Akhbar Cairo

هل يتغير مسار الممر الاقتصادي؟ السعودية وسوريا في الواجهة

تحركات جديدة حول مشروع الممر الاقتصادي

عاد مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا إلى دائرة الاهتمام من جديد، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة: هل يبقى المسار كما طُرح أول مرة في قمة مجموعة العشرين عام 2023، أم أن التطورات السياسية والأمنية في المنطقة تدفع باتجاه إعادة رسمه؟ المؤكد حتى الآن أن السعودية تتحرك بقوة لتوسيع خياراتها اللوجستية، وأن سوريا بدأت تظهر في النقاشات الجارية كمسار محتمل ضمن شبكة عبور أوسع تربط الخليج بالبحر المتوسط ثم أوروبا.

المشروع الأصلي أُعلن في 9 سبتمبر 2023 بمذكرة تفاهم ضمت الهند والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي. والفكرة الأساسية كانت إنشاء شبكة متكاملة من الموانئ والسكك الحديدية وكابلات الاتصالات وخطوط الطاقة لربط الهند بالخليج ثم أوروبا، بما يعزز التجارة وسلاسل الإمداد والاستثمارات العابرة للحدود.

لماذا عاد الجدل الآن؟

السبب الرئيسي أن البيئة الإقليمية تغيرت كثيرًا منذ الإعلان الأول عن المشروع. تقديرات ومراكز بحث دولية بدأت تتحدث صراحة عن الحاجة إلى إعادة تصميم الممر بحيث يصبح أقل تعرضًا للاختناقات الجيوسياسية والممرات البحرية الحساسة، خاصة بعد الاضطرابات التي أصابت حركة التجارة والطاقة في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة.

وفي هذا السياق، لفتت تقارير بحثية أوروبية إلى أن الرياض تبحث بالفعل بدائل تقلل الاعتماد على أي مسار واحد، بما في ذلك مسارات تمر عبر مصر أو عبر سوريا وتركيا والأردن وصولًا إلى المتوسط والأسواق الأوروبية. وبالنسبة للقارئ المصري، تكتسب هذه التحركات أهمية خاصة لأن أي إعادة توزيع لطرق التجارة في المشرق تؤثر مباشرة في توازنات النقل الإقليمي وموقع الموانئ وخطوط العبور في شرق المتوسط والبحر الأحمر.

ماذا تقول المؤشرات الرسمية؟

لا يوجد حتى الآن إعلان سعودي رسمي يقول إن المملكة قررت نهائيًا نقل مسار مشروع IMEC إلى سوريا. لكن هناك مؤشرات عملية تستحق التوقف أمامها. ففي 9 يونيو 2026، وقعت السعودية وتركيا في الرياض مذكرتي تفاهم لتعزيز التعاون في السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، خلال لقاء جمع وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح بن ناصر الجاسر بوزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو.

هذه الخطوة لا تعني وحدها إنشاء ممر جديد، لكنها تشير بوضوح إلى أن الرياض تضع خيار الربط البري مع تركيا على الطاولة، وهو خيار يزداد واقعية كلما جرى التفكير في توسيع الشبكات اللوجستية الممتدة من الخليج نحو أوروبا بعيدًا عن المسارات التقليدية المعرضة للمخاطر.

على الجانب السوري، برز تطور آخر مهم في 29 يونيو 2026، حين أعلنت وزارة النقل السورية بدء العمل على تأهيل الطريق الدولي M45 بوصفه مشروعًا استراتيجيًا يدعم مكانة سوريا كممر ترانزيت للتجارة الإقليمية. ووفق التفاصيل المعلنة، يمتد هذا الطريق من معبر باب الهوى على الحدود التركية مرورًا بحلب وحمص ودمشق وصولًا إلى معبر نصيب على الحدود الأردنية، ثم يتصل بالأردن والسعودية حتى اليمن. هذا الوصف يعكس بوضوح طموح دمشق لاستعادة دورها التقليدي كحلقة وصل برية بين تركيا والمشرق والخليج.

هل تصبح سوريا عقدة عبور جديدة؟

من الناحية الجغرافية، تمتلك سوريا ميزة يصعب تجاهلها: موقع يربط تركيا بالحدود الأردنية، ويفتح منفذًا طبيعيًا نحو شرق المتوسط. وإذا أضيف إلى ذلك أي استثمار كبير في الطرق أو السكك الحديدية أو الموانئ، فقد تتحول إلى عنصر مهم في أي شبكة نقل إقليمية بديلة. لكن من الناحية العملية، ما زالت المسألة أعقد من مجرد رسم خط على الخريطة.

