هل يزور ماكرون دمشق؟ ما نعرفه عن مسار التقارب مع الشرع
حديث متجدد عن زيارة فرنسية محتملة إلى دمشق
عاد ملف العلاقات السورية الفرنسية إلى الواجهة مع تداول تقارير عن لقاء مرتقب بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دمشق. وحتى الآن، لا يظهر في المصادر الرسمية المتاحة إعلان فرنسي أو سوري نهائي يحدد موعد زيارة لماكرون إلى العاصمة السورية، لكن المعطيات المؤكدة تشير بوضوح إلى أن خط الاتصال بين دمشق وباريس أصبح أكثر نشاطًا خلال العامين الأخيرين، وأن الطرفين يدفعان نحو توسيع التفاهم السياسي في ملفات الانتقال والاستقرار وإعادة الإعمار.
وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه التطورات مهمة داخل سياق أوسع يخص توازنات الإقليم، لأن أي تقارب بين فرنسا وسوريا ينعكس على ملفات حساسة مثل استقرار المشرق، ومستقبل العقوبات الأوروبية، وحركة الاستثمار وإعادة البناء، فضلًا عن تأثيره على العلاقات العربية والدولية مع دمشق.
ما الذي تأكد رسميًا حتى الآن؟
المؤكد من المصادر الرسمية أن ماكرون كان من أوائل القادة الغربيين الذين فتحوا قناة اتصال مباشرة مع أحمد الشرع بعد توليه الرئاسة في سوريا. ففي 5 فبراير 2025 أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا أن الرئيس الفرنسي أجرى اتصالًا هاتفيًا بالشرع لتهنئته بتولي منصب الرئاسة، وأبدى خلاله دعمه للمرحلة الانتقالية، كما تحدث عن مساعي بلاده لرفع العقوبات وتهيئة المجال للنمو والتعافي الاقتصادي.
ثم تطور هذا المسار سريعًا إلى مستوى أعلى، إذ استقبل قصر الإليزيه في 7 مايو 2025 أحمد الشرع في باريس، في أول زيارة له إلى دولة غربية منذ توليه الرئاسة. ووفق الرئاسة الفرنسية، شدد ماكرون خلال اللقاء على دعم بلاده لسوريا “حرة ومستقرة وتعددية وذات سيادة”، كما طرح مطالب مرتبطة بانتقال شامل، ومكافحة الإرهاب، ودور سوريا في استقرار المنطقة، لا سيما ما يتعلق بلبنان.
وفي محطة لاحقة، واصل الجانبان الاتصالات السياسية. وذكرت سانا في 18 يناير 2026 أن الرئيسين بحثا هاتفيًا التطورات في سوريا، وأكدا أهمية وحدة البلاد وسيادتها ورفض النزعات الانفصالية، إلى جانب ضرورة تسريع الإعمار وتهيئة الظروف الملائمة للمشروعات الاقتصادية والتنموية. كما أوردت الوكالة السورية لاحقًا اتصالًا آخر تناول تطورات إقليمية والتشاور بشأن الأمن والاستقرار.
هل هناك إعلان رسمي عن زيارة ماكرون إلى دمشق؟
رغم الزخم السياسي القائم، فإن الزيارة المرتقبة إلى دمشق لم تُعلن رسميًا حتى الآن في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها. لذلك، فإن الحديث الأدق صحفيًا هو أن هناك مسار تقارب متناميًا قد يفتح الباب أمام زيارة فرنسية رفيعة، وليس تأكيدًا نهائيًا لموعد محدد.
هذا التفريق مهم للغاية في التغطية الإخبارية، لأن العلاقات الدولية، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل سوريا، تمر غالبًا بمراحل من التمهيد الدبلوماسي قبل تثبيت الزيارات رسميًا. وفي العادة، تسبق هذه الخطوات اتصالات هاتفية، ولقاءات في عواصم ثالثة، وتفاهمات حول جدول الأعمال والنتائج المتوقعة.
لماذا تهم باريس الانفتاح على دمشق الآن؟
الموقف الفرنسي من سوريا يتحرك على أكثر من محور. الأول أمني، إذ تضع باريس ملف مكافحة الإرهاب ضمن أولوياتها، وهو ما ظهر بوضوح في بيان الإليزيه خلال لقاء مايو 2025. والثاني سياسي، ويتمثل في دعم انتقال سوري تصفه فرنسا بأنه يجب أن يكون شاملًا ويحافظ على حقوق جميع المكونات. أما المحور الثالث فهو اقتصادي وإنساني، ويتصل بملف إعادة الإعمار وعودة النشاط الطبيعي للدولة السورية ومؤسساتها.
