هل تتحرك إسرائيل منفردة ضد إيران لتفادي ورطة أمريكية؟
بين تهدئة واشنطن واندفاع تل أبيب
يعيد التصعيد المتجدد حول إيران طرح سؤال قديم بصياغة أكثر إلحاحًا: هل يمكن أن تختار إسرائيل تنفيذ هجمات منفردة إذا رأت أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة للذهاب إلى جولة عسكرية جديدة الآن؟ في ظاهر المشهد، تبدو واشنطن وتل أبيب على جبهة واحدة ضد طهران، لكن القراءة الأعمق تكشف تباينًا واضحًا في التوقيت والأولويات. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذكر هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة لن تستأنف ضربات عسكرية واسعة ضد إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في وقت واصلت فيه إدارته الإبقاء على أدوات ضغط أخرى، بينها العقوبات والانتشار العسكري البحري.
هذه المفارقة تهم القارئ المصري مباشرة، لأن أي انتقال من الردع إلى الحرب المفتوحة لن يبقى ملفًا أمريكيًا-إسرائيليًا داخليًا. تداعياته تمر عبر أمن الملاحة والطاقة، وأسعار الشحن، وموقع البحر الأحمر وقناة السويس في قلب سلاسل التجارة العالمية. ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل قادرة على التحرك وحدها، بل أيضًا ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتحمّل نتائج خطوة كهذه حتى لو لم تكن صاحبة قرارها الأول.
لماذا قد تفكر إسرائيل في الضربة المنفردة؟
السوابق موجودة. ففي 12 يونيو/حزيران 2025، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في بيان رسمي إن إسرائيل اتخذت «إجراءً أحاديًا» ضد إيران، وهو توصيف أمريكي بالغ الدلالة لأنه يثبت أن خيار التحرك الإسرائيلي المنفرد ليس فرضية نظرية فقط، بل مسارًا سبق الاعتراف به رسميًا من واشنطن.
ومن منظور حكومة بنيامين نتنياهو، فإن الاعتماد الكامل على الإيقاع الأمريكي يحمل مخاطر سياسية وأمنية. نتنياهو، الذي ظهر في لقاء رسمي مع ترامب في البيت الأبيض يوم 28 يوليو/تموز 2026، يدير الملف الإيراني باعتباره قضية مركزية في أمن إسرائيل وصورته السياسية معًا. وفي الأشهر الماضية، أظهرت تغطيات وتحليلات متعددة أن الأهداف الإسرائيلية لا تتطابق دائمًا مع أهداف البيت الأبيض؛ فإسرائيل تميل إلى تقليص هامش التعافي الإيراني عسكريًا، بينما تبدو واشنطن أكثر حساسية لكلفة الحرب الطويلة على الداخل الأمريكي والانتخابات.
هنا يصبح التحرك المنفرد أداة ضغط مزدوجة: ضغط على إيران، وضغط غير مباشر على الولايات المتحدة نفسها. فمجرد تنفيذ إسرائيل هجومًا كبيرًا قد يضع الإدارة الأمريكية أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما النأي بالنفس مع ما يحمله ذلك من أثر على صورة التحالف، أو الانجرار إلى حماية إسرائيل عسكريًا وسياسيًا بعد وقوع الضربة. وهذا بالضبط ما يجعل سيناريو «الضربة المنفردة لتجنيب أمريكا الحرب» يبدو مضللًا جزئيًا؛ إذ إن أي هجوم إسرائيلي واسع على إيران قد لا يمنع تورط واشنطن، بل ربما يؤجله لساعات أو أيام فقط.
حسابات ترامب: الانتخابات أولًا، لكن دون انسحاب
الرئيس دونالد ترامب، الذي يمكن الإشارة إليه أيضًا باسمه المتداول عالميًا دون الحاجة إلى افتراض حسابات تواصل غير مؤكدة، يحاول الفصل بين أمرين: تجنب تصعيد كبير قبل 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، والحفاظ في الوقت نفسه على صورة الرئيس الحازم. وكالة أسوشيتد برس ذكرت أن ترامب قال صراحة إن بلاده لن تستأنف الضربات قبل الانتخابات النصفية، فيما أفادت تقارير أخرى بأن الجيش الأمريكي تلقى توجيهات بالبقاء جاهزًا لاحتمال توجيه ضربات إذا تغير القرار السياسي.
بالمقابل، لم تُظهر واشنطن أي نية للتراجع الكامل. بل على العكس، تحدثت تقارير عن تحريك حاملة طائرات ثالثة وآلاف الجنود إلى الشرق الأوسط، بما قد يرفع الوجود البحري الأمريكي في المنطقة إلى مستوى استثنائي يتجاوز 20 ألف بحّار ومارينز ومئات الطائرات مع نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2026. كما ربطت تقارير أمريكية هذا الانتشار بفكرة الإبقاء على الضغط العسكري والنفسي على طهران، حتى في لحظة تجنب قرار الحرب الشاملة.
