هل ترقى هجمات الحوثيين على السعودية إلى إرهاب دولة؟
بين الوصف السياسي والتكييف القانوني
يتجدد الجدل كلما تعرضت المملكة العربية السعودية لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة تستهدف مطارات أو منشآت مدنية: هل نحن أمام تصعيد عسكري تقليدي في نزاع إقليمي ممتد، أم أمام نمط من العنف المنظم يقترب من مفهوم إرهاب الدولة أو على الأقل من ممارسات ترقى إلى مستوى الإرهاب الموجّه ضد المدنيين؟ السؤال لم يعد نظريًا، خصوصًا بعد سلسلة مواقف دولية وإقليمية أدانت بوضوح استهداف المطارات الدولية والبنية التحتية المدنية داخل المملكة، واعتبرت ذلك انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة.
العبارة التي تصف اعتداءات الحوثيين بأنها «إرهاب دولة» تحمل شحنة سياسية وقانونية كبيرة، لأن الحوثيين ليسوا دولة معترفًا بها، بل جماعة مسلحة تسيطر على مناطق واسعة في اليمن. لذلك، فإن الأدق قانونيًا هو الحديث عن أعمال إرهابية أو هجمات على أهداف مدنية قد ترقى إلى جرائم حرب حين يكون الاستهداف متعمدًا وموجهًا ضد منشآت غير عسكرية أو ضد مدنيين في زمن لا تفرض فيه الضرورة العسكرية هذا النوع من الهجمات.
ماذا تقول الوقائع الأحدث؟
خلال عام 2026، عاد ملف الهجمات الحوثية على السعودية إلى الواجهة بقوة. وكالة الأنباء السعودية SPA نقلت في 25 يوليو 2026 بيانًا من تحالف دعم الشرعية في اليمن أكد أن الحوثيين استهدفوا سفنًا تجارية في البحر الأحمر، ووصف الفعل بأنه هجوم إرهابي متهور استدعى ردًا عسكريًا على أهداف عسكرية في الحديدة. كما شدد التحالف، عبر المتحدث الرسمي اللواء تركي المالكي، على حماية الملاحة التجارية في باب المندب والبحر الأحمر. هذا الربط بين البر السعودي والمجال البحري يكشف أن التهديد لم يعد محصورًا في جبهة واحدة، بل بات متعدد المسارات.
وفي 8 أكتوبر 2026، أدانت رابطة العالم الإسلامي استمرار استهداف الحوثيين لمطار أبها الدولي ومطار الملك خالد الدولي في الرياض، وقالت إن الهجمات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين. وبعدها بأيام، تحدثت تقارير دولية عن هجمات أصابت مجمعات في مطار الملك خالد الدولي، مع سقوط قتلى ومئات المصابين وفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس استنادًا إلى بيانات سعودية وتصريحات رسمية. كما أُبلغ عن هجمات أخرى طالت أبها وجازان ونجران، وهو ما يعزز فكرة أن البنية المدنية السعودية أصبحت جزءًا من بنك أهداف معلن أو شبه معلن لدى الحوثيين.
لماذا يعد استهداف المطارات المدنية خطًا أحمر؟
في أي نزاع مسلح، يبقى التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية مبدأ أساسيًا في القانون الدولي الإنساني. المطارات الدولية ليست منشآت عسكرية بحكم التعريف، حتى لو استخدمت فيها ترتيبات أمنية مشددة. وعندما تتعرض صالات ركاب أو مرافق مدنية أو طائرات مدنية لأضرار مباشرة، فإن ذلك يرفع مستوى المسؤولية القانونية والسياسية على الجهة المنفذة.
الأمم المتحدة نفسها عكست هذا القلق. ففي بيان صحافي لمجلس الأمن بشأن اليمن خلال يوليو 2026، أدان أعضاء المجلس الهجمات الصاروخية التي أطلقها الحوثيون ضد السعودية منذ 13 يوليو، كما شددوا على أهمية الالتزام بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2216. وفي جلسات لاحقة حول اليمن، وردت إشارات صريحة إلى استهداف منشآت مدنية ومطارات داخل المملكة وإلى الأثر الذي خلفته تلك الهجمات على مواطنين ومقيمين من جنسيات متعددة.
ومن زاوية حقوقية، قالت هيومن رايتس ووتش في يوليو 2026 إن الهجمات الحوثية على المطارات في السعودية خلال السنوات الماضية يرجح أن تكون جرائم حرب. ورغم أن المنظمة تنتقد كذلك الضربات التي تطال مدنيين داخل اليمن، فإن أهم ما في هذا التوصيف أنه يضع استهداف المطارات المدنية ضمن إطار قانوني أشد صرامة من مجرد «رد متبادل» بين أطراف نزاع.
