هل يفتح الدستور الباب لجلسة سرية لتفويض حماية السعودية؟
بين العنوان المثير والنص الدستوري
أعاد تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي طرح سؤال حساس في المجالين الدستوري والسياسي: هل يمكن أن يعقد مجلس النواب جلسة سرية لمنح تفويض يتعلق بحماية المملكة العربية السعودية؟ السؤال اكتسب زخمه بعد كلمة الرئيس، السبت 17 أكتوبر 2026، خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية والكليات العسكرية، حين قال إن مصر مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية للدفاع عن أمنها وسيادتها، ودعا البرلمان إلى عقد جلسة طارئة للتفويض على هذا التحرك إذا طُلب من مصر ذلك. وقد نُشرت هذه التصريحات في اليوم نفسه عبر بوابة الأهرام، كما ظهر الحدث على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية ضمن تغطية أنشطة الرئيس.
في النقاش العام، يميل البعض إلى التعامل مع عبارة «جلسة سرية» باعتبارها استثناءً غامضًا أو إجراءً خارجًا عن الأصول. لكن التدقيق في الإطار الدستوري والبرلماني المصري يوضح أن المسألة، إذا وصلت إلى البرلمان أصلًا، تخضع لقواعد محددة سلفًا، وليست قرارًا سياسيًا مرتجلًا. وهنا تبدأ أهمية المادة 152 من الدستور، لا باعتبارها مجرد نص قانوني، بل بوصفها الأداة التي توازن بين سلطة رئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبين الرقابة والشرعية البرلمانية.
ماذا تقول المادة 152 فعلًا؟
النص الدستوري الحاكم واضح في جوهره: رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه لا يعلن الحرب ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. هذا المعنى منشور في المواد الدستورية المعروضة عبر الموقع الرسمي لمجلس النواب، وتؤكده أيضًا مواد قانون القوات المسلحة المنشورة في تغطيات صحفية مصرية اعتمدت على النص الدستوري ذاته.
الأهم هنا أن الدستور لا يتحدث عن «تفويض مفتوح» بالمعنى السياسي الفضفاض، بل عن إجراء دستوري محدد مرتبط بحالة بعينها: إرسال قوات في مهمة قتالية خارج حدود الدولة. وبالتالي، فإن أي قراءة دقيقة للتصريحات الأخيرة يجب أن تفرق بين التضامن السياسي الكامل مع السعودية، وبين تفعيل آلية دستورية خاصة قد تُستخدم فقط إذا وُجد طلب رسمي يستدعي تحركًا من هذا النوع.
هل الجلسة السرية ممكنة دستوريًا؟
نعم، من حيث المبدأ، الجلسة السرية ممكنة ومتصلة بالنظام البرلماني المصري. فالهيئة العامة للاستعلامات، في عرضها لاختصاصات مجلس النواب، تشير إلى أن المجلس يمكنه عقد جلسة سرية بناء على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو رئيس المجلس أو عدد محدد من الأعضاء، ثم يقرر المجلس ما إذا كانت المناقشة تكون علنية أو سرية. وبصورة أكثر تحديدًا، استندت تغطيات سابقة في مصر إلى المادة 130 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، التي تنص على أن الموافقة على إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج الدولة تكون في جلسة سرية عاجلة يعقدها المجلس بناء على طلب رئيس الجمهورية وبعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني.
هذه النقطة جوهرية، لأنها تعني أن الحديث عن جلسة سرية ليس بدعة سياسية مستحدثة بسبب الظرف الإقليمي، بل هو احتمال منصوص عليه في القواعد المنظمة لعمل المجلس عند مناقشة الملفات العسكرية ذات الطبيعة الحساسة.
سابقة 2020: لماذا تعود إلى الواجهة الآن؟
من الصعب فهم الجدل الحالي من دون استدعاء سابقة يوليو 2020، حين وافق مجلس النواب في جلسة سرية على إرسال عناصر من القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة، في سياق التطورات على الاتجاه الاستراتيجي الغربي المرتبط بالأزمة الليبية آنذاك. تلك السابقة، التي تناولتها صحف مصرية ومواقع إخبارية بارزة وقتها، كرّست عمليًا كيفية تطبيق المادة 152 واللائحة الداخلية في القضايا العسكرية الخارجية.
الفرق بين 2020 و2026 أن الحالة الأولى كانت مرتبطة مباشرة بملف الأمن القومي المصري على الجبهة الغربية، بينما التصريح الحالي يربط أي تحرك محتمل بطلب سعودي وبمفهوم حماية أمن المملكة وسيادتها. هذا الفارق لا يغيّر الإجراء الدستوري في حال الوصول إليه، لكنه يغيّر بالتأكيد النقاش السياسي حول طبيعة المصلحة المصرية المباشرة، وحدود الالتزام الإقليمي، ومعنى الردع المشترك في بيئة شرق أوسطية شديدة التقلب.
سياسيًا.. لماذا قال الرئيس ذلك الآن؟
من منظور تحليلي، يحمل تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي معنى مزدوجًا. المعنى الأول ردعي ورسائلي، موجّه إلى الأطراف الإقليمية التي قد تفهم أن أمن الخليج يمكن فصله عن معادلات الأمن القومي العربي الأوسع. والمعنى الثاني داخلي ودستوري، إذ يحرص على تأكيد أن أي انتقال من مستوى الدعم السياسي إلى مستوى التحرك العسكري المنظّم لن يتم إلا عبر المؤسسات المنصوص عليها في الدستور.
