هيجسيث تحت ضغط الشيوخ مع تصاعد كلفة الحرب على إيران
جلسة استماع تكشف عمق المأزق السياسي
لم تعد المواجهة الأمريكية مع إيران شأنا عسكريا يُدار خلف أبواب البنتاجون فقط، بل تحولت إلى ملف سياسي مفتوح داخل الكونغرس، مع تصاعد الأسئلة بشأن الكلفة والجدوى وسقف التوسع. وفي هذا السياق، واجه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث جلسة استماع حادة داخل لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026، خلال مراجعة الطلب التكميلي الذي قدمته الإدارة الأمريكية في 24 يونيو 2026 لتمويل الحرب والإنفاق المرتبط بها.
اللافت أن الجلسة لم تكن مجرد نقاش تقني حول أرقام الموازنة، بل بدت اختبارا سياسيا لمدى قدرة الإدارة على إقناع المشرعين بأن استمرار العمليات ضد إيران يستحق ضخ مليارات إضافية، في وقت تتزايد فيه الحساسية الأمريكية تجاه العجز المالي وتكاليف الحروب الممتدة.
ما الذي طلبته الإدارة الأمريكية فعليا؟
بحسب ما عُرض في مجلس الشيوخ، طلبت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمويلا تكميليا بقيمة 87.6 مليار دولار، فيما يدفع الجمهوريون في الكونغرس بمسار تشريعي أوسع تصل قيمته إلى نحو 95 مليار دولار. هذا المسار لا يقتصر على تمويل البنتاجون، بل يتداخل مع أولويات أخرى للبيت الأبيض، بينها مساعدات للمزارعين الأمريكيين وتخصيصات مرتبطة بتشديد قواعد التصويت وإثبات الهوية والجنسيّة في العملية الانتخابية.
هذا الربط بين الحرب والمزارعين وقانون التصويت ليس تفصيلا إجرائيا. بالعكس، هو يعكس طريقة إدارة المعارك داخل واشنطن: جمع ملفات متباعدة داخل حزمة واحدة لزيادة فرص تمريرها سياسيا. غير أن هذا الأسلوب نفسه يفتح الباب أمام اعتراضات واسعة، لأن معارضي الحرب لا يريدون منح الإدارة شيكا مفتوحا تحت عنوان الأمن القومي، بينما يتحفظ آخرون على ضم ملفات انتخابية مثيرة للانقسام إلى إنفاق عسكري عاجل.
تفاصيل الحزمة الجمهورية
- 60 مليار دولار للدفاع.
- 13 مليار دولار لبنود استخباراتية وأمنية مرتبطة بالمواجهة.
- 12 مليار دولار لدعم الزراعة والمزارعين.
- 10 مليارات دولار لإجراءات وقواعد انتخابية يدعمها الجمهوريون.
هذه الأرقام تجعل من الحزمة مشروع إعادة ترتيب للأولويات الداخلية بقدر ما هي أداة لتمويل حرب خارجية.
لماذا كانت الجلسة ساخنة إلى هذا الحد؟
هيجسيث دخل الجلسة تحت ضغط مزدوج: أولا، تبرير الحاجة إلى تمويل إضافي رغم الميزانية الدفاعية الضخمة التي تطلبها الإدارة؛ وثانيا، الرد على تساؤلات بشأن الحسابات الميدانية والسياسية للحرب نفسها. وخلال الجلسة، قدّر وزير الدفاع كلفة الحرب على إيران حتى الآن بنحو 37.5 مليار دولار. هذا الرقم وحده كان كافيا لتكثيف الهجوم عليه من أعضاء ديمقراطيين رأوا أن الإدارة تطلب المزيد من الأموال من دون تقديم تصور مقنع لنهاية الصراع أو حدوده.
السناتور الديمقراطي جاك ريد، وهو عضو بارز في لجنة الاعتمادات، ركز على مسألة التخطيط الاستراتيجي، خصوصا ما يتعلق بتداعيات الحرب على مضيق هرمز وأسواق الطاقة. ومن زاوية أخرى، شددت السناتورة باتي موراي، نائبة رئيس اللجنة، على رفضها منح الإدارة تمويلا إضافيا بلا ضوابط واضحة، معتبرة أن الإدارة تطلب مبالغ ضخمة بينما يعاني الأمريكيون داخليا من أعباء اقتصادية متزايدة.
حتى داخل المعسكر الجمهوري، لا يبدو الإجماع كاملا. فبعض المحافظين المؤيدين تقليديا للإنفاق الدفاعي يريدون تمويلا أسرع وأوسع للجيش، في حين يتحفظ آخرون من جناح التشدد المالي على إضافة عشرات المليارات إلى الإنفاق الفيدرالي من دون تعويضات موازية أو تخفيضات مقابلة.
