكنه يفرض متطلبات أعلى من حيث الانتشار والجاهزية واللوجستيات.

هذا يفسر لماذا تميل واشنطن، في كثير من الحالات، إلى توسيع الضربات الجوية والبحرية تدريجيًا بدل الذهاب إلى حرب شاملة دفعة واحدة. التوسع المحسوب يسمح بزيادة الضغط من دون تحمّل تكلفة الاحتلال أو الانخراط البري طويل المدى؛ لكنه في المقابل يحمل خطرًا معروفًا في الشرق الأوسط: أن يتحول “التدرج” إلى انزلاق يصعب وقفه لاحقًا.

الواقع الميداني: من حماية الملاحة إلى اختبار الردع

التطورات التي شهدها 2026 رفعت منسوب المخاوف الدولية بشأن مضيق هرمز وحرية الملاحة. تقارير دولية وأمريكية تحدثت عن ضربات أمريكية استهدفت قدرات إيرانية مرتبطة بالمراقبة والاتصالات والدفاع الجوي وزراعة الألغام، في سياق الرد على ما وصفته واشنطن بتهديدات للملاحة التجارية. وفي المقابل، أظهرت التطورات الأخيرة أن طهران ما زالت قادرة على الرد غير المتماثل، سواء عبر الضغط البحري أو استهداف المصالح الأمريكية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

من منظور تحليلي، لا يدور الصراع فقط حول من يملك قوة نارية أكبر، بل حول من يستطيع إرهاق خصمه سياسيًا واقتصاديًا. الولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات واسعة، لكن إيران تراهن عادة على عامل الزمن، وعلى حساسية أسواق الطاقة، وعلى هشاشة الإقليم أمام أي اضطراب طويل. لذلك فإن توسيع العمليات قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه لا يضمن تلقائيًا حسمًا استراتيجيًا.

هل الهدف إسقاط القدرة الإيرانية أم إعادة رسم قواعد الاشتباك؟

السؤال الأهم ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على التوسع، بل لماذا قد تفعل ذلك. إذا كان الهدف هو شلّ جزء من القدرات الإيرانية المرتبطة بالهجمات البحرية أو الصاروخية، فقد تكون الحملة المحدودة مفهومة. أما إذا تحول الهدف إلى فرض تغيير جذري في السلوك الإيراني عبر الاستنزاف المستمر، فإن التكلفة سترتفع على الجميع، من أسواق النفط إلى أمن الخليج إلى حركة التجارة العالمية.

الأرجح أن الإدارة الأمريكية، ومعها البنتاغون، تفكر في توسيع مدروس لا في حرب مفتوحة بلا سقف. لكن حتى هذا السيناريو “المحدود” يظل شديد الخطورة، لأن كل جولة جديدة تخلق احتمالًا أعلى لخطأ حسابي، أو لسقوط قتلى أمريكيين بأعداد أكبر، أو لضربة تطال بنية تحتية حساسة في الخليج، بما يدفع إلى ردود أوسع من المخطط لها.

لماذا يهم هذا القارئ المصري؟

بالنسبة إلى مصر، لا تبدو الأزمة بعيدة جغرافيًا أو سياسيًا. أي تصعيد أمريكي-إيراني واسع ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة، وتكلفة الشحن، وسلاسل الإمداد، ومناخ الاستثمار، فضلًا عن تأثيره على الملفات الأمنية الإقليمية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر. وكلما ارتفعت المخاطر في هرمز، زادت الضغوط على التجارة الدولية، بما ينعكس على اقتصادات المنطقة كلها.

كما أن القاهرة تنظر عادة إلى مثل هذه الأزمات من زاوية أوسع: منع انزلاق المنطقة إلى حرب متعددة الجبهات. وهذا ما يفسر تمسك الدبلوماسية المصرية، خلال 2026، بخطاب يدعو إلى خفض التصعيد، والحفاظ على أمن الملاحة، والتوصل إلى تفاهمات سريعة بين واشنطن وطهران بدل ترك الميدان يفرض إيقاعه على السياسة.

الموقف المصري: أولوية التهدئة ومنع الانفجار الإقليمي

المواقف الرسمية المصرية خلال الأشهر الماضية اتسمت بقدر كبير من الثبات. فقد رحبت القاهرة، في أكثر من بيان رسمي خلال 2026، بالخطوات الهادفة إلى وقف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وشددت على أولوية الحلول السياسية والحوار، وعلى ضرورة تجنب انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر. كما أكدت وزارة الخارجية المصرية أهمية التوصل إلى اتفاق سريع يراعي شواغل دول المنطقة، وعلى رأسها الأمن والاستقرار وحرية الملاحة.

هذه اللغة ليست دبلوماسية إنشائية بقدر ما هي تعبير عن مصلحة مصرية مباشرة. فالقاهرة تعرف أن اتساع الصراع لن يبقى محصورًا بين واشنطن وطهران، بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد الإقليمي، وإلى حسابات الأمن العربي، وربما إلى أولويات القوى الكبرى نفسها في الشرق الأوسط.

خلاصة المشهد: التصعيد ممكن، لكن كلفته أعلى مما يبدو

التسريبات عن دراسة واشنطن توسيع الحرب على إيران تبدو منسجمة مع مناخ استراتيجي متوتر، ومع واقع ميداني شهد بالفعل ضربات أمريكية إضافية وأزمات متكررة مرتبطة بالملاحة والقواعد العسكرية. لكن إمكان التوسع لا يعني سهولة تنفيذه. فهناك حدود تفرضها الذخائر، والدفاع الجوي، والانتشار العسكري، كما تفرضها حسابات الداخل الأمريكي والخوف من حرب طويلة في الشرق الأوسط.

من هنا، فإن القراءة الأرجح هي أن الولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بخيار التوسيع كأداة ضغط وردع، لا كخطة مضمونة النتائج. أما إيران، فستحاول بدورها إظهار أن كلفة هذا الخيار ستكون إقليمية ودولية لا أمريكية فقط. وبين الطرفين، تظل المنطقة كلها، ومصر ضمنها، معنية أكثر من أي وقت مضى بوقف الانزلاق، لأن الحرب حين تتمدد نادرًا ما تبقى داخل حدود من بدأها.