واشنطن تجدد دعمها للبنان وتؤكد مساندة الجيش وبسط سلطة الدولة
واشنطن تعيد التأكيد على دعم مؤسسات الدولة في لبنان
في رسالة سياسية تحمل دلالات تتجاوز الصياغة الدبلوماسية المعتادة، جددت الولايات المتحدة تأكيدها أنها مستمرة في دعم الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتعزيز سلطة الدولة والحفاظ على الاستقرار الداخلي. ويأتي هذا الموقف في وقت يمر فيه لبنان بمرحلة دقيقة تجمع بين الضغوط الأمنية على حدوده الجنوبية، والأزمة الاقتصادية الممتدة، والرهان الدولي على تقوية المؤسسات الشرعية القادرة على إدارة البلاد.
وبالنسبة للمتابع المصري، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط بالساحة اللبنانية، بل تمتد إلى معادلة الاستقرار في شرق المتوسط والمشرق العربي ككل، خاصة أن أي تغير في توازنات لبنان ينعكس على ملفات الأمن الإقليمي، وحركة الملاحة، وموجات النزوح، وشبكة العلاقات العربية والدولية في المنطقة.
ما الذي أكدته واشنطن فعلياً؟
الموقف الأمريكي ليس جديداً من حيث المبدأ، لكنه اكتسب ثقلاً إضافياً مع تجدد الحديث عن ضرورة حصرية السلاح بيد الدولة وتوسيع قدرة المؤسسات اللبنانية على فرض سلطتها. وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد شددت في أكثر من مناسبة على دعمها للحكومة اللبنانية ومؤسساتها السيادية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، بوصفه المؤسسة الرسمية المعنية بحماية البلاد والحفاظ على الأمن. كما أن واشنطن تؤكد بصورة متكررة أن دعم الجيش يندرج ضمن هدف أوسع يتمثل في تمكين الدولة اللبنانية من ممارسة سلطتها على كامل أراضيها.
وفي السياق نفسه، يبرز اسم الدبلوماسية الأمريكية ليزا أ. جونسون، السفيرة الأمريكية السابقة في بيروت، باعتبارها واحدة من الوجوه المرتبطة بملف العلاقات الأمريكية اللبنانية في المرحلة الأخيرة. وقد ثبت تعيينها سابقاً سفيرة للولايات المتحدة لدى لبنان ضمن الوثائق الرسمية الأمريكية.
الجيش اللبناني في قلب المعادلة
يعكس التركيز الأمريكي على الجيش اللبناني إدراكاً دولياً لدور هذه المؤسسة في منع الانزلاق إلى فراغ أمني شامل. فالموقع الرسمي للجيش اللبناني أشار خلال 2026 إلى لقاءات متتالية بين قائد الجيش العماد رودولف هيكل ومسؤولين عسكريين غربيين، بينها لقاء مع قائد القيادة المركزية الأمريكية في 29 يونيو 2026، جرى خلاله التشديد على أهمية استمرار التعاون والدعم بما يحفظ أمن لبنان واستقراره.
كما أوضح الجيش اللبناني في بياناته أن وحداته تواصل التنسيق مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يونيفيل والآلية المشرفة على وقف الأعمال العدائية، بالتوازي مع إجراءات استثنائية للحفاظ على الأمن ومنع المظاهر المسلحة في مناطق مختلفة. وهذا يعني أن المؤسسة العسكرية لا تتحرك فقط كقوة دفاع تقليدية، بل كذراع أساسي للدولة في إدارة التوترات الداخلية والحدودية.
ومن منظور عربي أوسع، فإن بقاء الجيش اللبناني متماسكاً يمثل مصلحة مباشرة لدول المنطقة، لأن انهيار المؤسسة العسكرية في بلد شديد الحساسية جغرافياً وسياسياً مثل لبنان قد يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى العابرة للحدود.
القرار 1701 والجنوب اللبناني
لا يمكن فصل أي حديث عن دعم الجيش اللبناني أو بسط سلطة الدولة عن القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن في 11 أغسطس 2006، والذي وضع إطاراً لوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، ورسخ دور يونيفيل في الجنوب بالتنسيق مع الجيش اللبناني. وتشير الأمم المتحدة إلى أن هذا القرار ما يزال حتى اليوم حجر الزاوية في الحفاظ على الاستقرار على طول الخط الأزرق وفي جنوب لبنان.
