هل تفتح كلفة التصعيد الأمريكي الإيراني باب تسوية أطول؟
بين منطق الردع وحسابات الاستنزاف
يبدو المشهد الأمريكي الإيراني، للوهلة الأولى، أبعد ما يكون عن أي حديث جدي عن السلام المستدام. فالتوترات العسكرية، والضغوط المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وملف أمن الملاحة في مضيق هرمز، كلها عوامل تدفع نحو مزيد من التصعيد. لكن قراءة أعمق لمسار الأزمة في العامين الأخيرين تشير إلى مفارقة واضحة: كلما ارتفعت كلفة الاشتباك، تعززت فرص العودة إلى السياسة، ولو من باب الضرورة لا القناعة.
هذه المفارقة ليست جديدة في الشرق الأوسط، لكنها تكتسب اليوم أهمية خاصة بالنسبة للمنطقة العربية، وخصوصًا دول الخليج ومصر، لأن أي انفجار واسع بين واشنطن وطهران لا يبقى ثنائيًا؛ بل ينعكس فورًا على الطاقة والتجارة وسلامة الممرات البحرية وأسعار الشحن، وهي ملفات تمس الأمن الاقتصادي العربي مباشرة.
لماذا قد يدفع التصعيد إلى التهدئة؟
السبب الأول هو أن كلفة المواجهة المباشرة أصبحت مرتفعة على الطرفين. الولايات المتحدة حريصة على حماية قواتها ومصالحها في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في الانجرار إلى حرب مفتوحة وطويلة في الخليج. وقد أظهرت مواقف رسمية أمريكية في يونيو 2025 أن واشنطن كانت تحاول الفصل بين الردع العسكري وبين إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، مع التأكيد على أولوية حماية القوات الأمريكية في المنطقة.
أما إيران، فرغم خطابها المتشدد، فهي تواجه ضغوطًا مركبة: اقتصاد مثقل بالعقوبات، حاجة داخلية إلى تخفيف العزلة، وملف نووي يخضع لتدقيق دولي متزايد. كما أن أي تهديد طويل للملاحة في هرمز يضع طهران أمام مواجهة مع أطراف إقليمية ودولية أوسع، لا مع الولايات المتحدة فقط.
من هنا، يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كان الطرفان يريدان السلام بالمعنى السياسي الكامل، بل ما إذا كانا مضطرين إلى تفاهم يمنع الانفجار الشامل. وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تبدأ التسويات بهذا الحد الأدنى.
الملف النووي.. جوهر الأزمة لا هامشها
الرقابة الدولية والعقدة المستمرة
يبقى البرنامج النووي الإيراني في قلب أي مسار تفاوضي محتمل. تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال 2025 أعادت التأكيد على حساسية الوضع بعد التطورات التي طالت منشآت نووية إيرانية في يونيو من ذلك العام، وما تبعها من تعقيدات في مسار التفتيش والرقابة الفنية. كما برزت أزمة إضافية عندما دخل قانون إيراني حيّز التنفيذ لتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في خطوة أثارت اعتراضًا أمريكيًا وقلقًا دوليًا.
هذه التطورات تعني أن أي سلام مستدام بين واشنطن وطهران لن يكون ممكنًا من دون صيغة واضحة تتناول التخصيب، وآليات التفتيش، ومدى التزام إيران بالتعاون مع الوكالة. وبخلاف الهدنات الميدانية، فإن الاستدامة هنا مرتبطة بترتيبات تقنية وسياسية شديدة التعقيد.
هل عاد التفاوض فعلًا؟
المؤشرات المتاحة تفيد بأن قنوات التفاوض لم تُغلق بالكامل، حتى في ذروة التوتر. سلطنة عُمان أعلنت في مايو 2025 عن موعد لجولة جديدة من المحادثات الأمريكية الإيرانية، ما أكد استمرار دورها كوسيط موثوق لدى الجانبين. كما تحدثت تقارير دولية لاحقًا عن جهود وساطة إقليمية متعددة لمنع انهيار فرص التفاهم وإعادة إحياء المسار التفاوضي.
المغزى هنا أن التصعيد العسكري لم يلغِ الدبلوماسية، بل أعاد تعريف شروطها. كل طرف يسعى إلى تحسين موقعه قبل الجلوس إلى الطاولة، لكن الطاولة نفسها ما زالت قائمة.
