هل تصير سوريا ممراً بديلاً لهرمز؟ قراءة في رهان ترامب
رهان جغرافي أكبر من مجرد عنوان سياسي
منذ عادت اضطرابات الملاحة والطاقة لتفرض نفسها على المنطقة، برزت سوريا في النقاش الأمريكي والإقليمي كاحتمال جغرافي يمكن البناء عليه لتخفيف الضغط عن مضيق هرمز. الفكرة التي جرى تداولها في دوائر سياسية وإعلامية ارتبطت باسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنها في جوهرها ليست مجرد مبادرة شخصية بقدر ما هي انعكاس لمحاولة أوسع لإعادة رسم خرائط العبور والنفط والتجارة في الشرق الأوسط.
بالنسبة للقارئ المصري، تبدو المسألة أبعد من الشأن السوري الداخلي. أي تغيير في طرق الطاقة والتجارة الإقليمية ينعكس مباشرة على معادلات البحر الأحمر وشرق المتوسط وأسواق الخام والنقل، وهي ملفات تمس الاقتصاد المصري من زاوية الأسعار، وحركة الشحن، والتنافس على الممرات الاستراتيجية.
لماذا عاد اسم سوريا إلى طاولة الطاقة؟
السبب المباشر هو هشاشة الاعتماد المفرط على هرمز. إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أكدت أن التدفقات عبر المضيق في عام 2024 بلغت نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة خُمس استهلاك السوائل البترولية عالمياً، كما مر عبره جزء مهم من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هذا يعني أن أي اضطراب هناك لا يخص دول الخليج وحدها، بل ينعكس على السوق الدولية كلها، من آسيا إلى أوروبا.
في هذا السياق، ظهرت فكرة المسارات البديلة: خطوط أنابيب، موانئ على البحر المتوسط، ونقل بري يربط جنوب العراق بالساحل السوري. وهنا بالتحديد دخل ميناء بانياس إلى الواجهة، باعتباره منفذاً يمكن أن يستقبل شحنات قادمة براً من العراق ثم يعيد ضخها أو تصديرها بحراً نحو أسواق أخرى.
بانياس من جديد: من مرفأ محلي إلى عقدة إقليمية محتملة
البيانات المنشورة خلال صيف 2026 أظهرت أن المسار لم يعد مجرد فكرة على الورق. تقارير نُقلت عن بيانات تتبع الطاقة تحدثت عن ارتفاع ملحوظ في تدفقات زيت الوقود العراقي إلى سوريا، بما مكّن من تصدير نحو 720 ألف طن من زيت الوقود خلال يونيو/حزيران، مع تقديرات بأن التدفقات الداخلة إلى سوريا خلال شهر واحد تجاوزت 600 ألف طن. كما أشير إلى أن الشاحنات الواصلة من العراق تحمل في المتوسط نحو 20 طناً للشاحنة الواحدة قبل أن تصل إلى منشآت التخزين والمناولة في بانياس.
هذا التطور مهم سياسياً بقدر أهميته اللوجستية. فبانياس لم يعد يُقدَّم فقط كميناء سوري، بل كجزء من تصور أوسع يعيد وصل العراق بالمتوسط، ويمنح دمشق فرصة لاستثمار موقعها بعد سنوات من التهميش والحرب. وهنا يصبح الحديث عن “بوابة بديلة” أقرب إلى مشروع نفوذ اقتصادي واستراتيجي، لا مجرد مسار شحن طارئ.
واشنطن ماذا تريد فعلاً؟
المؤشرات المتاحة تفيد بأن التفكير الأمريكي لا يقتصر على سوريا وحدها. المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك تحدث في يوليو/تموز 2026 عن تنسيق مع خمس دول في المنطقة لاعتماد مسارات بديلة لمضيق هرمز، وذُكرت ضمن هذا التصور سوريا والأردن وتركيا ولبنان ومصر. أهمية ذكر مصر هنا كبيرة، لأن أي هندسة جديدة للممرات الإقليمية ستتداخل حتماً مع أدوار قائمة بالفعل في شرق المتوسط والبحر الأحمر.
لكن واشنطن، حتى وهي تشجع التنويع، تدرك أن البدائل البرية أو المتوسطية لا يمكنها أن تعوض هرمز بالكامل في المدى القصير. فالمضيق ما زال نقطة عبور مركزية لتجارة النفط والغاز، كما أن لدى السعودية والإمارات فقط خطوطاً تشغيلية معروفة تتجاوز المضيق جزئياً، وبطاقات لا تكفي لتعويض كل التدفقات المعتادة عبره.
