هل ينجح ضغط واشنطن في فرض مسار غزة على إسرائيل؟
واشنطن ترفع السقف.. لكن العقدة لا تزال في تل أبيب
لم يعد الحديث عن ضغوط أمريكية على إسرائيل بشأن غزة مجرد تسريب إعلامي عابر، بل بات يعكس اتجاهاً سياسياً واضحاً داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) لدفع حكومة بنيامين نتنياهو نحو تنفيذ ما تسميه واشنطن المرحلة التالية من خطتها لإنهاء الحرب وإدارة ما بعد القتال في القطاع. الجديد هنا ليس وجود خطة أمريكية فحسب، وإنما ازدياد المؤشرات إلى أن الإدارة الأمريكية تريد ترجمة هذه الخطة إلى التزامات عملية، في توقيت تتقاطع فيه حسابات الأمن الإقليمي مع السياسة الداخلية في كل من واشنطن وتل أبيب.
البيت الأبيض كان قد أعلن في 16 يناير/كانون الثاني 2026 ما وصفه بـالخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، وهي خارطة طريق من 20 نقطة تتناول وقف العمليات، الترتيبات الانتقالية، إعادة الإعمار، والاستقرار طويل الأمد. وفي الوقت نفسه، ظهرت تقارير لاحقة عن وثيقة أمريكية قُدمت إلى إسرائيل تتضمن خطوات تتصل بالبنية التحتية، ونقل السكان داخل القطاع إلى مناطق إدارة انتقالية، ومضي عملية الإعمار حتى في ظل استمرار الخلاف حول مسألة نزع سلاح حماس.
ما الذي تؤكده المعطيات المتاحة؟
المعلومات المتوافرة من مصادر أمريكية ودولية وإقليمية ترسم صورة متماسكة نسبياً: إدارة ترامب تريد الحفاظ على مسارها السياسي في غزة، بينما تُظهر حكومة نتنياهو تردداً، بل رفضاً صريحاً لبعض عناصر هذا المسار. وكالة أسوشيتد برس نقلت في 9 أغسطس/آب 2026 ثم في 11 أغسطس/آب 2026 أن نتنياهو رفض أحدث نسخة من خطة ترامب الخاصة بدفع وقف إطلاق النار المتعثر، مؤكداً أن إسرائيل لن تنسحب من نحو 60% من القطاع الذي تسيطر عليه قبل نزع سلاح حماس بالكامل. وفي المقابل، تواصل واشنطن الإشارة إلى أن الضغط قد يقود إلى اختراق سياسي.
من زاوية تحليلية، هذا يعني أن الخلاف لم يعد فقط على وقف الحرب في غزة، بل على تعريف “اليوم التالي”: من يدير القطاع؟ من يضمن الأمن؟ وكيف تبدأ إعادة الإعمار؟ هذه الأسئلة، التي كانت لوقت طويل مؤجلة، باتت في قلب الاشتباك الأمريكي الإسرائيلي.
لماذا تضغط إدارة ترامب الآن؟
السبب الأول يرتبط بمصداقية الإدارة الأمريكية نفسها. الرئيس ترامب قدّم خطته باعتبارها مساراً لإنهاء الحرب وتحويل الملف من ساحة مفتوحة إلى ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للإدارة. أي تعثر طويل في غزة يضعف هذا الوعد، خصوصاً مع تعدد الأزمات الإقليمية وتشابكها. كما أن التقارير الأمريكية تشير إلى أن ترامب يريد إظهار قدرة إدارته على إنتاج تسويات في الشرق الأوسط، لا الاكتفاء بإدارة النزاع.
السبب الثاني داخلي إسرائيلي. نتنياهو (@b.netanyahu على إنستغرام) يواجه ضغوطاً انتخابية وسياسية معقدة، ويعرف أن أي مرونة كبيرة في ملفات الانسحاب أو الترتيبات الأمنية قد تُستخدم ضده من خصومه ومن اليمين المتشدد. لذلك يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي حريصاً على كسب الوقت، أو تعديل الخطة الأمريكية بما يتوافق مع أولوياته العسكرية والسياسية.
أما السبب الثالث فهو إقليمي، وهنا يبرز العامل المصري بوضوح. فكل حديث عن ترتيبات ما بعد الحرب، أو إعادة الإعمار، أو تشغيل آليات المساعدات، لا يمكن عزله عن دور مصر في غزة، سواء من بوابة الوساطة السياسية أو من خلال معبر رفح، أو عبر الإعداد للمؤتمر الدولي الخاص بالتعافي المبكر وإعادة الإعمار.
أين تقف مصر من هذا المسار؟
بالنسبة للقارئ المصري، الأهم ليس فقط ما تريده واشنطن أو ترفضه تل أبيب، بل كيف ينعكس ذلك على المقاربة المصرية الثابتة. الموقف الرسمي المصري خلال 2026 ركّز على عدة مبادئ: تثبيت وقف إطلاق النار، تسهيل دخول المساعدات، رفض التهجير القسري، وضمان أن تكون إعادة إعمار غزة في إطار يحفظ بقاء الفلسطينيين على أرضهم ويصون الملكية الفلسطينية للعملية السياسية والإدارية.
