هل تعود القناة الثلاثية؟ قراءة في رسالة بوتين الجديدة
إشارة روسية جديدة.. لكن الطريق إلى التسوية لا يزال وعراً
إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداده لاستئناف الاتصالات الثلاثية بشأن أوكرانيا لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تصريح بروتوكولي عابر. فالرجل تحدث بعد لقاء مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وفي لحظة لا تزال فيها الحرب مفتوحة عسكرياً، بينما تبدو الحاجة الغربية والروسية إلى قنوات تواصل أكثر انتظاماً أكبر من أي وقت مضى. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام مصرية ودولية عن الموقف الروسي، فإن موسكو أعادت طرح فكرة استئناف الصيغة الثلاثية التي تضم روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، من دون إعلان جدول زمني واضح أو خريطة طريق تفصيلية.
من زاوية تحليلية، الأهم هنا ليس فقط ما قاله بوتين، بل لماذا قيل الآن. فحين تتحدث موسكو عن «استئناف» لا «إطلاق» محادثات، فهي تحاول الإيحاء بأن قناة التفاوض لم تمت تماماً، وأن العائق ليس في المبدأ بل في الشروط والظروف السياسية. هذا التفريق مهم، لأنه يسمح للكرملين بالظهور بمظهر الطرف المنفتح على المسار السياسي، من دون أن يقدم تنازلات مسبقة على الأرض أو في الملفات السيادية والأمنية.
ماذا نعرف عن الصيغة الثلاثية؟
التغطيات المتاحة تشير إلى أن الفكرة تقوم على اتصالات أو محادثات تشمل موسكو وواشنطن وكييف، مع دور أمريكي محوري بحكم تأثير واشنطن على مسار الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا. ووفق تصريحات نُقلت عن مسؤولين روس في الأشهر الأخيرة، فإن الاتصالات الروسية الأمريكية بشأن أوكرانيا لم تنقطع بالكامل، حتى عندما تعثرت فرص عقد لقاءات ثلاثية مباشرة. كما أن الكرملين أقر علناً بوجود رغبة سياسية مشتركة في استئناف هذه القناة، لكنه أكد في الوقت نفسه غياب «خطة عمل رسمية» مكتملة حتى الآن.
هذا يعني أن الحديث ما زال في مستوى الجس النبضي السياسي، لا في مستوى تفاوض نهائي على وقف الحرب. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن الصورة الأقرب هي أن موسكو تريد اختبار ما إذا كانت واشنطن قادرة أو راغبة في بلورة إطار تفاوضي جديد، خاصة بعدما أثبتت سنوات الحرب أن الحسم العسكري الكامل مكلف للغاية على الجميع، حتى لو استمرت الجبهات في التحرك لصالح هذا الطرف أو ذاك.
ستيف ويتكوف ودلالة الوسيط غير التقليدي
حضور ستيف ويتكوف في المشهد ليس تفصيلاً هامشياً. فالمبعوث الأمريكي الخاص عاد اسمه إلى واجهة الملف الأوكراني ضمن محاولات تحريك المسارات السياسية، وتناولت صحف مصرية تصريحات روسية أفادت بأن تسوية الأزمة الأوكرانية كانت ضمن جدول أعمال محادثاته مع بوتين. هذا النوع من الوسطاء أو المبعوثين يتيح عادة قدراً أكبر من المرونة مقارنة بالمفاوضات الرسمية الصلبة بين وزارات الخارجية، لكنه في المقابل لا يضمن اختراقاً ما لم تتوافر مظلة قرار سياسي أعلى من العاصمتين، ومعهما كييف بطبيعة الحال.
ومن هنا، فإن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في تفاصيله غير المعلنة، بل في كونه يعكس استمرار الرهان على الدبلوماسية الخلفية أو التفاوض غير المباشر. وهذا أسلوب تفضله أطراف كثيرة عندما تكون الكلفة السياسية للإعلان عن تنازلات محتملة مرتفعة للغاية أمام الرأي العام المحلي.
لماذا تبدو موسكو حريصة على هذه الرسالة الآن؟
القراءة الأقرب أن روسيا تريد تثبيت ثلاث رسائل في وقت واحد. الأولى أنها ليست الطرف الذي يغلق باب التسوية. الثانية أن واشنطن، لا أوروبا وحدها، تبقى اللاعب الخارجي الأكثر تأثيراً في مسار الحرب. والثالثة أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تمر عبر معالجة ما تسميه موسكو «الأسباب الجذرية» للنزاع، وهو التعبير الذي تستخدمه القيادة الروسية باستمرار لتبرير موقفها التفاوضي الأوسع. وتظهر هذه الرسائل بوضوح في تصريحات روسية أخرى خلال 2026 شددت على الانفتاح على التفاوض من دون القبول تلقائياً بتنازلات.