إذن، واشنطن لا تقول إنها خرجت من المواجهة، بل تقول عمليًا إنها تريد إدارة توقيتها. وهذه نقطة جوهرية في فهم السلوك الأمريكي: الامتناع المؤقت عن الضرب لا يعني قبولًا بعودة إيران إلى ما كانت عليه، وإنما يعكس أولوية انتخابية داخلية ورغبة في عدم إضافة صدمة جديدة للناخب الأمريكي في الأسابيع الأخيرة قبل الاقتراع.
ما الذي يمنع إسرائيل من الاندفاع؟
العامل الرادع الأول هو طبيعة الرد الإيراني المحتمل. تقارير منشورة خلال الأيام الماضية أشارت إلى أن طهران تلوّح برد أشد إذا عادت الهجمات الواسعة، وأنها تواصل في الوقت نفسه مسارًا دبلوماسيًا تعتبره ضعيف الحظوظ. كما أن تقديرات متداولة في واشنطن وتل أبيب تفترض أن أي ضربة كبيرة قد تستجلب وابلًا من الصواريخ الباليستية على إسرائيل، وهو ما يفسر القلق الإسرائيلي من أثر المواجهة على الجبهة الداخلية وعلى الحسابات السياسية داخل إسرائيل نفسها.
العامل الثاني هو أن إسرائيل، حتى عندما تتحرك منفردة ميدانيًا، تبقى مرتبطة بالولايات المتحدة استخباراتيًا ودفاعيًا ودبلوماسيًا. فوثائق وإفادات أمريكية رسمية سابقة تؤكد أن الولايات المتحدة ساعدت إسرائيل في اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية خلال هجمات سابقة في 2025. هذا يعني أن «الاستقلال العملياتي» لا يلغي «الاعتماد الاستراتيجي».
أما العامل الثالث فهو أن الحرب الطويلة لا تُقاس فقط بعدد الطلعات الجوية، بل بقدرة أي طرف على تحمّل الاستنزاف. وقد أظهرت تقارير أمريكية حديثة أن الصراع استنزف مخزونات صاروخية أمريكية وألقى بظلاله على الاقتصاد والسياسة في الداخل الأمريكي، بينما تعاني إيران بدورها من ضغوط اقتصادية حادة تحت وطأة الحصار والعقوبات والضغط البحري.
كيف تبدو الصورة من القاهرة؟
من منظور مصري، لا يمكن قراءة هذا الملف فقط باعتباره سجالًا بين ترامب ونتنياهو أو بين إسرائيل وإيران. أي اضطراب جديد في الخليج أو مضيق هرمز أو البحر الأحمر يعني فورًا ضغطًا على التجارة والطاقة والتأمين البحري. وهذه دوائر تمس الاقتصاد المصري مباشرة، سواء عبر كلفة الواردات أو حركة التجارة أو حساسية الأسواق تجاه المخاطر الجيوسياسية.
ولهذا، فإن أخطر ما في سيناريو الضربة المنفردة ليس الضربة نفسها، بل قابلية المنطقة للانزلاق السريع بعدها. فإذا تصرفت إسرائيل وحدها، فقد تحقق مكسبًا تكتيكيًا محدودًا، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع الولايات المتحدة إلى تدخل لاحق لا تريده قبل الانتخابات. وإذا أحجمت، فقد تُتهم داخل إسرائيل بأنها رهنت أمنها لحسابات صندوق الاقتراع الأمريكي. هذه هي المعضلة الحقيقية.
الخلاصة: ضربة منفردة ممكنة.. لكن الحرب لن تبقى منفردة
الترجيح الأقرب اليوم أن الفجوة بين واشنطن وتل أبيب تتعلق بالتوقيت أكثر من المبدأ. الولايات المتحدة ما زالت تمارس الضغط وتبقي قواتها في حالة جاهزية، لكنها لا تريد على الأرجح حربًا واسعة قبل 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. أما إسرائيل فتخشى أن يمنح الانتظار إيران فرصة لالتقاط الأنفاس أو إعادة التموضع.
لذلك، يبقى احتمال الهجوم الإسرائيلي المنفرد قائمًا من الناحية السياسية والعسكرية، خاصة مع وجود سابقة اعترفت بها واشنطن رسميًا في يونيو/حزيران 2025. لكن الأهم تحليليًا هو أن مثل هذه الضربة، إن حدثت، لن تعني بالضرورة تجنيب أمريكا الحرب؛ بل قد تكون مجرد الطريقة التي تبدأ بها مرحلة جديدة من التورط الأمريكي غير المباشر ثم المباشر. وفي شرق أوسط شديد الهشاشة، هذه ليست مناورة تكتيكية فحسب، بل مقامرة مفتوحة على أمن الإقليم كله.