هل تدفع حرب إيران العالم إلى موجة غلاء غذائي جديدة؟
من السياسة إلى الأسعار: لماذا يعود الغذاء إلى قلب الأزمة؟
يرى الدكتور عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن لحظات الصراع الإقليمي تكشف بوضوح كيف تتراجع أولوية الاستقرار الاقتصادي لدى بعض الأطراف عندما تتقدم الحسابات السياسية والعسكرية. هذه الفكرة لا تبدو نظرية فقط؛ فالتجارب الحديثة أظهرت أن الحروب في الشرق الأوسط لا تتوقف آثارها عند حدود الطاقة أو الملاحة، بل تمتد سريعًا إلى سلاسل الإمداد، وكلفة النقل، وأسعار الأسمدة، ثم إلى أسعار الغذاء التي يدفعها المستهلك في النهاية. ويشغل عادلي منصب أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC Egypt @auc_egypt على إنستغرام)، وفق بيانات الجامعة.
المسألة هنا ليست أن كل حرب تؤدي تلقائيًا إلى قفزة فورية ومتماثلة في أسعار الطعام، لكن الخطر الحقيقي يكمن في انتقال العدوى من أسواق الطاقة والشحن إلى الأسواق الزراعية. فحين ترتفع كلفة الوقود، ترتفع معها فاتورة الزراعة والتخزين والنقل والتأمين، وعندما تضيق ممرات التجارة أو تتزايد المخاطر الجيوسياسية، تصبح السلع الأساسية أكثر تعرضًا للتقلب حتى لو لم يكن هناك نقص فعلي في الإنتاج العالمي.
ماذا تقول المؤسسات الدولية عن أثر الحرب على الغذاء؟
البنك الدولي عاد أكثر من مرة خلال 2025 و2026 للتحذير من أن الصراع في الشرق الأوسط قد يخلق صدمة مزدوجة في أسواق السلع: طاقة أعلى تكلفة، وغذاء أكثر عرضة للتذبذب. وفي تحديثاته الأخيرة، أشار البنك إلى أن اضطرابات التجارة والإنتاج الناتجة عن الحرب في المنطقة ترفع المخاطر الصعودية على أسعار الغذاء، حتى لو ظلت توقعاته الأساسية تشير إلى زيادات أقل حدة من الصدمات التي أعقبت حرب أوكرانيا في 2022. كما أوضح أن أسعار الغذاء العالمية قد ترتفع خلال 2026 بنحو 2% إلى 2.5% في السيناريو الأساسي، مع بقاء المخاطر مائلة إلى الارتفاع إذا طال أمد الاضطراب أو بقي النفط فوق 100 دولار للبرميل لفترة ممتدة.
وفي تقرير Commodity Markets Outlook الصادر في أبريل 2026، أشار البنك الدولي إلى أن الزيادة في أسعار الغذاء خلال الشهر الأول من الحرب في الشرق الأوسط كانت أقل من القفزة المسجلة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن ذلك لا يلغي هشاشة الوضع، لأن قناة انتقال الأزمة هذه المرة تمر بقوة عبر الطاقة والأسمدة والشحن البحري. وإذا استمرت الاضطرابات التجارية والإنتاجية لما بعد منتصف العام، فإن المخاطر على الأمن الغذائي العالمي تتسع، لا سيما في الدول المستوردة الصافية للغذاء والطاقة.
مؤشر أسعار الغذاء: الصورة الآن ليست مطمئنة بالكامل
أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) تُظهر أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي بلغ 136.0 نقطة في سبتمبر 2026، مرتفعًا 1.5% عن أغسطس، وهو ما يعكس استمرار حساسية الأسواق العالمية لأي اضطراب في سلاسل التوريد أو تكاليف النقل والطاقة. صحيح أن هذا المستوى لا يساوي ذروة 2022، لكنه يؤكد أن التهدئة السعرية التي راهن عليها كثيرون ما زالت هشة وقابلة للارتداد.
لماذا تهم هذه التطورات القارئ في مصر؟
بالنسبة لمصر، لا يُقرأ أي تحرك في أسعار الغذاء العالمية بمعزل عن واقع الاقتصاد المحلي. فمصر من أكبر مستوردي السلع الغذائية الأساسية، كما أن أثر الأسعار الدولية لا ينتقل فقط عبر الواردات المباشرة، بل أيضًا من خلال كلفة الشحن، ومدخلات الإنتاج، وسعر الصرف، وتوقعات التجار والمستهلكين. لهذا فإن أي تصعيد إقليمي واسع يظل عامل ضغط حتى لو لم يظهر فورًا في شكل قفزة حادة داخل الأسواق المحلية.
