هل تنجح قمة أبيك في جمع ترامب وبوتين وشي؟
لقاء ثلاثي محتمل في شينزن.. لكن الطريق إليه ليس ممهدًا
عاد اسم منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) إلى واجهة المتابعة السياسية، بعدما تحدثت موسكو عن احتمال جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام)، والرئيس الصيني شي جين بينغ حول طاولة واحدة على هامش القمة المقبلة. الفكرة، في ظاهرها، تبدو حدثًا بروتوكوليًا استثنائيًا؛ لكنها في جوهرها تحمل وزنًا جيوسياسيًا كبيرًا، لأن أي صورة مشتركة بين قادة القوى الثلاث ستكون رسالة تتجاوز حدود المنتدى الاقتصادي نفسه.
المؤكد رسميًا حتى الآن أن قمة قادة أبيك 2026 ستُعقد في شينزن الصينية يومي 18 و19 نوفمبر 2026، ضمن أسبوع القادة الاقتصاديين، في عام تستضيف فيه الصين اجتماعات المنتدى على امتداد أشهر عدة. هذا التفصيل مهم، لأن اختيار شينزن ليس إداريًا فقط، بل يحمل دلالة على إصرار بكين على تقديم المدينة بوصفها واجهة للصين التكنولوجية والانفتاح الاقتصادي في لحظة دولية شديدة الحساسية.
ماذا قالت موسكو بالضبط؟
التصريحات الروسية الأخيرة لم تذهب إلى حد الإعلان عن موعد نهائي أو جدول أعمال محسوم. ما صدر عن الكرملين، وفق ما نقلته وسائل روسية رسمية وتقارير دولية، هو أن فكرة اللقاء الثنائي بين بوتين وترامب مطروحة، وأن احتمال توسيعها إلى اجتماع ثلاثي يضم شي جين بينغ ليس مستبعدًا. لكن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أوضح أيضًا أن التفاصيل لم تُبحث بعد بصورة نهائية، وأن هناك فقط فهمًا متبادلًا بإمكانية عقد لقاء إذا توافرت الظروف السياسية والعملية.
بمعنى آخر، نحن أمام إشارة سياسية محسوبة أكثر من كوننا أمام ترتيبات مكتملة. وهذا فارق أساسي في قراءة الخبر: موسكو تريد إبقاء باب الاحتمالات مفتوحًا، من دون أن تتحمل كلفة دبلوماسية مسبقة إذا تعثر اللقاء أو تقلص إلى صيغة ثنائية أو حتى مشاورات غير معلنة.
لماذا تبدو أبيك منصة مناسبة لهذا النوع من اللقاءات؟
منتدى أبيك ليس منظمة أمنية، بل إطار اقتصادي يضم 21 اقتصادًا من آسيا والمحيط الهادئ، لكنه تاريخيًا وفر هامشًا واسعًا للقاءات الثنائية والثلاثية بين القادة على هامش الجلسات الرسمية. كما أن وزن اقتصادات أبيك عالميًا يجعل أي حوار داخله ذا أثر يتجاوز التجارة إلى ملفات الأمن والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. وتشير تقديرات منشورة سابقًا إلى أن اقتصادات المنتدى تمثل أكثر من نصف تجارة السلع عالميًا، ما يفسر لماذا تتحول قممه في كثير من الأحيان إلى ساحة تفاوض سياسي غير مباشر بين القوى الكبرى.
ومن زاوية مصرية، فإن أي انفراج أو حتى إدارة أكثر هدوءًا للتوتر بين واشنطن وموسكو وبكين ينعكس على ملفات تهم القارئ في مصر مباشرة، من أسعار الطاقة والحبوب والشحن البحري إلى اتجاهات الاستثمار وسعر الدولار في الأسواق الناشئة. لهذا لا يبدو السؤال عن لقاء ثلاثي في شينزن بعيدًا عن الاهتمام العربي، حتى لو جرى تحت لافتة اقتصادية آسيوية.
العقدة الحقيقية: أوكرانيا والتجارة والتكنولوجيا
إذا حدث الاجتماع، فلن يكون مجرد مناسبة لالتقاط صورة. فالعلاقات بين الأطراف الثلاثة مثقلة بثلاث حزم من النزاعات الكبرى:
- الحرب في أوكرانيا: الملف الأكثر إلحاحًا في العلاقة بين واشنطن وموسكو، خصوصًا مع استمرار الاتصالات والوساطات ومحاولات اختبار فرص التهدئة.
- التنافس التجاري الأمريكي الصيني: من الرسوم إلى القيود الصناعية والتكنولوجية وسلاسل التوريد.
- التوازن الاستراتيجي العالمي: من النفوذ في آسيا إلى شكل النظام الدولي نفسه.
وخلال الأيام الأخيرة، أظهرت التغطيات الأمريكية والروسية أن قنوات التواصل بين واشنطن وموسكو ما زالت نشطة عبر لقاءات واتصالات مرتبطة بالحرب الأوكرانية، لكن من دون إعلان اختراق حاسم. هذا يعني أن أي لقاء محتمل في أبيك، إذا تم، سيكون أقرب إلى إدارة خلافات كبرى لا إلى تسويتها دفعة واحدة.
