Akhbar Cairo

هل تكفي المخصصات لحل أزمة الدواء في مصر؟

مطالبة برلمانية تعيد فتح الملف الأكثر حساسية للمريض المصري

أعاد النائب أحمد عصام، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، الجدل إلى قلب المشهد الصحي بعد مطالبته بإقالة وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار، على خلفية استمرار شكاوى المواطنين من عدم توافر بعض الأدوية والمستلزمات الطبية. أهمية هذه المطالبة لا تتوقف عند بعدها السياسي، بل تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بمدى قدرة الدولة على تحويل الوعود والمخصصات المالية إلى دواء متاح بالفعل على أرفف الصيدليات وداخل المستشفيات.

اللافت أن اسم أحمد عصام ارتبط بالفعل خلال عام 2026 بملف الدواء؛ إذ تقدم في مارس 2026 بطلب إحاطة بشأن ارتفاع أسعار الأدوية وعدم ملاءمة بروتوكولات العلاج على نفقة الدولة للزيادات الأخيرة، محذرًا من أثر ذلك على المرضى غير القادرين الذين يعتمدون بصورة مباشرة على الدعم الحكومي للحصول على العلاج. هذا التسلسل يكشف أن تحركه الحالي ليس معزولًا، بل يأتي ضمن مسار رقابي وسياسي مستمر تجاه الملف نفسه.

بين خطاب الغضب البرلماني ورواية الحكومة

جوهر الانتقاد البرلماني هذه المرة يتمثل في المفارقة بين اتساع الشكاوى الشعبية وبين إعلان الحكومة تخصيص نحو 90 مليار جنيه في موازنة العام المالي الحالي لتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية وتكوين مخزون استراتيجي. هذا الرقم أكده رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في اجتماع عُقد بالعاصمة الإدارية الجديدة يوم 2 سبتمبر 2026 لمتابعة توافر الأدوية والمستلزمات الطبية في المستشفيات، بحضور وزير الصحة والسكان ووزير المالية ورئيس هيئة الدواء المصرية ورئيس هيئة الشراء الموحد.

وفق الرواية الحكومية، فإن هذا التمويل يستهدف الحفاظ على مخزون مطمئن، مع الاعتماد على منظومة تخزين وتوزيع وإمداد تديرها هيئة الشراء الموحد. كما شدد مدبولي خلال الاجتماع على المتابعة المستمرة لمخزون الأدوية في مستشفيات وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية، في إشارة واضحة إلى أن الدولة تنظر إلى الملف باعتباره قضية أمن صحي لا مجرد بند موازني.

لكن السياسة لا تُقاس بحجم الإنفاق وحده. فحين تستمر شكاوى المرضى من نقص أصناف بعينها، يصبح السؤال الطبيعي: هل الأزمة في التمويل، أم في سلاسل الإمداد، أم في التسعير، أم في التنسيق بين الجهات المنظمة والمنتجة والموردة؟ هنا تحديدًا يكتسب خطاب أحمد عصام وزنه؛ لأنه يطعن في فعالية الإدارة أكثر مما يطعن في غياب الموارد.

نقص الدواء في مصر: أزمة هيكلية لا تختزلها عبارة "نواقص مؤقتة"

وزارة الصحة والحكومة تميلان إلى تقديم صورة مطمئنة عن توافر الأرصدة، بينما تؤكد جهات تنظيمية ورقابية أن السوق واجه بالفعل تحديات مرتبطة بالعرض والطلب، واستيراد الخامات، وضبط الممارسات الاحتكارية. هيئة الدواء المصرية أوضحت في بيانات سابقة أن بعض حالات النقص ارتبطت بأزمة تدبير العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد المواد الخام، إلى جانب محاولات تخزين كميات تتجاوز الاحتياج الفعلي بما يخلق سوقًا موازية ويرفع الضغط على الأصناف المطلوبة.

هذه النقطة مهمة في قراءة المشهد: المريض لا يهتم كثيرًا بما إذا كان النقص سببه خامة مستوردة أو تأخر توريد أو خلل توزيع؛ ما يعنيه ببساطة هو أن الدواء المطلوب غير موجود وقت الحاجة. لذلك فإن الاكتفاء بالحديث عن "توافر عام مطمئن" لا يكفي سياسيًا ولا اجتماعيًا، لأن أزمة الدواء تُقاس غالبًا بالأصناف الحرجة والنادرة، لا بالمتوسط الحسابي للمخزون.

كما أن ملف الدواء في مصر يرتبط أيضًا بمعادلة التسعير. فالزيادات المتلاحقة في تكاليف الإنتاج والاستيراد تضع الشركات أمام ضغوط كبيرة، بينما تخشى الدولة من انعكاس أي تحريك واسع للأسعار على المواطنين. وفي المنتصف يجد المريض نفسه أمام معادلة صعبة: دواء أعلى سعرًا أو دواء غير متوافر أصلًا. ومن هنا جاءت مطالبة أحمد عصام في مارس 2026 بتحديث بروتوكولات العلاج على نفقة الدولة بما يواكب أسعار السوق، وهي مطالبة تكشف أن الضغط لا يقتصر على الصيدلية التجارية، بل يمتد إلى نظم العلاج المدعوم نفسها.

