Akhbar Cairo

هل تقترب ضربة لإيران؟ قراءة في التنسيق الأمريكي الإسرائيلي

بين الرسائل العسكرية وحسابات السياسة

عادت فرضية توجيه ضربة عسكرية إلى إيران لتحتل صدارة النقاش الإقليمي، بعد تقارير تحدثت عن تكثيف التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك تدريبات وطلعات بعيدة المدى تحاكي سيناريوهات هجوم معقد. ورغم أن مثل هذه التقارير لا تكفي وحدها للجزم بقرار حرب وشيك، فإنها تعكس بوضوح أن خيار القوة لا يزال حاضرًا على الطاولة في واشنطن وتل أبيب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني وقدرات طهران الصاروخية وشبكة حلفائها في المنطقة.

بالنسبة إلى القارئ في مصر، لا تبدو هذه التطورات مجرد خبر خارجي بعيد. فأي تصعيد واسع بين إسرائيل وإيران، مع انخراط أمريكي مباشر أو غير مباشر، ستكون له كلفة تتجاوز مسرح العمليات نفسه: من أمن الملاحة والطاقة إلى وضع العراق وسوريا والخليج، وصولًا إلى انعكاسات اقتصادية وسياسية على المنطقة العربية كلها.

ما الذي يمكن التحقق منه فعلًا؟

المعلومة الأساسية الواردة في أصل الخبر تتحدث عن تكثيف تدريبات عسكرية أمريكية إسرائيلية، بينها طلعات جوية فوق العراق للتدرب على مناورات هجومية. هذه النقطة تحديدًا يصعب تأكيد كل تفاصيلها من مصادر رسمية منشورة ومفتوحة، لذلك يجب التعامل معها بحذر مهني. لكن ما يمكن التحقق منه بوضوح هو أن التعاون العسكري بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي شهد خلال السنوات الأخيرة قفزة لافتة في الحجم والنوعية، وأنه بات يركز بصورة أكبر على الجاهزية المشتركة للعمليات بعيدة المدى والاستجابة لسيناريوهات إقليمية معقدة.

فالقيادة المركزية الأمريكية CENTCOM أعلنت في يوليو 2023 بدء تمرين Juniper Oak 23.3 مع الجيش الإسرائيلي، ضمن سلسلة تدريبات تهدف إلى تعزيز التشغيل البيني بين الطرفين. كما أكد الجيش الإسرائيلي أن تمرين Juniper Oak 23.2 الذي اختُتم في يناير 2023 كان الأكبر من نوعه في تاريخ الشراكة العسكرية بين البلدين. ووفق بيانات عسكرية أمريكية، شارك في هذا النمط من التدريبات آلاف الجنود وعشرات الطائرات والسفن، مع تركيز على الدفاع الجوي، والضربات بعيدة المدى، والتنسيق المشترك في بيئات قتالية معقدة.

هذه المعطيات لا تثبت وحدها وجود قرار فوري بضرب إيران، لكنها تثبت شيئًا آخر أكثر أهمية: أن البنية العسكرية واللوجستية والسياسية اللازمة لمثل هذا السيناريو تُبنى تدريجيًا، وأن الرسالة موجهة إلى طهران بقدر ما هي موجهة إلى حلفاء واشنطن وخصومها في الإقليم.

لماذا العراق حاضر في المعادلة؟

العراق ليس مجرد تفصيل جغرافي في أي حديث عن مواجهة محتملة مع إيران. المجال الجوي العراقي، والموقع الفاصل بين الخليج وبلاد الشام، وانتشار الفصائل المسلحة الموالية لطهران، والوجود الأمريكي المستمر، كلها عناصر تجعل بغداد في قلب أي تصعيد محتمل. وزارة الدفاع الأمريكية كانت قد أكدت في 2024 أن لدى الولايات المتحدة نحو 2500 عسكري في العراق في إطار التعاون الأمني ومهمة التحالف ضد تنظيم داعش، وهو رقم يمنح واشنطن موطئ قدم استراتيجيًا مهمًا في لحظة التوتر الإقليمي.

ومن هنا، فإن أي حديث عن طلعات أو ترتيبات عسكرية ترتبط بمسار يمتد عبر العراق أو محيطه لا يمكن فصله عن معضلتين أساسيتين: الأولى سيادة الدولة العراقية، والثانية احتمال أن يتحول العراق مجددًا إلى ساحة تصفية حسابات بين واشنطن وطهران. هذه نقطة حساسة عربيًا، ومفهومة جيدًا في مصر، حيث يثير اتساع رقعة الصراع دائمًا أسئلة حول حدود الردع وحدود الانفجار.

نتنياهو بين الأمن والسياسة

في إسرائيل، يصعب فصل الملف الإيراني عن الحسابات السياسية الداخلية. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (@b.netanyahu على إنستغرام) جعل من مواجهة إيران محورًا ثابتًا في خطابه السياسي والأمني منذ سنوات، سواء تعلق الأمر بالملف النووي، أو بنفوذ طهران الإقليمي، أو بقدراتها الصاروخية. ولذلك فإن أي تقارير عن استعدادات عسكرية جديدة تجد صدى فوريًا داخل إسرائيل، ليس فقط من زاوية الأمن القومي، بل أيضًا من زاوية صورة القيادة والردع.

