هل تراهن كييف على بكين؟ قراءة في رسالة زيلينسكي الأخيرة
رسالة كييف إلى بكين: لماذا الآن؟
في توقيت شديد الحساسية من الحرب الروسية الأوكرانية، عاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (@zelenskyy_official على إنستغرام) إلى توجيه رسالة سياسية واضحة إلى الصين، مفادها أن كييف تتطلع إلى تعاون أوسع مع بكين، وإلى دور دبلوماسي أكثر قوة للمساعدة في إنهاء الحرب. أهمية هذه الرسالة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها أيضاً، إذ جاءت بينما تواصل أوكرانيا البحث عن أي نافذة تفاوضية يمكن أن تخفف كلفة الحرب الممتدة منذ فبراير 2022.
اللافت هنا أن الخطاب الأوكراني تجاه الصين أصبح أكثر براغماتية من كونه خطاباً دعائياً أو رمزياً. كييف تدرك أن بكين، بحكم ثقلها الاقتصادي وعلاقتها الوثيقة بموسكو، ليست طرفاً عادياً في المعادلة الدولية، حتى لو أصرت الصين رسمياً على أنها ليست طرفاً في النزاع وأن دورها يقتصر على دعم الحل السياسي والحوار. هذا التحول في النبرة يعكس إدراكاً أوكرانياً بأن أي مسار جاد نحو تسوية مستقبلية سيظل ناقصاً إذا بقيت الصين خارجه.
ما الذي قاله زيلينسكي فعلياً؟
بحسب ما نُقل عن تصريحاته في 25 أغسطس 2026، قال زيلينسكي إن أوكرانيا تعول على مزيد من التعاون مع الصين وعلى “دور دبلوماسي قوي” من بكين لإنهاء الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا. وفي اليوم نفسه تقريباً، كان الرئيس الأوكراني يكرر في مواقف أخرى أن بلاده تريد السلام، لكنها لا تقبل إنهاء الحرب على أساس الاستسلام أو التنازل غير المشروط. هذا يوضح أن الانفتاح على الصين لا يعني تراجعاً أوكرانياً عن ثوابتها المعلنة، بل محاولة لتوسيع دائرة الوسطاء أو المؤثرين المحتملين.
كما أن هذا الموقف لا يأتي من فراغ. ففي فبراير 2026، وخلال لقاء وزير الخارجية الصيني وانغ يي بنظيره الأوكراني أندري سيبيها على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، عبّر الجانب الأوكراني عن تطلعه إلى أن تؤدي الصين دوراً مهماً في التوصل إلى وقف مبكر لإطلاق النار وسلام شامل. بعبارة أخرى، ما يقوله زيلينسكي اليوم هو امتداد لمسار اتصالات قائم بالفعل، وليس انعطافة مفاجئة بالكامل.
كيف تنظر الصين إلى الحرب؟
الموقف الصيني المعلن حافظ، حتى الآن، على مفردات شبه ثابتة: الدعوة إلى الحوار، دعم التسوية السياسية، وتشجيع كل الجهود المؤدية إلى السلام. وزارة الخارجية الصينية شددت في أكثر من مناسبة خلال 2025 و2026 على أن التفاوض هو السبيل الوحيد لحل الأزمة الأوكرانية، وأن بكين ستواصل لعب “دور بنّاء” بطريقتها الخاصة. كما كرر وانغ يي أن الصين تؤيد الحلول السياسية للقضايا الإقليمية الساخنة، بما في ذلك أوكرانيا.
لكن المشكلة، من وجهة النظر الأوكرانية والغربية، ليست في اللغة الدبلوماسية الصينية، بل في حدود تأثيرها العملي على موسكو. فالصين تملك أدوات ضغط اقتصادية وسياسية معتبرة، لكنها لم تظهر حتى الآن استعداداً لاستخدام هذا النفوذ بشكل يفرض ثمناً مباشراً على روسيا. لذلك، حين تتحدث كييف عن “دور دبلوماسي قوي”، فهي في الواقع تطلب من الصين الانتقال من موقع المراقب المؤثر إلى موقع الفاعل الضاغط، ولو جزئياً. هذا استنتاج تحليلي تدعمه طبيعة المواقف المعلنة من الجانبين، حتى لو لم يُصغ بهذه العبارة حرفياً في البيانات الرسمية.
بين الرغبة في السلام وحدود التفاوض
المعضلة الكبرى أن الحديث عن السلام لا يعني الشيء نفسه لدى جميع الأطراف. زيلينسكي قال بوضوح في خطاب عيد الاستقلال الأوكراني يوم 24 أغسطس 2026 إن أوكرانيا تريد السلام، لكنها لن تستسلم لروسيا “بأي ثمن”. وفي موازاة ذلك، تحدث أيضاً عن وجود نافذة زمنية يراها مناسبة لاستمرار جهود الوساطة الأمريكية حتى صيف 2027، ما يعني أن كييف لا تزال تراهن على تعدد المسارات الدبلوماسية، لا على قناة واحدة فقط.