العقبة الحاسمة: أمن البادية قبل السياسة
إذا كانت الجغرافيا تمنح سوريا فرصة، فإن الأمن يظل الاختبار الأصعب. الطريق البري من العراق إلى بانياس يمر عبر مساحات صحراوية طويلة وحساسة، وأي مشروع يعتمد على آلاف الشاحنات أو على إعادة إحياء خطوط أنابيب قديمة يحتاج إلى بيئة مستقرة، وحماية للبنية التحتية، وتنسيق عابر للحدود.
هذا ليس تفصيلاً ثانوياً. فقد شهدت الحدود السورية العراقية في يوليو/تموز 2026 واقعة لافتة عندما أعلنت السلطات السورية ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل أحد صهاريج النفط المتجهة إلى بانياس عبر منفذ التنف، في واقعة تعكس حجم التعقيد الأمني الذي يحيط بهذا الممر. صحيح أن التجارة استمرت، لكن الحادثة أوضحت أن تحويل المسار إلى شريان دائم للطاقة يتطلب أكثر من الإرادة السياسية.
من هنا، تبدو البادية السورية في قلب القصة: فهي ليست مجرد مساحة عبور، بل المنطقة التي ستقرر ما إذا كانت الخطة قابلة للاستدامة أم أنها ستظل تجربة ظرفية مرتبطة بأزمة هرمز فقط.
هل تكفي الشاحنات؟ أم أن الرهان الحقيقي على الأنابيب؟
الجواب الأقرب للواقع هو أن النقل البري بالشاحنات حل انتقالي لا نهائي. الكميات التي يمكن للشاحنات نقلها تظل محدودة قياساً بأحجام التصدير التقليدية في الخليج. لذلك عاد الحديث بقوة عن إحياء مسار كركوك – بانياس التاريخي، أو تطوير مسار حديثة – بانياس، بما يسمح برفع الطاقة الاستيعابية إلى مستويات أكبر بكثير. تقارير سورية رسمية تحدثت عن مذكرات تفاهم ودراسات لإعادة التأهيل، مع طرح قدرة نقل قد تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً في التصور المستهدف للمشروع بعد التطوير.
لكن بين الورق والتنفيذ مسافة كبيرة. فإعادة تشغيل خط بهذا الحجم تحتاج تمويلاً ضخماً، وضمانات فنية، وتفاهمات سياسية بين دمشق وبغداد، فضلاً عن حسابات واشنطن وأنقرة ودول الخليج وإسرائيل. لهذا فإن الحلم الأمريكي أو “رهان ترامب” يظل، حتى الآن، مشروع اتجاه أكثر منه مشروعاً مكتمل الأركان.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟
من زاوية مصرية، الملف يستحق المتابعة الهادئة لا الانفعال. فالقاهرة جزء من أي معادلة إقليمية جديدة تخص النقل والطاقة، سواء عبر موقعها في البحر الأحمر، أو دورها في شرق المتوسط، أو ارتباطها بحركة التجارة العالمية. وإذا كانت سوريا تحاول تقديم نفسها ممراً بديلاً لبعض التدفقات، فهذا لا يلغي أهمية الممرات الأخرى، بل يكشف أن المنطقة تتجه إلى تنويع المسارات بدلاً من الارتهان لممر واحد.
سياسياً، قد تستفيد دمشق من هذه اللحظة لإعادة تسويق نفسها كشريك اقتصادي لا كساحة أزمة فقط. أما واشنطن، فترى في ذلك أداة لتقليل هشاشة السوق أمام أي صدمة جديدة في الخليج. غير أن المعادلة النهائية ستُحسم وفق ثلاثة شروط واضحة:
- أولاً: استمرار تدفق الشحنات من العراق إلى بانياس دون انقطاع كبير.
- ثانياً: تحسن البيئة الأمنية في البادية والمعابر الحدودية.
- ثالثاً: الانتقال من النقل بالشاحنات إلى بنية تحتية أكثر استقراراً، وفي مقدمتها خطوط الأنابيب.
الخلاصة
سوريا تملك ميزة لا يمكن إنكارها: موقع يربط العراق والعمق العربي بالبحر المتوسط. لكن الموقع وحده لا يصنع ممراً استراتيجياً. ما بين فكرة طرحها ترامب والدوائر الأمريكية، ومسار تحاول دمشق توظيفه اقتصادياً، يقف الواقع بكل ثقله: أمن هش، بنية تحتاج إنقاذاً، وأسواق لا تمنح الثقة بسهولة.
لهذا، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت دمشق تستطيع أن تكون بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز، بل ما إذا كانت قادرة على أن تصبح مكملاً إقليمياً يخفف المخاطر عندما تتعطل الممرات التقليدية. حتى الآن، الإجابة الأقرب: نعم من حيث الإمكان الجغرافي، لكن لا يزال الطريق طويلاً قبل أن يتحول الإمكان إلى واقع دائم.