وتكتسب هذه النقاط أهمية إضافية بعدما اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات ملموسة لتخفيف القيود الاقتصادية على سوريا. فمجلس الاتحاد الأوروبي قرر في 24 فبراير 2025 تعليق عدد من الإجراءات التقييدية على قطاعات رئيسية مثل الطاقة والنقل وبعض المعاملات المالية، ثم أوضح لاحقًا أن الاتحاد رفع في مايو 2025 جميع العقوبات الاقتصادية المتعلقة بسوريا باستثناء التدابير ذات الطابع الأمني، مع الإبقاء على العقوبات المرتبطة بالنظام السابق والأفراد والكيانات المشمولين بإجراءات المساءلة.
الإعمار في صلب الحسابات
الحديث عن الإعمار ليس تفصيلًا ثانويًا في هذا المسار. فالاتصالات الرسمية بين الشرع وماكرون تضمنت صراحة الإشارة إلى تسريع إعادة البناء وخلق بيئة مناسبة للمشروعات الاقتصادية. ومن هنا يمكن فهم سبب اهتمام باريس بالحفاظ على موقع داخل أي ترتيبات مستقبلية تخص البنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات، خصوصًا مع عودة سوريا تدريجيًا إلى مساحة أكبر من الانفتاح الإقليمي والدولي.
ماذا يعني ذلك عربيًا وإقليميًا؟
فرنسا لا تتحرك في فراغ. فالمشهد السوري منذ 2025 شهد زيارات واتصالات عربية ودولية متلاحقة، في وقت تسعى فيه دمشق إلى تثبيت شرعيتها الخارجية وإعادة بناء علاقاتها. بالنسبة للمنطقة، فإن أي تقدم في العلاقة بين سوريا وفرنسا قد يسهم في تخفيف العزلة السياسية والاقتصادية، ويفتح قنوات جديدة للتنسيق حول الحدود، واللاجئين، والطاقة، والتبادل التجاري.
ومن زاوية مصرية، تبقى أهمية هذا الملف مرتبطة بأن استقرار سوريا جزء من استقرار المشرق العربي ككل. كما أن انخراط قوى أوروبية كبرى مثل فرنسا في دعم ترتيبات أكثر رسوخًا داخل سوريا قد يخفف من حدة الاضطراب الإقليمي، وهو ما ينعكس على ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد التي تهم القاهرة أيضًا.
العقبات التي قد تؤخر أي زيارة إلى دمشق
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات يمكن أن تؤخر أي زيارة مباشرة لماكرون إلى دمشق. من بينها تعقيدات المشهد الداخلي السوري، وحسابات الأمن، وحساسية التوقيت السياسي داخل أوروبا، فضلًا عن استمرار الشروط الغربية المتعلقة بطبيعة الانتقال السياسي، وحماية جميع السوريين، ومنع تكرار أعمال العنف، وضمان المساءلة القانونية عن الانتهاكات.
وكان ماكرون قد شدد علنًا خلال استقباله الشرع في باريس على ضرورة حماية السوريين جميعًا دون استثناء ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف. وهذا يعني أن باريس، حتى وهي تفتح باب التقارب، ما زالت تربط تعميق العلاقة بمجموعة من الالتزامات السياسية والأمنية الواضحة.
خلاصة المشهد
الخلاصة أن مسار التقارب بين أحمد الشرع وإيمانويل ماكرون بات حقيقة سياسية موثقة، بدأت باتصال التهنئة في فبراير 2025، ثم لقاء الإليزيه في مايو 2025، وتواصلت عبر اتصالات لاحقة تناولت وحدة سوريا، والاستقرار الإقليمي، وملفات الإعمار والتنمية. أما الحديث عن زيارة ماكرون إلى دمشق، فلا يزال حتى اللحظة في نطاق التوقعات السياسية غير المعلنة رسميًا.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذا الاحتمال يعكس حجم التحول في العلاقة بين البلدين. فبعد سنوات من القطيعة والحذر، يبدو أن باريس ودمشق تتحركان نحو صيغة جديدة عنوانها: الحوار المشروط، والانفتاح الحذر، وربط السياسة بالاستقرار وإعادة الإعمار.
أبرز المحطات في التقارب السوري الفرنسي
- 5 فبراير 2025: اتصال هاتفي بين ماكرون وأحمد الشرع وتهنئة بتولي الرئاسة.
- 7 مايو 2025: الشرع يزور باريس ويلتقي ماكرون في قصر الإليزيه.
- 24 فبراير 2025: الاتحاد الأوروبي يعلق قيودًا على قطاعات سورية رئيسية.
- 28 مايو 2025: الاتحاد الأوروبي يرفع معظم العقوبات الاقتصادية على سوريا مع استثناءات أمنية.
- 18 يناير 2026: اتصال بين الرئيسين يؤكد وحدة سوريا ورفض النزعات الانفصالية وتسريع الإعمار.
وفي حال صدر إعلان رسمي عن زيارة فرنسية إلى دمشق، فإنها ستكون خطوة رمزية وسياسية كبيرة، ليس فقط في مسار العلاقات الثنائية، بل أيضًا في إعادة رسم موقع سوريا داخل التوازنات الدولية الجديدة.