بهذا المعنى، لا تبدو الرسالة الروسية موجهة إلى كييف فقط، بل أيضاً إلى البيت الأبيض وإلى العواصم الأوروبية، وحتى إلى دول الجنوب العالمي التي تتابع الملف من زاوية الاستقرار وأسعار الطاقة والغذاء أكثر من زاوية الاصطفافات الجيوسياسية التقليدية.
بين كلفة الحرب وحدود السياسة
أي حديث عن استئناف محادثات لا يمكن فصله عن الحجم التراكمي للخسائر. فالبنك الدولي، بالتعاون مع حكومة أوكرانيا والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة، قدّر في تحديث صدر في 23 فبراير 2026 أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في أوكرانيا تقترب من 588 مليار دولار خلال العقد المقبل، مع وصول الأضرار المباشرة إلى أكثر من 195 مليار دولار حتى 31 ديسمبر 2025. هذه الأرقام لا تعكس فقط دمار البنية التحتية، بل تعني أيضاً أن الحرب صارت عبئاً طويل الأمد على الاقتصاد الإقليمي والدولي.
كذلك أشار صندوق النقد الدولي في 2026 إلى أن آفاق الاقتصاد الأوكراني ما تزال شديدة الضبابية، مع تباطؤ متوقع للنمو بسبب استمرار الحرب وتداعياتها. وعندما تصبح كلفة الاستمرار باهظة إلى هذا الحد، يزداد الإغراء السياسي لفتح نوافذ تفاوض، حتى لو كانت فرص النجاح محدودة في المدى القصير.
أما على المستوى الدولي، فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 فبراير 2026 قراراً بعنوان «دعم السلام الدائم في أوكرانيا»، ما يوضح أن الملف ما زال يحظى بثقل دبلوماسي عالمي واسع، وأن فكرة التسوية السياسية لم تغب عن المؤسسات الدولية رغم استمرار العمليات القتالية.
هل نحن أمام اختراق حقيقي؟
الجواب الأرجح: ليس بعد. فالمؤشرات المتاحة حتى الآن لا تكفي للقول إن مساراً تفاوضياً متماسكاً قد وُلد فعلاً. هناك استعداد معلن، نعم، لكن لا توجد حتى اللحظة تفاصيل مؤكدة عن مكان الاجتماع، أو مستواه، أو جدول أعماله، أو الضمانات التي قد تقبل بها الأطراف. بل إن تصريحات روسية لاحقة تحدثت صراحة عن غياب تفاصيل محددة للتحضير للقاء ثلاثي، رغم الإبقاء على الفكرة مطروحة.
في لغة السياسة الدولية، هذا يعني أننا أمام «إدارة احتمال» أكثر من كوننا أمام «بناء اتفاق». أي أن الأطراف تريد إبقاء الباب موارباً، لكنها لا تريد بعدُ دفع الثمن السياسي الكامل للعبور منه.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
من مصر، تبدو الحرب الأوكرانية أبعد من مجرد صراع جغرافي في أوروبا الشرقية. فهي ترتبط بصورة مباشرة باستقرار أسواق الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، وكلها ملفات تمس الاقتصادات المستوردة والحساسة للأسعار. لذلك فإن أي إشارة إلى عودة التفاوض، حتى إن كانت أولية، تحمل وزناً يتجاوز حدود موسكو وكييف وواشنطن. وفي الوقت نفسه، فإن المبالغة في التفاؤل قد تكون خطأ تحليلياً، لأن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن الفجوة بين رسائل الانفتاح السياسي ووقائع الميدان يمكن أن تكون واسعة جداً.
الخلاصة أن تصريح بوتين ليس إعلان سلام، لكنه أيضاً ليس مجرد مناورة لفظية بلا معنى. إنه محاولة روسية محسوبة لإعادة تموضع دبلوماسي في لحظة تستمر فيها الحرب، وتتضخم فيها فاتورة الإعمار، وتبحث فيها القوى الكبرى عن صيغ أقل كلفة لإدارة الصراع. السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كانت المحادثات الثلاثية قد تعود، بل ما إذا كانت العودة المحتملة ستتناول جوهر النزاع فعلاً، أم ستبقى مجرد قناة لشراء الوقت وإدارة الاشتباك السياسي تحت سقف الحرب.