وتزداد حساسية هذا الملف مع تأكيد الأمم المتحدة أن ولاية يونيفيل مُدِّدت حتى 31 ديسمبر 2026، مع ترتيبات مرتبطة بإنهاء المهمة بشكل تدريجي وآمن بعد ذلك، وفق القرار 2790 لعام 2025. هذا التطور يجعل دور الجيش اللبناني أكثر أهمية، لأن أي خفض مستقبلي في الوجود الأممي سيرفع من الحاجة إلى مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على ملء الفراغ الميداني وحفظ الاستقرار جنوباً.
الدعم الخارجي مرتبط أيضاً بالإصلاحات
في بيروت، لا يُقرأ الدعم الدولي بمعزل عن الشروط السياسية والاقتصادية. تقارير الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان أظهرت خلال الفترة الماضية أن ملف الإصلاحات المالية والإدارية، إلى جانب قضية حصر السلاح بيد الدولة، بات حاضراً بقوة في المحادثات بين المسؤولين اللبنانيين والوفود الأمريكية والدولية. كما أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في سياق رسمي أن حكومته ماضية في تنفيذ خطة إصلاحية ومواصلة العمل لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
هذا الربط بين المساندة الخارجية والإصلاح الداخلي مهم للغاية؛ فالمجتمع الدولي لا يتحدث فقط عن مساعدات مالية أو عسكرية، بل عن مسار متكامل يشمل تحديث الإدارة، وإعادة هيكلة القطاعات المتعثرة، وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ القرار الأمني والسيادي من دون ازدواجية.
لماذا يهم ذلك القارئ في مصر؟
بالنسبة للجمهور في مصر، فإن متابعة الملف اللبناني لا تنطلق من باب التضامن العربي فقط، بل من اعتبارات استراتيجية واضحة. فاستقرار لبنان يرتبط بأمن المشرق العربي، وبحسابات الطاقة والغاز في شرق المتوسط، وبمستقبل التوازنات الإقليمية التي تؤثر بدورها على الاقتصاد والسياسة في المنطقة. كما أن القاهرة تتابع تقليدياً أي تحركات دولية تخص مؤسسات الدولة الوطنية في البلدان العربية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدعم الجيوش النظامية في مواجهة مخاطر التفكك والفوضى.
ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة الأمريكية الأخيرة يمكن فهمها باعتبارها تأكيداً على أن لبنان لا يزال حاضراً في أولويات القوى الدولية، وأن استقرار مؤسساته، وفي مقدمتها الجيش، يمثل جزءاً من معادلة أوسع تخص أمن الشرق الأوسط.
قراءة في الدلالات السياسية
سياسياً، يكشف تجديد الالتزام الأمريكي عن ثلاث نقاط أساسية:
- أولاً: استمرار الرهان الدولي على الجيش اللبناني كمؤسسة جامعة قادرة على حفظ الحد الأدنى من التماسك الوطني.
- ثانياً: أن مسألة بسط سلطة الدولة لم تعد شعاراً سياسياً عاماً، بل بنداً مركزياً في النقاش الدولي حول مستقبل لبنان.
- ثالثاً: أن الجنوب اللبناني سيظل محور الاختبار الأهم لمدى قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها الأمنية، خصوصاً في ظل استمرار مرجعية القرار 1701 حتى نهاية 2026 على الأقل.
وفي المحصلة، فإن تأكيد الولايات المتحدة دعم الحكومة والجيش اللبنانيين ليس مجرد تصريح بروتوكولي، بل إشارة إلى أن معركة تثبيت الدولة في لبنان ما زالت مفتوحة، وأن نجاحها سيعتمد على توازن دقيق بين الدعم الخارجي والإصلاح الداخلي والقدرة الفعلية للمؤسسات الشرعية على فرض حضورها في الميدان. وبالنسبة للمنطقة، وفي القلب منها مصر، فإن أي تقدم في هذا الاتجاه يبقى تطوراً جديراً بالمتابعة الدقيقة.