Akhbar Cairo

هل يمكن استبعاد روسيا من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا؟

لماذا عاد السؤال حول عضوية روسيا الآن؟

يتكرر الجدل كلما تصاعدت الحرب الروسية الأوكرانية: هل تستطيع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا استبعاد روسيا من عضويتها؟ الإجابة القصيرة، وفق القواعد الحالية للمنظمة، هي أن الأمر ليس بهذه البساطة. فحتى مع تصاعد الانتقادات الغربية والأوكرانية لموسكو، لا توجد آلية تلقائية أو مباشرة داخل المنظمة تسمح بشطب دولة مشاركة لمجرد وجود اعتراض سياسي عليها. وهذا ما يجعل النقاش أقرب إلى اختبار لطبيعة النظام الأمني الأوروبي نفسه، لا مجرد خلاف إجرائي داخل مؤسسة دولية.

المنظمة، التي تضم حاليا 57 دولة مشاركة وتمتد جغرافيًا من أمريكا الشمالية إلى أوروبا وآسيا الوسطى، تقدم نفسها باعتبارها أكبر منظمة أمن إقليمي في العالم. وهي تقوم على مبدأ المساواة بين الدول الأعضاء وعلى قاعدة التوافق في اتخاذ القرارات، وهو ما يفسر لماذا تبدو محاولات عزل روسيا داخلها شديدة التعقيد.

ما الذي تقوله قواعد المنظمة فعلا؟

المرتكز الأهم هنا هو أن قرارات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تُتخذ، في الأصل، عبر الإجماع. ووفقا لشرح المنظمة الرسمي، فإن الإجماع يعني غياب أي اعتراض من دولة مشاركة على القرار المطروح. هذه القاعدة لا تجعل تمرير القرارات الكبرى صعبا فحسب، بل تمنح كل دولة، عمليا، قدرة كبيرة على التعطيل، خصوصا في القضايا الحساسة المرتبطة بالحرب والأمن والعقوبات السياسية.

صحيح أن المنظمة تعرف استثناء محدودا يسمى “الإجماع ناقص واحد”، ويمكن استخدامه في حال ارتكاب دولة ما “انتهاكا واضحا وجسيما وغير مصحح” لالتزامات المنظمة. لكن الموقع الرسمي يوضح أن هذا الاستثناء استُخدم تاريخيا عام 1992 لتعليق مشاركة يوغوسلافيا في ذلك الوقت، وليس هناك ما يشير إلى وجود مسار تلقائي مشابه جرى تفعيله ضد روسيا حتى الآن. كما أن تطبيق هذا الاستثناء نفسه ليس خطوة سياسية سهلة، لأن البيئة الحالية داخل المنظمة أكثر انقساما وتعقيدا من مراحل سابقة.

بين الدعوات الأوكرانية والواقع المؤسسي

منذ اندلاع الحرب الشاملة في فبراير 2022، طالبت أوكرانيا مرارا بزيادة الضغوط على روسيا داخل المؤسسات الأوروبية والدولية، بما في ذلك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وتناولت تقارير إعلامية وتصريحات سياسية أوكرانية فكرة تعليق أو إنهاء مشاركة موسكو، باعتبار أن الحرب تقوض الأسس التي قامت عليها المنظمة، وفي مقدمتها احترام السيادة ووحدة الأراضي وعدم استخدام القوة. هذه المبادئ نفسها تعود إلى وثيقة هلسنكي الختامية الموقعة في 1 أغسطس 1975، التي شكلت الأساس السياسي لمسار الأمن والتعاون الأوروبي قبل أن يتطور لاحقا إلى المنظمة الحالية.

لكن المفارقة أن المنظمة صُممت أصلا لتبقى ساحة حوار حتى في أوقات التوتر الحاد بين الخصوم. وهذا بالضبط ما يجعل استبعاد روسيا مسألة شديدة الحساسية: فأنصار الإبقاء على عضوية موسكو يقولون إن قيمة المنظمة تكمن في كونها واحدة من آخر المنصات التي لا تزال تجمع الروس والأوكرانيين والغربيين تحت سقف تفاوضي واحد، مهما كان هذا السقف هشًا.

لماذا لا يشبه وضع OSCE مؤسسات أوروبية أخرى؟

في النقاش العام، يختلط أحيانا وضع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مع مؤسسات أخرى مثل مجلس أوروبا أو الاتحاد الأوروبي. لكن الفارق جوهري. فهذه المنظمة ليست اتحادا فوق قومي، ولا تملك منظومة عقوبات داخلية مماثلة لتلك الموجودة في تكتلات أخرى. كما أن التزاماتها توصف غالبا بأنها سياسية الإلزام أكثر من كونها قانونية التنفيذ على النمط التقليدي. لذلك فإن استبعاد دولة بحجم روسيا منها لا يتعلق فقط بالإرادة السياسية، بل بطبيعة المنظمة نفسها: هل هي منتدى للحلفاء، أم قناة اتصال تُبقى الخصوم داخل غرفة واحدة؟

هذا السؤال يفسر بوضوح لماذا ترفض بعض الأطراف تحويل المنظمة إلى ساحة إقصاء كامل. فلو فُتح باب الاستبعاد بسهولة، ستفقد المؤسسة جزءا من هويتها الأصلية كمنصة لإدارة الأزمات ومنع الانزلاق إلى قطيعة شاملة في الأمن الأوروبي.