وزارة الخارجية المصرية أكدت في أكثر من مناسبة أن هناك إطاراً عربياً-إسلامياً لإعادة إعمار غزة يحظى بدعم واسع، وأن نجاح التعافي المبكر لا ينفصل عن أفق سياسي أوسع يقود إلى حل الدولتين. كما شددت القاهرة على أن مؤتمر إعادة الإعمار سيُعقد فور توافر الشروط السياسية والإنسانية الملائمة، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار بصورة مستقرة.
وفي 1 فبراير/شباط، صدر في القاهرة بيان وزاري عربي شدد على أهمية تنفيذ عملية شاملة لإعادة الإعمار بما يضمن بقاء الفلسطينيين في أرضهم، مع الترحيب باعتزام مصر، بالتعاون مع الأمم المتحدة، استضافة مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة. كما أوضحت اتصالات لاحقة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي أن الخطة العربية-الإسلامية تقوم على الملكية الفلسطينية، وعودة المؤسسات الفلسطينية، ورفض أي مقاربات تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية.
هل تتصادم الخطة الأمريكية مع الرؤية المصرية؟
ليس بالضرورة بصورة كاملة، لكن هناك مساحات حساسة من التباين. فواشنطن تتحدث عن ترتيبات انتقالية وقوة استقرار دولية وانسحاب إسرائيلي ضمن مراحل، بينما تركز القاهرة على أن أي ترتيبات يجب أن تنتهي إلى إطار فلسطيني شرعي، لا إلى إدارة مفروضة من الخارج أو إلى هندسة سياسية تتجاهل الأساس القانوني للقضية.
ومن هنا، تبدو مصر أقرب إلى لعب دور “الموازن” بين ضرورات وقف الحرب ومقتضيات الحل السياسي. فهي لا تريد انهيار أي مسار يخفف الكارثة الإنسانية، لكنها في الوقت نفسه تتحفظ على أي مسار قد يرسخ وقائع انتقالية بلا أفق نهائي، أو يفتح الباب لصيغ يمكن أن تُفهم باعتبارها إعادة تشكيل للقضية الفلسطينية بعيداً عن مرجعياتها المعروفة.
ما الذي يمنع التنفيذ فعلياً؟
- الرفض الإسرائيلي لبعض البنود الجوهرية، خصوصاً ما يتصل بالانسحاب، وحرية الحركة، ونزع السلاح.
- غياب توافق كامل حول الجهة الفلسطينية التي ستدير القطاع خلال المرحلة الانتقالية وبعدها.
- التعقيدات الأمنية المرتبطة بأي قوة استقرار دولية، وآليات انتشارها، وتمويلها، وقواعد عملها.
- الكلفة الإنسانية والسياسية لاستمرار التأجيل، في ظل دمار واسع النطاق وحاجة القطاع العاجلة إلى التعافي المبكر.
- تداخل المسار الإنساني مع الحسابات الانتخابية في إسرائيل، وهو ما يجعل أي قرار استراتيجي مؤجلاً أو منقوصاً.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟
إذا نجحت واشنطن في انتزاع موافقة إسرائيلية على عناصر المرحلة الثانية، فإن مصر ستكون أمام فرصة لتثبيت مسار يربط الهدنة بإعادة الإعمار وفتح الممرات الإنسانية بصورة أكثر انتظاماً، مع استعادة الزخم الدبلوماسي لفكرة الحل السياسي. أما إذا استمر التعثر، فستظل المنطقة تدور في حلقة من الهدن الهشة والتصعيد المتقطع والمبادرات غير المكتملة.
المهم هنا أن القاهرة لا تتعامل مع غزة باعتبارها ملفاً خارجياً عادياً، بل كقضية تمس الأمن القومي المصري مباشرة. ولهذا فإن أي تغيير في طبيعة الخطة الأمريكية، أو في حجم الضغط على إسرائيل، ستكون له انعكاسات مباشرة على حسابات مصر المتعلقة بالحدود، والمساعدات، والاستقرار الإقليمي، ومستقبل القضية الفلسطينية نفسها.
الخلاصة: ضغط موجود.. لكن الحسم لم يأتِ بعد
المؤكد حتى الآن أن الولايات المتحدة تضغط على إسرائيل للمضي في تنفيذ ترتيبات أوسع في غزة، وأن هذا الضغط لم يعد مجرد تكهنات إعلامية. لكن المؤكد أيضاً أن حكومة نتنياهو لا تزال تتعامل مع الخطة الأمريكية بانتقائية شديدة، فتقبل ما ينسجم مع رؤيتها الأمنية وترفض ما تراه مساساً بحرية حركتها العسكرية أو بمصالحها السياسية الداخلية.
وبين ضغط واشنطن وتحفظ تل أبيب، تظل مصر رقماً صعباً في أي معادلة قابلة للحياة. فمن دون دور مصري فعال، ودون إطار عربي واضح، يصعب تصور انتقال جدي من إدارة الأزمة إلى تسويتها. لهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل تضغط أمريكا؟ بل: هل تستطيع تحويل الضغط إلى اتفاق قابل للتنفيذ على الأرض؟ وحتى الآن، تبدو الإجابة مفتوحة على أكثر من احتمال.