مضيق هرمز.. عنوان الخطر الاقتصادي العربي
بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو أزمة مضيق هرمز مجرد نزاع بعيد. أي اضطراب في هذا الممر يضغط على أسواق النفط العالمية، ويرفع كلفة التأمين والنقل البحري، ويدفع الأسعار إلى مزيد من التقلب. وفي يوليو 2026، صدرت إدانات مصرية رسمية للهجمات الإيرانية على دول خليجية وناقلات في المضيق، مع تشديد القاهرة على رفض المساس بأمن الملاحة وباستقرار الخليج.
هذا البعد بالغ الأهمية، لأن مصر تنظر إلى أمن البحرين الأحمر والعربي والخليج بوصفه جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي الأوسع. وكلما اقتربت واشنطن وطهران من حافة الصدام، زادت المخاوف العربية من انتقال الكلفة إلى الاقتصادات الوطنية، سواء عبر الطاقة أو التجارة أو الاستثمارات.
ماذا تقول القاهرة؟
الموقف المصري خلال 2025 و2026 اتسم بثبات نسبي: خفض التصعيد أولًا، ثم العودة إلى التفاوض. بيانات وتحركات وزارة الخارجية المصرية شددت على ضرورة التوصل سريعًا إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يراعي شواغل دول المنطقة، وعلى رأسها الأمن الإقليمي وحرية الملاحة في هرمز. كما كثفت القاهرة اتصالاتها مع أطراف إقليمية ودولية، بينها إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية وشركاء أوروبيون، لدعم وقف دائم لإطلاق النار ومنع تجدد المواجهة.
وفي يوليو 2025، تحدثت مصادر مصرية رسمية عن اتصالات مكثفة قادها وزير الخارجية بدر عبد العاطي لدعم التهدئة الإقليمية وفتح المجال أمام حلول سياسية. هذه المقاربة تعكس رؤية مصرية تعتبر أن ترك الساحة لمنطق الضربات المتبادلة يهدد المنطقة كلها، بينما يمنح المسار الدبلوماسي فرصة لحماية الدول العربية من ارتدادات لا تتحكم فيها.
هل يمكن أن يتحول الردع إلى تسوية؟
الإجابة الواقعية: نعم، لكن بشروط. فالتاريخ القريب للعلاقة بين واشنطن وطهران يظهر أن التصعيد قد يقود إلى مفاوضات، لكنه لا يضمن اتفاقًا نهائيًا. المطلوب هذه المرة ليس مجرد تهدئة مؤقتة، بل تفاهم أوسع يربط بين الملف النووي، وأمن الملاحة، وقواعد الاشتباك الإقليمي.
- أولًا: قبول متبادل بأن الحرب المفتوحة ستكون أكثر كلفة من التسوية الجزئية.
- ثانيًا: وجود وسطاء قادرين على حفظ الحد الأدنى من الثقة، وفي مقدمتهم عُمان، مع أدوار موازية لدول عربية أخرى.
- ثالثًا: صياغة ترتيبات قابلة للتحقق دوليًا في الملف النووي.
- رابعًا: تحييد الممرات البحرية عن منطق الرسائل العسكرية.
لكن العقبة الكبرى تكمن في انعدام الثقة. فكل طرف يخشى أن يستغل الآخر فترة التهدئة لإعادة التموضع سياسيًا أو عسكريًا. لذلك فإن أي سلام محتمل سيكون، على الأرجح، سلامًا وظيفيًا في البداية: يمنع الانهيار ويخفض التوتر، قبل أن يتطور ربما إلى تفاهم أشمل.
خلاصة المشهد
المفارقة التي تحكم الصراع الأمريكي الإيراني اليوم هي أن الحرب، أو الاقتراب الحاد منها، قد تصبح الدافع الأقوى للبحث عن مخرج دبلوماسي أكثر رسوخًا. فحين ترتفع الخسائر المحتملة على الجميع، من القواعد العسكرية إلى صادرات الطاقة والملاحة الدولية، يصبح التفاوض أقل مثالية وأكثر إلحاحًا.
وبالنسبة للمنطقة العربية، لا سيما مصر ودول الخليج، فإن الرهان لا ينبغي أن يكون على حسن نيات الأطراف المتصارعة، بل على بناء ضغط إقليمي ودولي منظم يحوّل التهدئة من استراحة مؤقتة إلى مسار سياسي قابل للاستمرار. عندها فقط يمكن أن يصبح الحديث عن سلام مستدام أكثر من مجرد مفارقة فرضتها الحرب.