ماذا تقول الأرقام الرسمية عن موازنة الصحة؟

على المستوى الرسمي، استعرض الدكتور خالد عبدالغفار أمام لجنة الصحة بمجلس النواب مشروع موازنة وزارة الصحة والسكان والجهات التابعة لها للعام المالي 2026/2027، مؤكدًا أن المشروع يستهدف تحسين كفاءة المنظومة الصحية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التحول الرقمي، وحوكمة الإنفاق. كما أشارت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية إلى زيادة مخصصات قطاع الصحة والسكان بنسبة 25% في إطار الخطة متوسطة المدى.

هذه المؤشرات تعني أن الدولة توسع الإنفاق الصحي بالفعل، لكن التحدي السياسي الحقيقي ليس في إقرار الموازنة، بل في ترتيب الأولويات داخلها. فهل تذهب الزيادات إلى الإنشاءات والتجهيزات أكثر مما تذهب إلى استدامة الدواء؟ وهل تصل الموارد سريعًا إلى الحلقات الأشد حساسية، من شراء الخامات حتى التوزيع النهائي؟ هذه أسئلة جوهرية لأن أي خلل صغير في سلسلة الإمداد ينعكس مباشرة على المريض، حتى لو بدت الصورة الكلية للموازنة إيجابية على الورق.

هل تصبح المطالبة بالإقالة أداة ضغط أم عنوانًا لأزمة ثقة؟

من الواضح أن دعوة إقالة وزير الصحة لا ينبغي قراءتها فقط بوصفها مطلبًا شخصيًا ضد خالد عبدالغفار، بل باعتبارها رسالة سياسية عن تصاعد التوتر بين الخطاب التنفيذي والخبرة اليومية للمواطن. حين يعلن رئيس الوزراء توافر التمويل والمخزون، ثم تبقى الشكاوى حاضرة، فإن الفجوة هنا ليست رقمية بل ثِقَية. والمعنى السياسي لذلك أن البرلمان، أو بعض أصواته على الأقل، يريد تحميل المسؤولية لمن يتولى إدارة المنظومة لا لمن يخصص الأموال فحسب.

مع ذلك، فإن اختزال أزمة الدواء في بقاء الوزير أو رحيله قد يكون تبسيطًا مخلًا. فالسوق الدوائية المصرية معقدة؛ تتداخل فيها أدوار وزارة الصحة، وهيئة الدواء المصرية، وهيئة الشراء الموحد، والشركات المحلية والأجنبية، والموزعين، والصيدليات، إضافة إلى أثر سعر الصرف والخامات المستوردة. لهذا فإن الإقالة، حتى لو حدثت نظريًا، لن تكون حلًا تلقائيًا ما لم تصاحبها مراجعة أعمق لسياسات التسعير، وإدارة المخزون، وآليات الإنذار المبكر للأصناف الناقصة، والتواصل العلني مع المواطنين.

ما الذي يحتاجه الملف فعليًا؟

  • شفافية دورية في إعلان قوائم النواقص الحرجة وأسبابها وخطة التعامل معها.
  • ربط المخصصات بالنتائج عبر مؤشرات معلنة لمدى توافر الأدوية في المستشفيات والصيدليات.
  • مراجعة بروتوكولات العلاج على نفقة الدولة بما يتناسب مع تطورات أسعار الدواء.
  • تعزيز الرقابة على التوزيع لمنع التخزين والممارسات التي تصنع سوقًا موازية.
  • تسريع التنسيق بين وزارة الصحة وهيئة الدواء وهيئة الشراء الموحد عند ظهور نقص في الأصناف الحيوية.

الخلاصة: الأزمة في التنفيذ قبل الشعارات

في مصر، يظل ملف نقص الدواء من أكثر الملفات حساسية لأنه يلامس الخوف اليومي للأسر، خاصة مع الأمراض المزمنة والحالات الحرجة. ولذلك فإن مطالبة أحمد عصام بإقالة وزير الصحة تبدو، في جوهرها، تعبيرًا عن نفاد صبر سياسي وشعبي من استمرار الفجوة بين ما يُعلن رسميًا وما يختبره المواطن ميدانيًا. الدولة تقول إن هناك 90 مليار جنيه مخصصة لتأمين الأدوية والمستلزمات، وتؤكد أن المخزون مطمئن. لكن السياسة تُحسم في النهاية عند شباك الصيدلية وسرير المستشفى، لا في بيانات الاجتماعات.

ومن زاوية تحليلات ورأي، فإن القضية لم تعد مجرد نقص دواء هنا أو هناك، بل اختبارًا لقدرة الإدارة العامة على تحويل الموارد إلى خدمة محسوسة. إذا نجحت الحكومة في إغلاق هذه الفجوة، ستكسب ثقة مهمة في واحد من أكثر الملفات اجتماعية وحساسية. وإذا استمرت الشكاوى، فستتكرر دعوات المساءلة وربما تتسع، لأن الحق في الدواء في الوعي المصري ليس مسألة خدمية عابرة، بل معيار مباشر لجدية الدولة في حماية مواطنيها.