ما الذي تقوله المؤشرات الحديثة؟

المؤشرات الصادرة عن المنظمة نفسها في 2025 و2026 تدل على أنها، رغم الشلل السياسي المتكرر، ما زالت ترى نفسها إطارا ضروريا للحوار. فقد تسلمت سويسرا رئاسة المنظمة لعام 2026 في 1 يناير 2026، وأكد وزير خارجيتها إنياتسيو كاسيس أن الأولوية هي العمل من أجل سلام عادل في أوكرانيا والحفاظ على قدرة المنظمة على الفعل. هذا الخطاب لا يوحي باتجاه مؤسسي نحو استبعاد روسيا، بل نحو الإبقاء على الحد الأدنى من القنوات السياسية المفتوحة.

وفي الوقت نفسه، تبقى روسيا دولة مشاركة مدرجة رسميا ضمن أعضاء المنظمة، بحسب قوائمها المحدثة، ما يعني أن أي تغيير جذري في وضعها لم يحدث حتى 6 يوليو 2026.

ماذا يعني ذلك من زاوية مصرية؟

بالنسبة للقارئ في مصر، قد يبدو السجال أوروبيا خالصا، لكنه في الحقيقة يرتبط بأسئلة أوسع عن فعالية النظام الدولي وحدود المؤسسات متعددة الأطراف. مصر ليست دولة مشاركة في المنظمة، لكنها مدرجة ضمن شركاء التعاون المتوسطيين إلى جانب الجزائر والأردن والمغرب وتونس وإسرائيل، كما أن القاهرة تحافظ على متابعة سياسية لملفات الأمن الأوروبي لما لها من انعكاسات على الطاقة والتجارة والاصطفافات الدولية.

وقد شاركت مصر في اجتماعات المنظمة بصفة الشراكة، وأكدت في مداخلات منشورة محليا تمسكها بالحلول السلمية والتسوية السياسية للأزمات. ومن هنا، فإن سؤال استبعاد روسيا لا يهم أوروبا وحدها، بل يهم أيضا دولا تراقب ما إذا كانت المؤسسات الدولية قادرة على الصمود أمام الحروب الكبرى دون أن تفقد أدوات الحوار بالكامل.

الخلاصة: الاستبعاد ممكن نظريا، لكنه شبه مستحيل سياسيا

الاستنتاج الأرجح هو أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لا تملك آلية سهلة ومباشرة لطرد روسيا، وأن أي محاولة لتعليق مشاركتها ستصطدم إما بقاعدة الإجماع أو بكلفة سياسية كبيرة حتى في ظل وجود استثناءات محدودة على الورق. لذلك، فإن الدعوات الأوكرانية مفهومة من زاوية أخلاقية وسياسية، لكنها تصطدم ببنية مؤسسية أُنشئت أصلا لإبقاء الحوار قائما في أكثر اللحظات صعوبة.

من هذا المنظور، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يمكن استبعاد روسيا؟ بل: هل تستطيع المنظمة أن تبقى فاعلة إذا ظل أحد أطراف الحرب داخلها، وهل تستطيع أن تبقى ذات معنى إذا أخرجته منها؟ هنا تحديدا يكمن المأزق الأوروبي الراهن: مؤسسة وُلدت من روح هلسنكي والتسويات الباردة، لكنها مطالبة اليوم بالتعامل مع حرب ساخنة من دون أن تملك أدوات حاسمة للحسم.

أبرز النقاط في المشهد الحالي

  • روسيا ما زالت مدرجة رسميا بين الدول الـ57 المشاركة في المنظمة.
  • آلية اتخاذ القرار الأساسية داخل المنظمة هي التوافق بين الدول المشاركة.
  • يوجد استثناء محدود يسمى الإجماع ناقص واحد، لكنه نادر الاستخدام وتاريخيًّا استُخدم مع يوغوسلافيا في 1992.
  • وثيقة هلسنكي 1975 تبقى المرجعية السياسية الأساسية لمبادئ المنظمة.
  • سويسرا تتولى رئاسة المنظمة في عام 2026 مع تركيز معلن على أوكرانيا والحوار وقدرة المنظمة على العمل.
  • مصر حاضرة في إطار الشراكة المتوسطية مع المنظمة، ما يضفي على الملف أهمية تتجاوز أوروبا.