هل يصح وصفها بـ«إرهاب الدولة»؟
من الناحية المفاهيمية الصرفة، مصطلح «إرهاب الدولة» يُستخدم غالبًا عندما تمارس دولة معترف بها العنف المنهجي ضد مدنيين أو توظف الرعب كأداة سياسة. وبما أن جماعة الحوثي ليست دولة عضوًا في الأمم المتحدة، فإن الوصف يظل أقرب إلى التوصيف السياسي منه إلى التصنيف القانوني الدقيق. لكن هذا لا ينفي أن نمط الهجمات نفسه يقترب من جوهر الفعل الإرهابي: نشر الخوف بين المدنيين، وتعطيل حركة السفر، وضرب منشآت حيوية، وإرسال رسائل ضغط تتجاوز ساحة القتال المباشر.
بمعنى آخر، قد يكون الأدق القول إن هجمات الحوثيين على المطارات والمنشآت المدنية في السعودية تحمل خصائص العمل الإرهابي المنظم، حتى لو كان توصيف «إرهاب الدولة» محل نقاش فقهي. المهم هنا ليس المصطلح وحده، بل أثر الفعل ونيته والهدف منه. فإذا كانت الرسالة هي جعل المدنيين ومرافقهم الحيوية جزءًا من معادلة الابتزاز السياسي والعسكري، فإن ذلك يقترب كثيرًا من التعريف العملي للإرهاب.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟
بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يمكن فصل هذا الملف عن أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية وسلاسل الطاقة والتجارة. مصر أدانت رسميًا، في أكثر من مناسبة خلال 2026، الهجمات التي استهدفت منشآت مدنية ووسائل نقل أو هددت أمن الملاحة في البحر الأحمر والممرات الدولية. الهيئة العامة للاستعلامات نقلت في 25 يوليو 2026 تأكيد القاهرة تضامنها الكامل مع السعودية ورفضها القاطع للاعتداءات على المنشآت المدنية وحرية الملاحة، كما نشرت وزارة الخارجية المصرية في 25 سبتمبر و1 أكتوبر 2026 بيانات تدين إطلاق صواريخ ومحاولات استهداف داخل المملكة، بينها الطائف وينبع ومحطة كهرباء في المدينة المنورة.
هذه المواقف ليست مجرد مجاملات دبلوماسية. فاستقرار السعودية يرتبط مباشرة باستقرار أسواق الطاقة، وبسلامة طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر إلى قناة السويس. وأي تصعيد يوسع دائرة الاستهداف من الموانئ والسفن إلى المطارات والمدن والمنشآت الاقتصادية يضاعف الكلفة على الإقليم كله، بما في ذلك مصر التي تعتمد على أمن الملاحة الدولية كمصلحة استراتيجية مباشرة.
الردع وحده لا يكفي
القراءة السياسية الأوسع تقول إن المشكلة لم تعد فقط في اعتراض صاروخ أو إسقاط مسيّرة، بل في تآكل الحدود الفاصلة بين الحرب التقليدية وحرب الضغط على المجتمع المدني والاقتصاد. السعودية تؤكد باستمرار، في بياناتها الرسمية، حقها الأصيل في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها، كما تواصل دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ومجلس القيادة الرئاسي اليمني. لكن الوقائع الأخيرة توضح أن الرد العسكري، رغم ضرورته من منظور سيادي وأمني، لا يحسم وحده معادلة الاستنزاف.
ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى مسارين متوازيين:
- أولًا: تشديد الحماية الإقليمية للمطارات والمنشآت المدنية وخطوط الملاحة، وتوسيع تبادل المعلومات والإنذار المبكر.
- ثانيًا: إعادة إحياء المسار السياسي في اليمن على قاعدة واضحة تمنع تحويل البنية المدنية في دول الجوار إلى أدوات تفاوض بالنار.
المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ دان الهجوم القاتل على مطار الملك خالد الدولي في 11 أكتوبر 2026، وأدان استمرار الهجمات على البنية التحتية المدنية في السعودية، في إشارة إلى أن المجتمع الدولي ما زال يرى في هذا النمط من العمليات تهديدًا لمسار التسوية نفسه، لا مجرد تفصيل ميداني عابر.
خلاصة تحليلية
القول إن اعتداءات الحوثيين على السعودية «ترقى إلى إرهاب الدولة» يعبر عن غضب سياسي مشروع أمام استهداف مطارات ومنشآت مدنية يفترض أن تبقى خارج دائرة النار. لكن إذا أردنا دقة أكبر، فالأقرب قانونيًا هو أن هذه الهجمات تمثل أعمالًا إرهابية وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب عندما تصيب المدنيين أو المنشآت المدنية بصورة متعمدة.
الأهم من المصطلح أن المنطقة أمام معادلة خطرة: حين تصبح المطارات الدولية، ومنشآت الطاقة، وسفن التجارة أهدافًا متكررة، فإن الصراع لم يعد يهدد دولة بعينها فقط، بل يختبر قدرة الإقليم كله على حماية المجال المدني من الانزلاق إلى منطق الحرب المفتوحة. ومن هنا، فإن توصيف هذه الهجمات بوصفها إرهابًا ليس فقط موقفًا دعائيًا، بل تحذير من أن التساهل مع استهداف المدنيين يفتح الباب أمام تطبيع أخطر أشكال العنف السياسي في الجوار العربي.