هذا يفسر لماذا تبدو الصين اليوم مهمة في الحسابات الأوكرانية: ليس لأنها البديل الكامل عن الغرب، بل لأنها قد تكون طرفاً مكملاً يستطيع التحدث مع موسكو من موقع لا يتوافر لكثير من العواصم الغربية. غير أن نجاح هذا الرهان يظل مشروطاً بسؤال جوهري: هل تريد بكين بالفعل ترجمة خطاب “السلام” إلى تحرك يضغط على الكرملين، أم أنها تفضل إبقاء الملف في منطقة الرمادية الدبلوماسية التي تحفظ مصالحها مع الجميع؟
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
من منظور مصري، لا يُقرأ هذا التطور باعتباره تفصيلاً بعيداً في شرق أوروبا. الحرب الروسية الأوكرانية أثرت بوضوح على أسواق الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهي تداعيات انعكست على دول نامية كثيرة، بينها مصر. ولهذا ظلت القاهرة تؤكد، عبر مؤسساتها الرسمية، أن موقفها يقوم على دعم وقف القتال وتشجيع الحلول الدبلوماسية. وتوضح الهيئة العامة للاستعلامات أن مصر سعت منذ بداية الحرب إلى لعب دور إيجابي يدعم إنهاء القتال ويدفع نحو تسوية سياسية.
كما أن الرئاسة المصرية أعلنت في 3 أبريل 2026 أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تلقى اتصالاً من زيلينسكي، الذي استعرض خلاله آخر تطورات الأزمة وشكر مصر على موقفها والتزامها بإنهاء الحرب. هذا التفصيل مهم لأنه يضع القاهرة ضمن شبكة الدول التي تحاول الحفاظ على خطاب متوازن، يرفض استمرار الحرب ويدعم المسار السياسي من دون الانخراط في اصطفافات حادة.
ويزداد الأمر أهمية إذا وضعناه في سياق العلاقات المصرية الصينية نفسها. فالعلاقة بين القاهرة وبكين تشهد توسعاً مستمراً على المستويات الاقتصادية والاستثمارية والسياسية، بالتزامن مع مرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 2026، بحسب تغطيات مصرية رسمية وشبه رسمية. لذلك، فإن أي نقاش حول دور الصين الدولي، بما في ذلك في أوكرانيا، يهم صانع القرار والمتابع المصري على حد سواء.
هل تملك الصين مفاتيح الحسم؟
الإجابة الأقرب إلى الواقعية هي: ليس بالكامل، لكنها تملك ما يكفي لجعل موقفها مؤثراً. الصين ليست القادرة وحدها على إنهاء الحرب، لكنها قادرة على رفع أو خفض مستوى الزخم الدبلوماسي، وعلى منح أي مبادرة سلام ثقلاً إضافياً إذا قررت الاستثمار فيها بجدية. كما أن مجرد سعي أوكرانيا إلى استمالة بكين سياسياً يكشف أن ميزان الحرب لم يعد يُقاس بالسلاح فقط، بل أيضاً بقدرة كل طرف على إعادة تشكيل البيئة الدبلوماسية المحيطة بالنزاع.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات موثقة على اختراق تفاوضي وشيك تقوده الصين. المتاح هو لغة دبلوماسية متبادلة، ورغبة أوكرانية معلنة في توسيع التعاون مع بكين، وموقف صيني ثابت يكرر دعم الحوار والتسوية السياسية. أما ما إذا كانت هذه العناصر ستتحول إلى مسار حقيقي لإنهاء الحرب، فذلك سيعتمد على ما إذا كانت بكين مستعدة للانتقال من دور “الوسيط المحتمل” إلى دور “صاحب النفوذ المستخدم”.
خلاصة تحليلية
رسالة زيلينسكي إلى الصين لا تعني أن كييف تبدل تحالفاتها، ولا أن بكين باتت على وشك رعاية اتفاق سلام. ما تعنيه، على الأرجح، هو أن أوكرانيا توسع هامش المناورة الدبلوماسية في لحظة صعبة، وتبعث بإشارة إلى العالم بأنها مستعدة للتعامل مع أي قوة قادرة على التأثير في موسكو. بالنسبة للقارئ المصري، فإن المغزى الأهم هو أن الحرب لا تزال تُعيد رسم خرائط النفوذ العالمي، وأن الصين باتت تُختبر ليس فقط كقوة اقتصادية كبرى، بل كفاعل سياسي يُطلب منه أن يثبت قدرته على تحويل النفوذ إلى نتائج. وحتى يحدث ذلك، سيظل التعويل الأوكراني على بكين رهانا مفتوحاً أكثر منه ضمانة سياسية مكتملة.
نقاط أساسية لفهم الموقف
- التصريح الأوكراني: صدر في 25 أغسطس 2026 ويعكس رغبة في دور صيني دبلوماسي أقوى.
- الموقف الصيني الرسمي: يكرر دعم الحوار والتسوية السياسية ورفض تحويل الأزمة إلى مواجهة مفتوحة بلا تفاوض.
- الموقف المصري: يدعم وقف القتال والحل الدبلوماسي، مع متابعة رسمية مستمرة لتداعيات الحرب.
- النتيجة المرجحة حالياً: لا اختراق فورياً، لكن تصاعد أهمية المسار الدبلوماسي الموازي للميدان العسكري.