غير أن المعضلة الإسرائيلية تبقى نفسها: إسرائيل تستطيع أن تضرب، لكنها تحتاج إلى مظلة أمريكية واسعة إذا أرادت تحويل ضربة محدودة إلى حملة مستدامة. فإيران ليست هدفًا سهلاً، والمسافة، وطبيعة الدفاعات، واحتمالات الرد من جبهات متعددة، كلها تجعل التنسيق مع الولايات المتحدة عنصرًا حاسمًا لا يمكن تجاوزه.

واشنطن: الردع أولًا أم الحرب أولًا؟

من الجانب الأمريكي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. واشنطن اعتادت استخدام المناورات العسكرية الكبرى كأداة ردع ورسالة سياسية في الوقت نفسه. أي أنها قد ترفع مستوى الجاهزية وتسمح بتسريب رسائل عن خطط أو سيناريوهات، من دون أن يعني ذلك حتمية الانتقال إلى الحرب. هذا النهج يخدم هدفين: الضغط على إيران، وطمأنة إسرائيل والحلفاء الإقليميين.

لكن المشكلة أن منطق الردع نفسه قد ينقلب إلى مسار تصعيد غير مقصود. فعندما تزداد التدريبات، ويتوسع التنسيق، وتكثر الاختبارات الميدانية، يصبح هامش الخطأ أضيق. كما أن إيران تراقب بدورها، وتعيد التموضع، وتفعّل أدواتها غير التقليدية عبر الإقليم. وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: هل توجد خطة؟ بل: متى تتحول الخطة من أداة ضغط إلى قرار تنفيذ؟

كيف تنظر طهران إلى هذه الرسائل؟

في القراءة الإيرانية، لا تُفهم التدريبات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية باعتبارها نشاطًا روتينيًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من معركة نفسية وعسكرية مركبة. فطهران تعرف أن تدريبات من نوع Juniper Oak ليست مجرد استعراض، لأن البيانات الرسمية الأمريكية والإسرائيلية نفسها تتحدث عن تعزيز الجاهزية المشتركة لمواجهة تهديدات إقليمية. لذلك تتعامل إيران عادة مع هذه الرسائل عبر مسارين متوازيين: رفع الاستعداد الدفاعي، وإرسال إشارات مضادة بأن أي هجوم ستكون كلفته مرتفعة على الجميع.

وهذا بالضبط ما يجعل احتمال الضربة، حتى إن ظل غير مؤكد، عاملًا فعليًا في تشكيل سياسات المنطقة. فمجرد بقاء هذا الاحتمال حيًا يدفع كل الأطراف إلى إعادة حساباتها، من أسعار الطاقة إلى حركة الشحن، ومن تموضع القواعد إلى لغة الدبلوماسية.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر والمنطقة العربية؟

من منظور مصري، القضية ليست تأييد هذا الطرف أو ذاك، بل تقييم أثر أي انفجار إقليمي على الأمن العربي الأوسع. فمصر تنظر تقليديًا إلى استقرار الممرات البحرية، ومنع تمدد الفوضى، والحفاظ على توازنات الإقليم، باعتبارها أولويات مباشرة. وإذا اتسعت دائرة الاشتباك بين إسرائيل وإيران، أو دخلت الولايات المتحدة فيها بصورة أعمق، فإن المنطقة قد تواجه موجة جديدة من الاضطراب السياسي والاقتصادي، وهو ما يفرض متابعة دقيقة تتجاوز العناوين المثيرة.

  • أولًا: العراق قد يصبح نقطة احتكاك مبكر، سواء عبر أجوائه أو عبر الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران.
  • ثانيًا: أي تصعيد قد يضغط على أسواق الطاقة والنقل البحري، بما ينعكس على اقتصادات المنطقة.
  • ثالثًا: احتمال توسع المواجهة إلى جبهات متعددة يجعل احتواءها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

الخلاصة

الحديث عن تخطيط أمريكي إسرائيلي لضرب إيران لا ينبغي التعامل معه بوصفه نبوءة مؤكدة، ولا باعتباره دعاية عابرة. الوقائع القابلة للتحقق تشير إلى تعاون عسكري متقدم وغير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب، وإلى تدريبات كبيرة صُممت بوضوح لرفع الجاهزية لسيناريوهات إقليمية واسعة. أما التفاصيل الأكثر حساسية، مثل مسارات الطلعات أو توقيت التنفيذ، فلا تزال في مساحة يصعب الجزم بها علنًا.

لكن في عالم الشرق الأوسط، يكفي أحيانًا أن تصبح الحرب ممكنة حتى تبدأ آثارها قبل وقوعها. ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط ما إذا كانت ضربة لإيران ستحدث، بل ما إذا كانت المنطقة تملك أصلًا رفاهية اختبار هذا السيناريو مرة أخرى.