الرسالة الأهم: الحرب لم تعد بعيدة عن جيب الناخب الأمريكي
من منظور مصري وعربي، قد تبدو المعركة داخل الكونغرس شأنا أمريكيا داخليا، لكنها في الحقيقة تقول الكثير عن طبيعة المرحلة المقبلة في المنطقة. عندما تتحول حرب في الشرق الأوسط إلى خلاف داخلي أمريكي حول الوقود والأسمدة والزراعة والاقتراع، فهذا يعني أن أثرها تجاوز الجغرافيا العسكرية ووصل إلى قلب السياسة اليومية في واشنطن.
الإدارة الأمريكية نفسها تربط جانبا من المساعدات الزراعية بارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والضغط على المزارعين بسبب تداعيات الحرب. وهنا يظهر البعد الاقتصادي المباشر: أي تصعيد طويل مع إيران لا ينعكس فقط على الأمن الإقليمي، بل يمر أيضا عبر سلاسل الإمداد والطاقة والأسعار. وبالنسبة للقارئ المصري، فهذه النقطة مهمة لأن أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز يبقى عاملا شديد التأثير على أسواق النفط والنقل والتجارة العالمية، بما فيها الاقتصادات المستوردة للطاقة أو المتأثرة بكلفتها.
بين الشرعية الدستورية والاحتياج العسكري
جزء من حدة الاستجواب يعود إلى سؤال أكبر من أرقام الميزانية: هل حصلت الإدارة على تفويض سياسي وتشريعي كاف لاستمرار الحرب؟ معارضو الإدارة يلمحون إلى أن التوسع العسكري جرى بسرعة تفوق النقاش الدستوري المطلوب، بينما يرد أنصار البيت الأبيض بأن الأولوية الآن هي إعادة ملء المخزونات العسكرية والحفاظ على الجاهزية القتالية وعدم إظهار التردد أمام إيران.
في هذا الإطار، تحاول الإدارة تسويق التمويل الجديد بوصفه استجابة عاجلة لتعويض الذخائر والمعدات المستخدمة، إلى جانب تعزيز الاستعدادات المستقبلية. لكن خصومها يرون أن هذا المنطق قد يخلق حلقة مفتوحة: كلما اتسعت العمليات، ارتفعت الكلفة، ثم استُخدمت الكلفة نفسها ذريعة لطلب تمويل إضافي.
ماذا يعني ذلك سياسيا؟
الأرجح أن معركة التمويل ستستمر خلال الأيام والأسابيع المقبلة، ليس فقط بسبب الانقسام بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل أيضا لأن مجلس الشيوخ لا يبدو مستعدا لتسليم الحزمة كما هي من دون تدقيق أو تعديل. رئيسة لجنة الاعتمادات سوزان كولينز قدمت الجلسة باعتبارها مراجعة للاحتياجات الدفاعية والإغاثية والزراعية، ما يوحي بأن النقاش سيتجاوز خطاب التعبئة الحزبية إلى فحص تفصيلي للأولويات.
ومن المرجح أن يبقى السؤال الحاسم هو: هل تستطيع الإدارة فصل الحاجة العسكرية العاجلة عن الأجندة السياسية الأوسع التي تسعى لإمرارها مع الحزمة نفسها؟ إذا فشلت في ذلك، فقد يتحول التمويل من ورقة دعم للحرب إلى عبء إضافي عليها.
خلاصة تحليلية
ما جرى مع بيت هيجسيث في مجلس الشيوخ ليس مجرد استجواب لوزير دفاع، بل علامة على انتقال الحرب على إيران من ساحة القتال إلى ساحة المحاسبة السياسية. الرقم الذي أعلنه الوزير، 37.5 مليار دولار حتى الآن، جعل النقاش أكثر حساسية، فيما تضع الحزمة الجمهورية البالغة 95 مليار دولار الحرب داخل معادلة أوسع تشمل الزراعة والانتخابات والإنفاق العام.
بالنسبة للمنطقة، الرسالة الأوضح هي أن أي صراع أمريكي مع إيران لم يعد ملفا عسكريا معزولا، بل أصبح جزءا من أزمة توازن داخل النظام السياسي الأمريكي نفسه. وكلما طال أمد الحرب، زادت صعوبة تسويقها في الداخل، حتى لو استمرت المؤسسة العسكرية في المطالبة بموارد أكبر. من هنا، فإن الضغوط التي واجهها هيجسيث قد تكون بداية مرحلة يتقدم فيها سؤال من يدفع الثمن؟ على سؤال من يكسب المعركة؟.