البيانات المصرية الأخيرة تعطي صورة مركبة. فقد تراجع التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية إلى 13.9% في سبتمبر 2026 مقابل 14.5% في أغسطس، وفق ما نُشر استنادًا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. لكن على المستوى الشهري، قادت السلع الغذائية الزيادة، إذ ارتفع قسم الطعام والمشروبات بنسبة 3.2% في سبتمبر، مع قفزات لافتة في الخضروات بنسبة 15.1% إلى جانب زيادات في اللحوم والدواجن والفاكهة ومنتجات أخرى. هذه المفارقة مهمة: التضخم السنوي قد يتباطأ، لكن الصدمات الشهرية في الغذاء تبقى قادرة على إنهاك الأسر سريعًا.
كيف تنتقل صدمة الحرب إلى المائدة المصرية؟
هناك أربع قنوات رئيسية يمكن عبرها أن تصل تداعيات الحرب المرتبطة بإيران إلى أسعار الغذاء في مصر:
- الطاقة: ارتفاع النفط يرفع تكاليف الزراعة والنقل والتصنيع الغذائي محليًا وعالميًا.
- الأسمدة: الشرق الأوسط لاعب مهم في أسواق الأسمدة، وأي تعطّل في الإمدادات يضغط على تكلفة الإنتاج الزراعي عالميًا.
- الشحن والتأمين: تصاعد المخاطر في الممرات البحرية يرفع أجور النقل والتأمين، وهي كلفة تنعكس في النهاية على السلع المستوردة.
- التوقعات والمضاربة: حتى قبل حدوث نقص فعلي، يكفي ارتفاع درجة عدم اليقين كي يتحرك التجار والمستوردون للتحوط، بما يدفع الأسعار للصعود أو يزيد تقلبها. وهذا استنتاج تحليلي تدعمه طبيعة أسواق السلع في أوقات الأزمات.
هل نحن أمام تكرار لصدمة 2022؟
ليس بالضرورة. المقارنة مع 2022 تحتاج قدرًا من الحذر. فوفق البنك الدولي، فإن وفرة إنتاج الحبوب عالميًا خففت حتى الآن من احتمال تكرار انفجار سعري مماثل لما حدث بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. لكن الفارق أن العالم يدخل هذه الجولة الجديدة وهو أكثر إنهاكًا: نمو أضعف، سلاسل إمداد أكثر توترًا، وتمويل إنساني أقل، ودول نامية تعاني أصلًا من ضيق مالي وارتفاع كلفة الاقتراض. لذلك قد تكون الزيادة في الأسعار أقل من حيث النسبة، لكنها أشد وطأة على البلدان الهشة والمستهلكين ذوي الدخل المحدود.
الزاوية المصرية: ماذا ينبغي مراقبته؟
في الحالة المصرية، لا يكفي مراقبة السعر العالمي للقمح أو الزيوت فقط. الأهم هو متابعة مجموعة مؤشرات مجتمعة:
- اتجاهات النفط والشحن البحري لأنها تؤثر على كلفة الاستيراد والإنتاج المحلي.
- تطورات التضخم الشهري للغذاء لأنها تكشف أثر الصدمة أسرع من الأرقام السنوية العامة.
- تقديرات البنك المركزي المصري، الذي أشار بالفعل إلى سيناريوهات محتملة لتطور الصراع الإقليمي وانعكاساته على الأسعار خلال السنة المالية 2026/2027.
- قدرة الدولة على امتصاص الصدمات عبر إدارة المخزون، وتنويع المناشئ، وتخفيف اختناقات السوق المحلية، وهي عوامل تحدد مقدار انتقال السعر العالمي إلى المستهلك المصري.
خلاصة الرأي
جوهر تحذير عمرو عادلي ليس مجرد توقع ارتفاع جديد في الأسعار، بل التنبيه إلى منطق أوسع: عندما تتصدر الأهداف السياسية والعسكرية المشهد، يصبح الاقتصاد تابعًا للأزمة لا محددًا لها. وفي عالم مترابط، لا تبقى الحرب مسألة جيوسياسية بعيدة؛ فهي قد تبدأ من مضيق أو منشأة أو قرار عسكري، لكنها تنتهي سريعًا في فواتير الغذاء داخل البيوت. بالنسبة لمصر، قد لا تكون الصدمة العالمية حتمية بالمعنى المباشر، لكنها تظل احتمالًا جديًا يستحق المتابعة الدقيقة، خاصة مع بقاء التضخم الغذائي أحد أكثر الملفات حساسية لدى الأسر والأسواق وصناع السياسات.