فالمرور عبر سوريا يتطلب توافر مجموعة شروط، منها:

  • استقرار أمني وسياسي يضمن استمرارية حركة البضائع والاستثمارات.
  • إعادة تأهيل واسعة للبنية التحتية المدمرة أو المتقادمة.
  • ترتيبات تمويل وتأمين وشحن مقبولة للشركات الدولية.
  • تفاهمات إقليمية ودولية تسمح بتحويل الفكرة إلى مشروع قابل للتنفيذ.

لهذا، فإن الحديث الآن يدور أكثر حول دراسة البدائل وبناء الخيارات، لا عن قرار نهائي مكتمل الأركان.

السعودية والبحث عن مرونة لوجستية

في السنوات الأخيرة، وضعت السعودية قطاع النقل والخدمات اللوجستية في قلب استراتيجيتها الاقتصادية. الوزير صالح الجاسر أعلن في فبراير 2026 أن حجم الاستثمارات منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية في منتصف 2021 تجاوز 250 مليار ريال. كما أشار في ديسمبر 2025، خلال فعاليات مرتبطة بميزانية 2026، إلى أن القطاع يشهد عقودًا استثمارية تتجاوز 280 مليار ريال من القطاعين المحلي والعالمي.

هذه الأرقام تفسر لماذا تتعامل الرياض مع ملف الممرات التجارية بوصفه جزءًا من رؤية أوسع: ليس مجرد مشروع سياسي، بل بنية نفوذ اقتصادي تمتد من الموانئ إلى السكك الحديدية والمناطق اللوجستية وسلاسل الإمداد. ومن هنا، فإن أي مسار يرفع كفاءة الوصول إلى المتوسط وأوروبا، ويقلل المخاطر، ويمنح المملكة هامش حركة أكبر، سيحظى باهتمام واضح.

ما الذي يعنيه ذلك لإسرائيل وللمنطقة؟

القراءة السياسية لما يجري واضحة: كلما توسعت البدائل البرية والبحرية التي لا تمر عبر مسار واحد، تراجع وزن أي طرف كان يُنظر إليه سابقًا كحلقة لا غنى عنها. ولهذا تنظر دوائر عديدة إلى احتمالات المرور عبر سوريا أو الدمج بين أكثر من مسار على أنها إعادة توزيع للأهمية الجيوسياسية داخل مشاريع الربط الإقليمي.

لكن من المهم التمييز بين المشروع الأصلي كما أُعلن في 2023، وبين النسخ المحتملة المعدلة التي يجري تداولها الآن في التحليلات والتفاهمات الثنائية. فالممر الاقتصادي لم يتحول بعد إلى بنية مكتملة على الأرض، بل ما يزال إطارًا استراتيجيًا مفتوحًا على تعديلات كثيرة بحسب توازنات الأمن والسياسة والتمويل.

زاوية مصرية: لماذا يهم الخبر القاهرة؟

من منظور مصري، أي تحول في خطوط الربط بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا يستحق المتابعة الدقيقة. مصر لاعب محوري في الملاحة والتجارة الدولية عبر قناة السويس، كما أنها مطروحة في بعض التصورات الحديثة كمركز لوجستي متوسطي يمكن ربطه بمشروعات خليجية كبرى. لذلك، فإن بروز مسارات عبر سوريا أو تركيا لا يلغي أهمية مصر، بل يزيد المنافسة على من يملك أفضل مزيج من الأمان، والكلفة، وسرعة العبور، والبنية التحتية.

وفي النهاية، الصورة الحالية تقول إن السعودية لا تبدو متمسكة بخيار واحد فقط، بل تتحرك وفق منطق تنويع المسارات. أما سوريا، فهي تحاول العودة إلى الخريطة بوصفها ممرًا بريًا محتملًا، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومشروعات إعادة تأهيل النقل. وبين هذا وذاك، يبقى مستقبل الممر الاقتصادي الإقليمي رهنًا بما ستسفر عنه الشهور المقبلة من تفاهمات سياسية واستثمارات فعلية على الأرض.

الخلاصة: لا يوجد تأكيد رسمي نهائي بأن السعودية نقلت مسار الممر الاقتصادي إلى سوريا، لكن الوقائع المتاحة حتى يوليو 2026 تشير إلى أن المملكة تدرس بجدية خيارات بديلة أو موازية، بينما تعمل دمشق على تقديم نفسها مجددًا كبوابة عبور إقليمية. وهذا وحده كافٍ ليجعل الملف واحدًا من أهم ملفات الجغرافيا الاقتصادية في الشرق الأوسط الآن.