هذه الصياغة مهمة في الخطاب الرسمي المصري؛ فهي تمنح الحليف السعودي رسالة دعم قوية، وفي الوقت نفسه تبقي القرار النهائي داخل إطار الشرعية المؤسسية. ولذلك فإن استدعاء البرلمان هنا ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل جزء من الرسالة نفسها: مصر لا تتحدث فقط بلغة الالتزام السياسي، وإنما بلغة الدولة ومؤسساتها.
هل يعني ذلك أن جلسة البرلمان باتت مؤكدة؟
لا، وهذا من أهم ما ينبغي توضيحه للقارئ المصري. حتى الآن، المتاح علنًا هو تصريح رئاسي يفيد بالاستعداد لاتخاذ الإجراء إذا طلبت السعودية ذلك. لا توجد، في المصادر الرسمية المتاحة علنًا حتى لحظة الكتابة، دعوة منشورة من مجلس النواب لانعقاد جلسة طارئة بهذا الشأن، ولا إعلان رسمي عن طلب سعودي ترتب عليه بدء المسار الدستوري. لذا فالجزم بأن البرلمان «سيعقد» جلسة سرية الآن يتجاوز ما تم التحقق منه.
الأدق صحفيًا وسياسيًا هو القول إن الدستور واللائحة يتيحان هذا المسار إذا استدعت الظروف ذلك، وإن تصريح الرئيس جعل هذا الاحتمال قائمًا في المجال السياسي، لكنه لم يحوله بعد إلى إجراء واقع ومعلن.
كيف يقرأ المصريون هذه الإشارة؟
بالنسبة لجمهور مصري يتابع ملفات الاقتصاد والأمن والإقليم في وقت واحد، فإن أي حديث عن إرسال قوات خارج الحدود يثير بطبيعة الحال أسئلة تتعلق بالكلفة، والمدة، والهدف، وحدود الاشتباك، وتأثير ذلك على أولويات الداخل. غير أن المدرسة الرسمية المصرية، كما تعكسها المادة 152 نفسها، تحاول ضبط هذه المخاوف عبر ثلاثة أقفال مؤسسية:
- أولًا: القرار لا ينفرد به الرئيس وحده، بل يسبقه رأي مجلس الدفاع الوطني.
- ثانيًا: لا يكفي التصويت العادي، بل يشترط الدستور موافقة أغلبية الثلثين.
- ثالثًا: مناقشة هذا النوع من الملفات يمكن أن تجري في جلسة سرية لحماية ما يتصل بالأمن القومي والتقديرات العسكرية.
هذه الضمانات لا تنهي الجدل السياسي، لكنها تضعه داخل إطار دستوري أكثر انضباطًا من الشعارات والانفعالات المتداولة على منصات التواصل.
السعودية في المعادلة المصرية
لا يمكن فصل الجدل الدستوري عن ثقل العلاقة المصرية السعودية نفسها. فالقاهرة تنظر تقليديًا إلى أمن الخليج باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي العربي، بينما ترى أيضًا أن استقرار السعودية مؤثر مباشر في توازنات المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. من هنا، لا تبدو الإشارة الرئاسية منفصلة عن سياق أوسع عنوانه تثبيت التزامات الردع والتحالفات، لا إعلان قرار عسكري وشيك بالضرورة.
وفي هذا المعنى، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: هل ستنعقد جلسة سرية؟ بل أيضًا: ما الذي تريد القاهرة أن تقوله قبل أن تصل أصلًا إلى هذه المرحلة؟ الإجابة الأرجح أن الرسالة موجهة إلى الخارج بقدر ما هي موجهة إلى الداخل: مصر تريد أن تُظهر أن دعمها للسعودية ليس إنشائيًا، لكنه في الوقت نفسه محكوم بالدستور ومؤسسات الدولة.
الخلاصة
الحديث عن «جلسة سرية لتفويض الدفاع عن السعودية» لا ينبغي اختزاله في عنوان مثير. المعطيات المتاحة تؤكد أن الدستور المصري، عبر المادة 152، يضع شروطًا صارمة لأي إرسال للقوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود، وأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب تتيح أن يناقش المجلس هذه المسألة في جلسة سرية عاجلة إذا طُلب منه ذلك. كما تؤكد تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، المنشورة في 17 أكتوبر 2026، أن هذا المسار قد يُلجأ إليه إذا طلبت السعودية تحركًا من مصر. لكن ما لا تؤكده المصادر الرسمية حتى الآن هو أن الجلسة دُعيت بالفعل أو أن الإجراء بدأ فعليًا.
وبين النص الدستوري والإشارة السياسية، تبقى الحقيقة الأهم أن الدولة المصرية، عندما تقترب من الملفات العسكرية الخارجية، تحرص على أن تمر الرسالة عبر المؤسستين معًا: الرئاسة والبرلمان. وهذه، في ذاتها، ليست تفصيلة إجرائية، بل عنوان المرحلة كلها.