ماذا تريد الصين من الاستضافة؟
الصين تنظر إلى استضافة أبيك 2026 باعتبارها فرصة لإبراز خطابها حول الانفتاح والتعاون الإقليمي، وقد قدمت بكين بالفعل شعارًا عامًا يتمحور حول بناء مجتمع آسيوي-هادئ يحقق الازدهار المشترك، مع تركيز على الانفتاح والابتكار والتعاون. وفي هذا السياق، فإن مجرد استضافة لقاء ثلاثي بين شي جين بينغ وترامب وبوتين سيمنح بكين مكسبًا رمزيًا كبيرًا: الظهور في موقع الطرف القادر على جمع خصمين أو منافسين داخل أرضها وتحت مظلة منتدى تقوده في عام الاستضافة.
ولا يمكن فصل ذلك عن الحضور الصيني المتزايد في الشرق الأوسط أيضًا، وهو ما يهم القاهرة تحديدًا. فالرئاسة المصرية أعلنت مؤخرًا تفاصيل زيارة دولة قام بها شي جين بينغ إلى مصر يومي 1 و2 سبتمبر 2026، في مؤشر إضافي على اتساع الحضور السياسي والاقتصادي الصيني في المنطقة. ومن هنا، فإن نجاح بكين في إدارة قمة دولية كبرى بحضور زعماء متنافسين سيعزز سرديتها عن نفسها كقوة تنظيم وتوازن، لا مجرد قوة تصنيع وتصدير.
هل يملك ترامب وبوتين وشي مصلحة مشتركة في الاجتماع؟
نظريًا نعم، لكن بدرجات مختلفة. ترامب قد يرى في اللقاء فرصة لإظهار قدرته على فتح قنوات مباشرة مع الخصوم الكبار، وهي صورة محببة سياسيًا لرئيس أمريكي يفضل الدبلوماسية الشخصية والصفقات المباشرة. أما بوتين فيستفيد من تثبيت فكرة أن موسكو ما زالت لاعبًا لا يمكن عزله عن الترتيبات الدولية الكبرى. وبالنسبة إلى شي جين بينغ، فإن الجلوس في قلب المشهد الثلاثي على أرض صينية يمنح بكين أفضلية رمزية واضحة، خصوصًا في ظل التنافس المحتدم مع واشنطن.
لكن تلاقي المصالح في المبدأ لا يعني سهولة الاتفاق على الشكل والمضمون. فالاجتماع قد يتعثر بسبب خلاف على جدول الأعمال، أو بسبب تطورات مفاجئة في أوكرانيا، أو نتيجة توتر جديد بين واشنطن وبكين في التجارة أو التكنولوجيا. كما أن كل طرف سيحسب بدقة كيف سيبدو أمام جمهوره الداخلي وحلفائه إذا ظهر في صيغة تبدو تنازلًا أو إعادة تموضع.
السيناريوهات الأقرب قبل نوفمبر
1) لقاء ثنائي بدلًا من ثلاثي
هذا هو السيناريو الأكثر واقعية حتى الآن: اجتماع بين ترامب وبوتين على هامش أبيك، مع لقاء منفصل بين ترامب وشي، أو بين بوتين وشي، من دون جلسة جامعة معلنة. هذا يمنح الجميع مرونة أكبر ويخفض سقف التوقعات.
2) اجتماع ثلاثي قصير ورمزي
قد يُعقد لقاء محدود الزمن يركز على الصورة السياسية ورسائل التهدئة العامة أكثر من التفاوض التفصيلي. هذا النوع من الاجتماعات شائع عندما تكون الخلافات كبيرة لكن الحاجة إلى الإشارة السياسية قائمة.
3) عدم انعقاد اللقاء أصلًا
يبقى احتمالًا قائمًا، خاصة أن التصريحات الرسمية حتى الآن لا تتجاوز مستوى الإمكان السياسي. أي تصعيد ميداني أو اقتصادي كبير قبل نوفمبر قد يطيح بالفكرة من أساسها.
ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟
من منظور تحليلات ورأي، لا ينبغي التعامل مع الخبر بوصفه مجرد تساؤل بروتوكولي عن من سيجلس إلى جوار من في شينزن. الأهم هو أن العالم يمر بمرحلة يعاد فيها اختبار قنوات الاتصال بين القوى الكبرى تحت ضغط الحرب والتجارة والتكنولوجيا. وإذا نجح لقاء ثلاثي بين ترامب وبوتين وشي، فسيكون ذلك مؤشرًا على أن التنافس الحاد لا يلغي الحاجة إلى إدارة مشتركة للأزمات. أما إذا فشل، فسيعزز الانطباع بأن الاستقطاب الدولي يتجه إلى مزيد من الصلابة قبل نهاية 2026.
بالنسبة لمصر، التي تراقب باهتمام تحركات واشنطن وبكين وموسكو معًا، فإن قيمة الحدث تكمن في نتائجه غير المباشرة: هل يخف الضغط على الأسواق؟ هل تهدأ المواجهة التجارية؟ هل تتغير حسابات الحرب والسلام؟ وحتى الآن، لا توجد إجابات نهائية. الموجود فقط هو أن شينزن في 18 و19 نوفمبر 2026 قد تتحول من محطة اقتصادية إلى واحدة من أهم منصات اختبار التوازنات الدولية هذا العام.